إنجليزية “سيجنال تو”..! .. بقلم: عبد الله الشيخ

خط الاستواء 
مررت على بوابات مطار شيكاغو الالكترونية، فاستوقفتني عصافير الصافرة ، و لم تأبه المُحققة الأمريكية، لما كان يعتمل فى داخلي من رغبة الأوبة الى وطني معززاً مكرماً..قالت بلكنة امريكية لا تغادر حقيقة أنّ اساطيلهم تتمدد over seas  فى أعالي البحار! ..قالت لى باستعلاء استشعره من رصّة الدّبابير التى على كتفيها..قالت: “دونت توك”! مع أنّها هي  من جاء بي الى هنا للتحقيق.. يا الله !.. هذا مطار تسافر بالقطار فى داخله.. يا الله كل هذه ــ سبعة أمتارــ مروحة سقف..!؟ انصرفت عني المُحققة الى  شاب سعودي عدروج خالي الذقن، وتلك ميزة اضافية ..قالت له: “وقِّع هنا، و حين تغادر عبر شيكاغو، عليك أن تمُر بدائرة الهجرة ، وإلا..”!..
اللهم جنبني لقاء هذه الانثى، وأي أُنثى مثلها!.. اللهم انها خالية من أنوثة ، اللّهم إن عيناها خضراوان، لكن لهاتها جافة كصحراء المويلح ..اللهم انها لا تعرف نقش الحِنّاء، ولا تكثرث لنعمتك التى أعطيت..لقد أعطيتها ياربي قواماً مديداً فاستخدمته فى التمرجُل عليّ!.. هاهي تستعرض عضلاتها فوقي، كأنّها الرقيب القبلي فى صحائف الخرطوم !..اللهم ان هذه الأُنثى، لا تعرف “ودكاً ، ولا كركاراً”، و لا تستطعم بـ” كريم روز، ولا فير آند لفلي”..! ..وأنا بين هذه التهويمات، نادى علي محقق آخر، نطق اسمي هكذا: “شيك آبد آلاء..! فلو مي ، اتبعنى”!..نعم ساتبعُك حتى قوانتانامو إن شئت ، وما عساك تفعل معي ..؟ إنه ليس لك علي سُلطان، إن لم تسمح لى بدخول الدنيا الجديدة ، فإن شمس وطني السّاطعة تنتظرني!..سألنى عن ابي، وعن الـ family name ،كأنه معنيٌّ بمصائر أجدادي، الذين لحس التراب عظامهم، فى جبّانة دنقلا العجوز..سألني عن مسقط رأسي وقال مصححاً نفسه بنفسه : أووه “تان قاسي”.. وعن اسم أُمي..! ساعتها قلت له فى سري: “والله ياخواجه، لو سألت هذا سؤال بي غادي، فى قفا البحر دا، كنت حتعرِف حاجة، لكن معليش”!.. ظل المُحقِّق يلاحقني بالأسئلة، وأنا أهضرب أمامه بـ “انجليزية signal 2 “..! أجيب على ما أفهم من اسئلته الاتهامية الدّامغة..لماذا جئت الى هنا..؟ وكيف نعبر البحر من أجل مناقشة قضايا هنا ، ولا نناقشها هناك فى بلدكم ؟..سألني عن دارفور، وعن الجنجويد، وعن معارفي فى أمريكا،، وبعد “سلّ روح” خرجت الى هواء الله البارد..! 
اللّامبالاة قد تجعلك فيلسوفاً، والجمال قد يهديك لهاة شاعر، وزنقة الغرف الباردة، يكشف عشقك الخفي لوطنٍ خالٍ من الحب..!خرجت من التحقيق بما علق فى ذاكرتي من ” قريت اكسبكتيشن، وذهبَ مع الريح”..لاشيئ يمكن أن يقدمه البيهقي فى هذا البرد، وماذا أنتجت تلك الدقون التى يخضِّبونها بالحناء، عدا أنّها رمت بي  في هذا الشّقاء؟!.. بعد أن أوصلته رسالتى، بالاشارة وبالعبارة، أحسستُ ببداوتي تصحو لتعينني..  لقد جاء دوري لأقول له، بانجليزية التلاقيط : شوف يا زول..أنا جئت الى أمريكا لعشرة أيام ، بحثاً عن نسمة ديمقراطية نتمكن تحت ظلالها ، من مناقشة قضية السلام فى السودان ،بعدها اعود الى ما أنا فيه من هردبيس، و لو كنت اعلم انكم تستقبلوننا هكذا لما جئت..أسمع يا زول، إن كنت لا ترغب فى دخولي، فأنا اقول لك :بلدكم، بخيته وسعيدة عليكم..! بهذه المرافعة ، بانجليزيتي المُدكّنة، التى ما كنت سأكتشفها إلا باستفزاز كبير، قال لي المحقق: wait ,wait please  ..فـ ” كضمت”ـ منتظراً قراره الأخير ، بينما كان هو يُعافر حاسوبه، ويضاهي عليه البيانات التى انتزعها مني..أخيراً رفع رأسه، وسلمني الجواز، وقال ما معناه، أنه آسف لما حدث ، لأن بلدنا ــ السودان ــ من الدول التى ترعى الارهاب..! ملعون ابوكي بلد، هؤلاء الكيزان، إن رضيت بالبقاء بينهم، قالوا أنك من المُندسِّين، وإن مرقت خليّت ليهم البلد، يستوقفك عسس المطارات ، كأنك أحد خلاياهم النّائمة..؟!
/////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً