ما يجري اليوم على الساحة السياسية السودانية ليس نقاشاً قانونياً أو سياسياً بقدر ما هو استعراض عاطفي فجّ تقوده الأماني والرغبات الذاتية، يتم فيه إلقاء أخطر الاتهامات كما تُلقى النكات في مجالس الأنس.
فجأة، وبدون سند قانوني أو حتى أدنى حس من الاتساق المنطقي، وفي مقابلة له مع “شبكة رصد السودان”، قرر د. بكري الجاك الناطق الرسمي لتحالف “صمود”، بلغة إنشائية سائلة وبجرة لسان، أن يتم تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية”، وكأن توصيف الكيانات في القانون الدولي مسألة مزاج سياسي لا أكثر.
علماً بأن الدعم السريع هو جزء من مؤسسة بحكم الدستور، والمؤسسات لا تُصنّف باعتبارها إرهابية بل قد تُوصَف بأنها داعمة للإرهاب، وهناك فرق كبير بين المصطلحين. كما أن جرائم الإبادة الجماعية تترتب عليها مسؤولية جنائية فردية، فيما يُعرف بمبدأ المسؤولية الجنائية للأشخاص، على غرار ما حدث مع المتهمين عمر البشير وعبد الرحيم حسين.
هذه ليست مناورة سياسية، ولا حتى عدم فهم للفرق بين الاتهام السياسي والاتهام القانوني، بل استخفاف بيّنْ بمفهوم العدالة نفسه. لأن الاتهام الجنائي ليس بياناً صحفياً، ولا منشوراً حماسياً، بل بناء قانوني يقوم على أدلة، ومستندات، وإجراءات، ومعايير بروتوكولية صارمة. وليس أدلة ظرفية متناثرة لا ترقى لمستوى هذا الاتهام الخطير. لكن يبدو أن هذا التفصيل “الممل” لا يروق لمن اعتادوا القفز فوق الحقائق، طالما أن الضجيج يحقق الغرض. الذي يقول عنه أهلنا إنه “مرض” إن لم تكن الوسيلة إليه واضحة.
الأكثر إثارة للدهشة أو للقلق هو هذا العبث السياسي بالمصطلحات القانونية. نفس الأصوات التي تصرخ اليوم مطالبة بـتصنيف الدعم السريع كـ” منظمة إرهابية”، هي ذاتها التي تتنقل بالأمس بين “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” و”وجرائم الإبادة الجماعية” وكأنها قائمة طعام سياسية مفتوحة. لا فهم للفروق الدقيقة في تعريفها، ولا احترام للمعايير التي يجب أن تتوفر في أركانها، فقط سباق محموم نحو أقسى توصيف ممكن، لأن القسوة اللفظية تُكسب نقاطاً في سوق المزايدات السياسية أكثر من متاها القانون وتعقيداته.
جريمة الإبادة الجماعية التي اتهم بها الأستاذ/ بكري الجاك، قوات الدعم السريع لا تستلزم بالضرورة تصنيف هذه القوات كمنظمة إرهابية، إذ ينطوي هذا الطرح على خلط مفاهيمي واضح بين طبيعة هذه الجرائم وتوصيف جرائم الإرهاب. فإلى جانب الأركان العامة للجريمة، يتطلب في اثبات جريمة الإبادة الجماعية توافر ركن خاص لا يمكن إثباته إلا من خلال تحقيقات يجريها مختصون في القانون، لا عبر تصريحات سياسيين يطلقون أحكاماً عامة في هواء وسائل الإعلام الطلق.
لكن الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب الهروب منها واضحة وبسيطة: قوات الدعم السريع ليست جسماً سرياً ولا تنظيماً خارجاً عن الدولة، بل كيان أُنشئ بقانون رسمي صادر عن السلطة التشريعية لحكومة الأمر الواقع، مستند إلى الدستور، ومُعلن في الجريدة الرسمية. أي أنها قانوناً جزء من المنظومة الأمنية للدولة، تعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. وتتبع للجيش. أي انها جزء منه. هكذا ينظر المجتمع الدولي إلى الدعم السريع من وجهة نظر دستورية، وليس تلك النظرة النمطية باعتبارها ميليشيا متمردة.
وهنا يتجلى التناقض اللفظي الصارخ بوضوح: فعندما تصف هذا الكيان بأنه “إرهابي”، فإنك لا تكتفي بمهاجمته فحسب، بل تقوّض أيضاً الأساس القانوني الذي قام عليه. وبذلك، تضع ما تبقى من مظاهر الدولة في موضع الاتهام، وتوجّه ضمنياً الاتهام إلى مؤسستها العسكرية بوصفها حاضنة لكيان “إرهابي” وداعمة له، وذلك بغضّ النظر عن مسألة إلغاء المادة (5) من قانون الدعم السريع. وعليه، فإن الأمر لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان، بل يمثل مأزقاً منطقياً وسياسياً بالغ الخطورة.
فإما أن يكون د. بكري الجاك لا يدرك ما يقول، وهذه مصيبة… أو أنه يدرك ويتعمد القول، وهذه مصيبة أكبر. في حالتنا هذه الاحتمال الثاني هو الأرجح. وفي كلتا الحالتين، نحن أمام خطاب لا يبني دولة ولا يحمي مجتمعاً، بل يفتح الباب أمام فوضى قانونية خطيرة، حيث تتحول المؤسسات إلى أهداف، والدستور إلى ورقة بلا قيمة، والقانون إلى تفصيل يمكن شطبه بخطاب هدفه الكسب السياسي.
من يريد محاسبة أي جهة كائناً من كانت، فليأتِ بالأدلة، وليخضعها للقانون، لا أن يحاكمها عبر الميكروفونات. أما تحويل الاتهامات إلى أداة سياسية لا ثمن لها، فهي الطريق الأقصر ليس للعدالة… بل لهدم ما تبقى من حطام الدولة المنهارة أصلاً. وإذا ثبت قانوناً ان أفراد من قوات الدعم السريع قد ارتكبوا جريمة الإبادة الجماعية في مدينة الجنينة أو غيرها من مدن السودان المختلفة بعد تحقيق مستقل ومحايد، فنحن أول من يتصدى لهم بالتنديد والشجب والإدانة لان أفظع من الجرائم هو تبريرها، والجرائم لا تُبرّر.
umniaissa@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم