قبل أن أتعرف عليه في ثمانينات القرن الماضي كان الفتى الأمين الشيخ مصطفى الأمين ملء السمع والبصر في السودان بوصفه نموذجاً متفرداً للجيل الثاني من أبناء الوطن الذين ولدوا خلال فترة الحكم الإنجليزي وترعرعوا في كنف الحرية والانعتاق بعد استقلال السودان في عام 1956. وكان الأمين من ذوي الحظوة الذين ورثوا من آبائهم وأجدادهم الهمة والعزة والشموخ والنباهة الفطرية. فهو آخر العنقود الفريد من أبناء الشيخ مصطفى الأمين رحمه الله، ذلك الرمز الذي جسَّد معنى الوطنية الحقة في مساهماته المشهودة لبناء الاقتصاد السوداني بأيد سودانية مخلصة حتى توفاه الله في عام 1988، إذ شهد هذا العام إحدى أهم المنعطفات في حياة الفتى الأمين بفقدانه والده خلال هذه الفترة التي بدأ فيها مباشرة السير في الطريق الذي عبَّده الوالد الراحل.

توطدت صلاتي الأسرية العميقة مع الأمين خلال الدور الذي لعبه والد زوجتي فتح الرحمن البشير رحمه الله في ترتيبات قسمة ورثة الراحل مصطفى الأمين رحمه الله على مستحقيها، حيث شارك في إبرام هذه الترتيبات الدكتور حسن الترابي رحمه الله. ومنذ ذلك الوقت ظللت على تواصل أسري مستمر مع الأمين عمقته الصلة الحميمة بين زوجتي ثريا فتح الرحمن البشير وزوجته فتحية عبد المنعم حفيدة خليفة المهدي. فكنا نتبادل الزيارات الأسرية المتواصلة بشكل راتب طيلة فترة سكنه في حي كافوري، وازداد هذا التواصل الحميمي عندما جمعت بيننا عُشْرة الجيرة في حي المنشية. وشهدت هذه الفترة صعود الأمين سلم المجد كأحد رموز الاقتصاد الوطني الذين يشار إليهم بالبنان كأبرز قيادات الجيل الثاني من رجال الأعمال السودانيين الذين مزجوا موروثات الآباء العصامية بالعلوم والمعارف الحديثة التي تلقاها في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم.
وعلى الرغم من تباين سبل كسب العيش بيننا إذ قضيت حياتي العملية أستاذاً في الجامعات السودانية وخبيراً في مؤسسات التمويل العربية، في الوقت الذي فيه برع الأمين في مجال العمل الخاص، إلا أن القاسم المشترك بيننا طيلة لقاءاتنا المتواصلة كان هم الوطن والمواطن السوداني. فكانت لقاءاتنا التي تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل تزخر بآراء الأمين المستنيرة حول أسباب التردي في الأوضاع السياسية والاقتصادية في السودان، وكيفية التغلب عليها لكي يتبوأ السودان المركز المتقدم بين الدول النامية، وينعم المواطن السوداني بخيرات وطنه الزاخرة. وقد جسد الأمين هذه الأفكار المستنيرة في اهتمامه المشهود برأس المال البشري بنفس اهتمامه برأس مال عمله الخاص. فكان لنظارته المتميزة لمدارس الشيخ مصطفى الأمين الوقفية الأثر البالغ في تربية وتنمية الشباب السوداني لحمل راية المستقبل الواعد. وفي ذات الوقت كرس جهده تنويع عمله الخاص بين القطاع المصرفي والمالي والقطاع السياحي والقطاع الصناعي والقطاع الزراعي مساهماً جوهرياً في اضطلاع القطاع الخاص السوداني بدوره البارز في مستقبل السودان.
