إلى الصحفي إبراهيم عيسى: هل كان فاروق ملكاً على مصر والسودان حقاً؟

في برنامجه ” ضيوف – المشهد”، عاد الصحفي المصري المخضرم، إبراهيم عيسى، إلى استدعاء مقولة سائبة يكررها دائماً الخطاب الإعلامي المصري كلما تناول الشأن السوداني، عبارة فاقدة السند تُطرح بوصفها حقيقة مكتملة الأركان لا تقبل النقاش: “الملك فاروق ملك مصر والسودان وكردفان ودارفور”. تُقال العبارة في سهولة الواثق ودون عاقبة أخلاقية، ويتم تمريرها كأنها مسلّمة تاريخية لا تحتاج إلى تمحيص أو اخضاعها لمراجعة، ومن غير أن تُختبر بمنطق الدستور، أو تُوزن بميزان القانون الدولي، أو تُراجع في ضوء المعاهدات والإرادة الشعبية الحرة.

لكن أيّ ملكية هذه التي تقوم على وضع اليد؟ وأيّ سيادة تلك التي يتم إعلانها بمرسوم ملكي لا باستفتاء شعبي، وتُثبت بلقب لا بخيار شعب تحت الاستعمار البريطاني سليب الرغبة والإرادة؟ من هنا يبدأ السؤال الجدلي، لا عن التاريخ بوصفه رواية ذات وجهين، بل عن الشرعية بوصفها أساساً لكل دولة وكل اتحاد فيدرالياً كان أم كونفدرالياً.

هل كان الملك فاروق حقا “ملك مصر والسودان”؟ أم أن اللقب كان أوسع من تاجه وصولجانه، وأكبر من سنده الدستوري الذي كان غائباً في مصر ذاتها؟ إن منح تبعية السودان بمرسوم، وإلحاق اسمه بالتاج المصري، لا يصنع وحدة، ولا ينشئ دولة، ولا يؤسس اتحاداً. فالاتحادات في فقه القانون الدستوري لا تولد من رغبة ملك تم فرضه على شعب مصر نفسه، بل من إرادة شعوب، ولا تقوم ببلاغ رسمي، بل بدستور أو معاهدة بين كيانات ذات سيادة. وما عدا ذلك، فليس اتحاداً، بل فرض أمر واقع.

الفيدرالية، في معناها الدقيق، تعني دولة واحدة ذات سيادة موحّدة، يحكمها دستور اتحادي يوزّع الاختصاصات بين المركز والأقاليم، ويخضع له المواطن مباشرة بوصفه مواطنا في الدولة الاتحادية، لا تابعاً لإقليم منعزل. ولو كانت مصر والسودان دولة فيدرالية واحدة، لكان هناك دستور اتحادي مشترك، ومؤسسات تمثل الشعبين، ومشاركة متكافئة في صناعة القرار، ووحدة قانونية لا لبس فيها. لكن شيئاً من ذلك لم يوجد. لم يُستفتَ السودانيون على وحدة، ولم يُنشأ كيان دستوري جامع، ولم تتجسد سيادة موحّدة بإرادة مشتركة. فكيف يُقال بعد ذلك إن اللقب كان يعكس دولة واحدة تحت تاج واحد؟

أما الكونفدرالية، فهي رابطة بين دول مستقلة، تنشأ بمعاهدة واضحة بين سيادتين متكافئتين، تحتفظ كل منهما بشخصيتها الدولية، وتفوّض بعض الصلاحيات لهيئة مشتركة محدودة. فهل كان السودان دولة مستقلة تعاقدت مع مصر على اتحاد كونفدرالي؟ الواقع أن السودان كان خاضعا لنظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري منذ 1899، وهو نظام لم يُقم اتحاداً بين دولتين، بل أدار إقليماً بترتيب استعماري كانت الكلمة العليا فيه لبريطانيا. فلا معاهدة بين دولتين مستقلتين، ولا اعتراف متبادل بسيادتين، ولا حق انسحاب من اتحاد قائم أصلاً. وبذلك ينتفي الوصف الكونفدرالي كما ينتفي الوصف الفيدرالي.

إن السيادة لا تتجزأ بالشعارات، ولا يتم فرضها بالفرمانات والمراسيم الملكية. ولا يصير الإقليم جزءً من دولة لأن تاجاً أضافه إلى لقبه، بل لأن شعبه ارتضى ذلك في إطار قانوني واضح. والفرق جوهري بين وحدة تُبنى على إرادة دستورية مشتركة، وبين سيادة تُدّعى في سياق صراع سياسي مع قوة استعمارية أخرى. لقب “ملك مصر والسودان” كان، في جوهره، تعبيراً عن مطالبة سياسية بالسيادة في مواجهة النفوذ البريطاني، لا انعكاساً لكيان اتحادي قائم.

التاريخ حسم المسألة حين اختار السودان طريق الاستقلال عام 1956، مؤكّداً أن السيادة ليست ملحقاً بلقب، ولا ظلاً لتاج، بل حقاً أصيلاً للشعوب. وعليه، فإن مقولة إن الملك فاروق كان ملكا على مصر والسودان بالمعنى الدستوري الدقيق، لا تستقيم مع قواعد الفقه العام للدولة. فلا فيدرالية وُجدت، ولا كونفدرالية عُقدت، ولا إرادة شعبية مشتركة أُعلنت. وما لا يقوم على دستور أو معاهدة بين متكافئين، لا يُسمّى اتحادًا، بل يُسمّى بلا مواربة تبعية مفروضة في سياق استعماري بغيض.

أصبح هذا اللقب توصيفاً شعبياً
غير رسمي، جرى تداوله بين العامة دون أن يجد له سنداً في أي وثيقة رسمية، سواء في جوازات السفر أو العملات أو غيرها من المستندات السيادية. ويثور هنا تساؤل مشروع: هل قام الملك فاروق، أو أيٌّ من أسلافه من الملوك، بزيارة السودان ولو مرة واحدة؟ فإذا لم يحدث ذلك، فكيف يُتصوَّر أن يحمل لقباً يرتبط بإقليم لم يزره ولم يتفقد أحوال رعاياه فيه؟ ورغم أن هذا اللقب اكتسب في السنة الأخيرة من حكم الملك فاروق صفة شبه رسمية، فإنه ظل حبراً على ورق، إذ لم يُفعَّل عملياً ولم يُترجم إلى واقع سياسي أو إداري ملموس.

بهذا المعنى “الفهلوي” تسقط الألقاب حين تُوزن بميزان القانون، ويتحوّل الادعاء من حقيقة دستورية إلى عبارة سياسية طليقة. فالسؤال هنا ليس عاطفياً ولا سجالياً، بل قانوني صرف: هل كانت مقولة “ملك مصر والسودان ودارفور وكردفان” توصيفًا لكيان اتحادي قائم، أم شعاراً أكبر من بنيته القانونية؟ وهل تُستثنى الدولة السودانية من القواعد العامة التي تحكم نشأة الاتحادات في التاريخ الدستوري؟

إن التجربة المقارنة تقول غير ذلك؛ فالولايات المتحدة لم تصبح دولة اتحادية إلا بعد أن تجاوزت مرحلتها الكونفدرالية باعتماد دستور 1787، وكذلك سويسرا لم تستقر كدولة اتحادية إلا بدستور 1848 بعد تاريخ طويل من الروابط التعاهدية بين كانتوناتها. الاتحاد في الحالتين نشأ بإرادة سياسية تعاقدية واضحة، لا بقرار فوقي ولا بلقب ملحق بالتاج.

وحتى تجربة “الوحدة الاندماجية” بين مصر وسوريا في إطار الجمهورية العربية المتحدة، على قصر عمرها، قامت على إعلان دستوري واتفاق مُعلن بين دولتين معترف بهما دولياً، ثم انهارت حين تبيّن هشاشتها السياسية. أما مقولة “ملك مصر والسودان” فلا تشبه تلك النماذج إلا في شيء واحد: القرارات الفوقية التي تتحول إلى أمر واقع بقانون القوة، لا بقوة القانون. وبإعادة تدوير رواية الماضي لاسقاطها على الحاضر لتأكيد الهيمنة وأن الدولة السودانية ما زالت تحت العباءة المصرية.

الصادق حمدين

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

د. محمد جلال هاشم ينقلب على ظله

umniaissa@hotmail.comالصادق حمدين كان د. محمد جلال هاشم فاعلا في صفوف الحركة الشعبية، لا أجزم إن …