لقد شهد عام 2018 علامة بارزة في معدن الأمين النفيس، حيث شهد مطلع هذا العام فقدانه لفلذة كبده وخاتمة ذريته عبد المنعم رحمه الله في حادث مرور مأساوي وهو في ريعان صباه. فقد كنت لصيقاً بالأمين منذ اللحظات الأولى لهذا الحادث المشؤوم، ورافقته طيلة فترة العزاء. وكنت شاهداً على صلابة هذا الرجل وقوة شكيمته أمام هذا الحدث الذي يهتز من وقعه الجبل الأشم. فقد كان الأمين مثالاً فريداً في الاحتساب والإيمان بالله والقدر الذي أصابه في أعز ما عنده. ففي لحظة الصدمة الأولى التي شهد فيها ابنه وقد فارق الحياة كان الأمين ثابتاً وأخبرني بأنه كان يطمئن زوجته بأن ابنها في زمرة الشهداء من وحي الابتسامة على المرسومة وجهه اليافع. وظل يقوم بمواساتي والمعزين الذين هالتنا الصدمة بدلاً عن تلقي المواساة منا، رغم هول فاجعة الرحيل المأساوي لفلذة الكبد عبد المنعم في هذه السن المبكرة التي تهز أعتى الرجال. وكأنّ الله قد صقل الأمين بتلك الفاجعة ليبلغ ذروة الصبر التي لا يبلغها إلا القليلون. فقد كان حزنه عميقاً كالبحر، لكنه كان يخفيه بوقار المؤمنين، حتى ظنّ من حوله أنه يواسيهم، لا أنهم يواسونه. ولا أنسى في هذه المحطة من علاقتنا النبيلة تواصل الأمين معي حين أتى لإنجلترا خصيصاً لزيارة الكلية التي كان يدرس فيها عبد المنعم ورعاية الشجرة التي زرعتها إدارة الجامعة في فنائها تخليداً لذكرى عبد المنعم، أحد طلابها المتميزين، حيث أهداهم الأمين جائزة سنوية باسم فلذة كبده يتنافس عليها الطلاب المبرزون في المجالات الأكاديمية والامجتمعية.
وتتعدد المحطات المشرقة العصية على النسيان في علاقتي الطويلة مع الأمين، فقد شهدت فترة قيادتي لمركز مأمون بحيري إحدى هذه إحدى سماته المشرقة في الإخلاص والعرفان. فعندما واجهتنا صعوبات كبيرة في إيجاد شركة تأمين صحي للعاملين بالمركز بوصفه مؤسسة بحثية غير ربحية ومحدودة الموارد، تواصلت مع الأمين للتشاور حول الموضوع. فما لبث أن تحول التشاور إلى توجيه لابنه مصطفى باكمال إجراءات التأمين الصحي للعاملين بمركز مأمون بحيري بأيسر الشروط. وذكر لي أن هذا أبسط ما يقوم به عرفاناً للصلة الوطيدة التي التي جمعته ووالده بمأمون بحيري، رحمهم الله جميعاً.
لقد مثلت حرب أبريل مرحلة فارقة في علاقتي بالأمين. فبعد عشرتنا الطويلة كجيران في حي المنشية تشاركنا غربة الإقامة القسرية في القاهرة. ولكن ما لبثت تبعات الحرب أن دفعت بي إلى إنجلترا للانضمام إلى بناتي وأبنائي في مدينة نوتنجهام. وخلال هذه الفترة تزايد شغفي لكتابة المقالات حول محنة الوطن والكارثة التي أطبقت على المواطن السوداني. وبالطبع كان الأمين أول من أشاركه في المقالات التي أكتبها. وقد بهرني الأمين بسرعة قراءته لهذه المقالات وتعليقه عليها في رسائل صوتية جهورية لا يزال صداها يتردد في مخيلتي لما انطوت عليه من آراء مستنيرة وفهم عميق لما يدور في السودان. وكان دائماً يختم رسالته الصوتية لي بالدعاء بأن يحفظ الله السودان وأهله الطيبين. وعلى غير المعتاد، أرسلت للأمين مقالين، ولكن لم تصلني رسالته الصوتية المعتادة. فكتبت له مستفسراً ومطالباً بمواصلة تعليقاته اللماحة على مقالاتي. وبالفعل وصلتني الرسالة الصوتية ولكن هذه المرة جاءت بنبرة خافتة وصوت مبحوح شرح فيها اشتداد المرض عليه، مما اضطره لشد الرحال للإمارات ثم لندن، وأنه في طريقه لتايلاند لمواصلة العلاج. ورغم شدة المرض البائنة في صوته، كان قوياً وشجاعاً ومؤمناً بعدم إصابته بأي ضرر لم يكتبه الله له. واختتم رسالته الصوتية لي بدعاء وتضرع إلى الله بما شبه الهتاف بأن يحفظ الله السودان ويقيل عثرته عاجلاً غير آجل. وظل الأمين يراسلني من تايلاند مطمئناً حول سير البرنامج العلاجي ونتائج الفحوصات إلى أن تغلب عليه المرض العضال وأسلم روحه الطاهرة إلى بارئها في القاهرة في يوم حزين شهد انطفاء نجم متلألئ من نجوم الجيل الثاني من السودانيين. وكأنّ رحيله لم يكن غيابَ رجلٍ فريدٍ فحسب، بل انطفاءُ زمنٍ كاملٍ كان يمشي على الأرض هوناً في هيئة إنسان متواضع. فمنذ أن جاءني نبأ الرحيل، وأنا أبحث في الذاكرة عن صوته، وفي الأماكن عن أثره، وفي الدعاء عن عزاءٍ يليق بحجم هذا الفقد الجليل.
لقد كنت شاهداً قريباً على الصلة الحميمية التي ربطت الأمين بشقيقه الراحل بشير، رحمه الله. وعندما توفاه الله قبل أقل من عام أضافني الأمين إلى مجموعة وتساب تضم نحو 400 شخص من أحباب بشير الخير للدعاء له بالرحمة والغفران بعد ختم القرآن الكريم أكثر من مائة مرة. وعندما ذهبت لمنزل الأمين في القاهرة لتقديم واجب العزاء في شقيقه بشير لم يقتصر لقاؤنا على تعديد مآثر الراحل العزيز بشير والدعاء له بالهناء في برزخه وأخراه، بل شمل أيضاً التفاكر حول ما حل بالسودان والسودانيين جراء الحرب الفاجرة. وكان الأمين كعادته دائم الدعاء بأن يحفظ الله السودان من كل شر وبلية. ولكن ما اختلف في هذا اللقاء المباشر الأخير بيننا في منزله بالقاهرة أن الأمين استرسل في وصف سعيه طيلة حياته لعمل ما في وسعه لأسرته ووطنه ومواطنيه، وأنه مستعد للقاء ربه بعد أن أدى رسالته، سائلاً الله التوفيق والنجاح لزوجته وذريته. وعلى الرغم من إيماني الراسخ بقضاء الله وقدره إلا أن حديث الأمين في تلك المرة كان له صدىً في تذكيري بقصر رحلة الحياة مهما طال المسير. فبعد بضعة أشهر شاء القدر أن يشمل دعاء مجوعة الوتساب التي أسسها الأمين التضرع لأرحم الراحمين لشفاء الأمين بعد أن مسه الضر الذي لم يمهله طويلاً. وعندما فجعت مجموعة الواتساب بوفاة الأمين انتقل الدعاء بالرحمة والرضوان ليشمل إلى جانب بشير الخير شقيقه الأمين عزيز القوم.
أخي الحبيب الأمين لقد فرقنا هادم اللذات، كما فرَّق بيني وبين شقيقي وتوأم روحي الطاهر مدني الشبلي، وتباعدت الأجساد بعد طول اقتراب. ولكن لا يزال في الصدر قلباً ينبض بذكراك، ويسترجع لحظات العلاقة الحميمية الصادقة التي سادت بيننا حيناً من الدهر. فلم تكن تلك المجالس بيننا مجرّد أحاديث عابرة، بل كانت لحظاتٍ يتجلى فيها معدن الرجال، حين تختلط الحكمة بالوجع، والرؤية بالأمل، في زمنٍ عزّت فيه البصيرة. واليوم، حين أستعيد تلك الليالي، أدرك كم كنت أعيش في نعمة القرب من رجلٍ لا يتكرر. واليوم، إذ أسترجع خيوط هذه الرحلة الطويلة، أشعر أن الذاكرة أثقل من أن تُحمل، وأن الكلمات أضيق من أن تحتوي الحزن على فراقك. فقد كان الأمين حضوراً يملأ المكان، وغياباً يملأ القلب. ولهذا لن أقول لك وداعاً أخي الحبيب الأمين لأن ذكراك العطرة ستبقى شامخة وأبدية. فنَمْ قرير العين، فقد تركت فينا من الأثر ما يُبقيك حيّاً فينا ما حيينا، وموعدنا، بإذن الله، لقاءٌ لا فراق بعده، ووعد بدعاء لن ينقطع.
اللهم إني أتضرع إليك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزَلتَه في كتابِك، أو علَّمتَه أحداً من خلقِك، أو استأثَرتَ به في علمِ الغيب عندَك أن ترحم أخي الحبيب الأمين الشيخ مصطفى الأمين وأن تغفر له وتسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع السابقين المقربين مع من قلت فيهم في كتابك الكريم، ومن أصدق منك قيلاً: لهم ما يشأؤون فيها ولدينا مزيد. وأن تلهم زوجته المكلومة وأبناءه وبناته المفجوعين وأحباءه المنكوبين الصبر وحسن العزاء في هذا المصاب الجلل والفقد العظيم.
وفي الختام لا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
بروفيسور مكي مدني الشبلي
نوتنجهام 1 أبريل 2026.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم