إنقاذ السيادة أم إنقاذ الكرسي؟ تشريح تسليم عبد الله خليل السلطة للجيش في 1958: خوف موثّق من حكومة موالية للقاهرة، وغياب دليل على مشروع «وحدة»، وجيش لم يكن مجرد مُستلِم
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال تسليم رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل السلطة إلى الجيش في 17 نوفمبر 1958، بوصفه حدثاً مفصلياً في تاريخ السودان السياسي، ويعيد فحص دوافعه وسياقه الداخلي والإقليمي، وطبيعة دور الجيش، ومدى ارتباط القرار بالخلافات السودانية المصرية حول مستقبل العلاقات بين البلدين. وينطلق من ضرورة التمييز بين الوقائع التاريخية المثبتة، والتفسيرات السياسية اللاحقة، والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة مستقلة، بدلاً من اختزال الحدث في رواية واحدة تعتبره مؤامرة مصرية، أو خطوة لإنقاذ السيادة الوطنية، أو مجرد وسيلة لحماية المصالح الحزبية والشخصية. ويخلص إلى أن التفسير الأكثر اتزاناً هو أن تسليم السلطة وقع في سياق أزمة سياسية ومؤسسية حقيقية، وتداخلت فيه مخاوف من النفوذ المصري، وصراعات الأحزاب، وضعف النظام البرلماني، وحسابات القيادة العسكرية، من دون أن تكفي الأدلة المتاحة لإثبات جميع الادعاءات المتعلقة بدوافع عبد الله خليل أو وجود مشروع متكامل للوحدة مع مصر كان يستوجب الانقلاب لإفشاله.
بدأت الأزمة في ظل نظام برلماني حديث الاستقلال، يعاني من الانقسام الحزبي، وضعف الاستقرار الحكومي، وصعوبة بناء توافق وطني حول قضايا الهوية والدستور والعلاقات الخارجية. فقد تنافست القوى السياسية حول طبيعة الدولة السودانية، والعلاقة مع مصر، وشكل الحكم، ومصادر الشرعية السياسية، بينما ظلت مؤسسات الدولة تعاني من محدودية الخبرة التراكمية وضعف الضوابط الدستورية التي تحول دون احتكار السلطة. وأسهم التنافس بين الأحزاب في إضعاف قدرة البرلمان على إنتاج تسويات مستقرة، كما جعل الخلافات حول السياسة الخارجية امتداداً للصراع الداخلي على السلطة. وفي هذا السياق، لم تكن العلاقة مع مصر مسألة دبلوماسية منفصلة عن السياسة السودانية، بل كانت مرتبطة بمخاوف السيادة والاستقلال، وبالتصورات المتعارضة لمستقبل السودان، وبالتنافس بين القوى التي رأت في التعاون مع القاهرة فرصة، والقوى التي خشيت أن يؤدي هذا التعاون إلى تقليص استقلال القرار السوداني.
كان حزب الأمة وقياداته جزءاً أساسياً من المشهد السياسي الذي أفضى إلى الأزمة، كما كان حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي والقوى الأخرى أطرافاً في صراع أوسع بشأن التحالفات السياسية والعلاقات الخارجية. ولم يكن الانقسام حول مصر مجرد خلاف بين مؤيدين للوحدة ومعارضين لها؛ إذ تداخلت فيه المصالح الحزبية، والمنافسة على المناصب، والتباينات بشأن طبيعة الاستقلال، والتصورات المتعلقة بتوازن القوى الإقليمي. لذلك لا يمكن تفسير سلوك أي حزب أو زعيم اعتماداً على شعاراته وحدها، بل ينبغي النظر إلى مواقفه في سياق حساباته السياسية ومصالحه المتغيرة، مع تجنب تحويل هذه الحسابات المحتملة إلى حقائق قطعية من دون وثائق تثبتها.
ويبرز المقال الخلاف حول مستقبل العلاقات السودانية المصرية بوصفه أحد أهم عناصر الأزمة. فقد ظلت مسألة الوحدة أو الاتحاد مع مصر حاضرة في السياسة السودانية منذ مرحلة ما قبل الاستقلال، لكنها لم تكن مشروعاً واحداً ثابتاً اتفقت عليه جميع القوى الاتحادية، كما لم يكن رفض الوحدة يعني بالضرورة رفض التعاون الاقتصادي أو الأمني أو الدبلوماسي مع القاهرة. فهناك فرق بين الاتحاد السياسي الذي قد يعيد توزيع السيادة، وبين التعاون الثنائي الذي يحافظ على استقلال الدولة السودانية. ومن ثم فإن إثبات أن حكومة سودانية كانت تخشى النفوذ المصري لا يثبت تلقائياً أنها كانت تواجه مشروعاً وشيكاً للوحدة، كما أن وجود اتصالات أو تفاهمات بين مسؤولين سودانيين ومصريين لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة لإلغاء استقلال السودان أو دمجه في الدولة المصرية.
ويولي المقال أهمية خاصة لمخاوف عبد الله خليل من احتمال تشكل حكومة سودانية موالية للقاهرة أو تزايد النفوذ المصري في مؤسسات الدولة. ويعرض هذه المخاوف باعتبارها جزءاً مهماً من تفسير الأزمة، ولا سيما في ظل الصراع الحزبي والتنافس على اتجاه السياسة الخارجية. غير أن وجود الخوف السياسي يختلف عن ثبوت صحة موضوعه؛ فقد تكون المخاوف ناتجة عن معلومات فعلية، أو تقديرات استراتيجية، أو مبالغات حزبية، أو مزيج من هذه العناصر. ولذلك ينبغي التمييز بين توثيق أن عبد الله خليل أو حلفاءه كانوا يخشون تحولاً في اتجاه الحكومة، وبين إثبات أن ذلك التحول كان وشيكاً بالفعل أو أنه كان سيؤدي حتماً إلى مشروع وحدة مع مصر. ويؤكد هذا التمييز أن تفسير القرار يتطلب فحص طبيعة المعلومات التي كانت متاحة آنذاك، ومصادرها، ومدى استقلالها، وما إذا كانت تدل على خطر فعلي أو على تصور سياسي لذلك الخطر.
وفي معالجة دور مصر، يرفض المقال التعامل مع القاهرة بوصفها قوة خارجية ذات تأثير مطلق تستطيع تحديد مسار السياسة السودانية من دون قيود داخلية. فقد امتلكت مصر مصالح استراتيجية في السودان، وكانت تسعى إلى التأثير في اتجاه علاقاته الخارجية، لكن السياسة السودانية ظلت مجالاً للصراع بين قوى محلية لها مصالحها وتصوراتها الخاصة. ولذلك ينبغي دراسة التأثير المصري من خلال الوقائع المحددة، مثل الاتصالات الدبلوماسية، ومواقف الحكومات والأحزاب، والتصريحات الرسمية، والوثائق المتاحة، بدلاً من استنتاج وجود سيطرة مصرية شاملة من مجرد التقارب السياسي أو التوافق المؤقت بين بعض الفاعلين. وفي المقابل، فإن رفض التفسيرات التآمرية غير المثبتة لا يقتضي إنكار محاولات التأثير الخارجي، بل يقتضي تحديد نطاقها وأدلتها والتمييز بينها وبين القرارات التي اتخذها الفاعلون السودانيون أنفسهم.
ويفحص المقال أيضاً دور الجيش في أزمة نوفمبر 1958، موضحاً أن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد جهة محايدة تسلمت السلطة نتيجة قرار مدني منفرد. فقد كان الجيش مؤسسة تمتلك قيادة وتسلسلاً هرمياً ومصالح مؤسسية، وكانت لديه القدرة على تحويل الأزمة السياسية إلى تغيير في نظام الحكم. ومن ثم فإن تسليم عبد الله خليل السلطة للجيش لا يعفي القيادة العسكرية من المسؤولية عن قبول السلطة وممارستها، ولا يجعل الانقلاب مجرد إجراء إداري لتنفيذ قرار صادر عن رئيس الوزراء. فهناك فرق بين موافقة الجيش على تدخل محدود لإنهاء أزمة حكومية، وبين استيلائه على السلطة وإقامة نظام عسكري يغير قواعد الحياة السياسية. كما أن دراسة دور الجيش تقتضي فحص استعداد قيادته للتدخل، وحساباتها بشأن النظام البرلماني، وطبيعة الاتصالات التي سبقت الانقلاب، ومدى وجود تفاهمات بين القيادة المدنية والعسكرية، مع عدم افتراض تفاصيل غير موثقة بشأن تلك الاتصالات.
ويشدد المقال على أن تسليم السلطة لا يمكن تقييمه باعتباره عملاً دستورياً مشروعاً لمجرد أن رئيس الوزراء هو الذي بادر إليه أو وافق عليه. فالشرعية الدستورية لا تنبع من موافقة مسؤول منفرد على إنهاء النظام البرلماني، وإنما من احترام القواعد التي تنظم انتقال السلطة، ومن اختصاص المؤسسات المخولة دستورياً، ومن استمرار خضوع الجيش للسلطة المدنية. وإذا أدى القرار إلى تعطيل المؤسسات المنتخبة وإلغاء التنافس السياسي، فإن ذلك يثير إشكالاً جوهرياً بشأن شرعيته وآثاره، حتى لو كان صاحبه يعتقد أنه يتصرف لحماية الدولة أو منع أزمة أكبر. وبذلك يميز المقال بين الدافع المعلن أو المحتمل للقرار، وبين مشروعيته الدستورية، وبين نتائجه السياسية طويلة الأجل.
كما يناقش المقال احتمال أن يكون عبد الله خليل قد تصرف بدافع حماية موقعه السياسي أو مصالح حزبه، إلى جانب مخاوفه المتعلقة بالعلاقات السودانية المصرية. فالصراع على السلطة كان جزءاً من البيئة التي اتخذ فيها القرار، ومن المعقول تحليلياً التساؤل عما إذا كانت الحسابات الشخصية والحزبية قد أثرت في تقديره للمخاطر والبدائل. لكن هذا الاحتمال لا ينبغي تحويله إلى حقيقة مثبتة من دون أدلة مباشرة. فإثبات أن القرار أفاد حزباً أو زعيماً سياسياً لا يثبت وحده أن تحقيق هذه المنفعة كان الدافع الأساسي أو الوحيد وراءه. وبالمثل، فإن تقديم القرار باعتباره تضحية بالموقع السياسي من أجل الوطن يحتاج إلى أدلة على أن صاحبه قدّم فعلاً المصلحة العامة على مصالحه الحزبية، وأنه لم يكن يتوقع أن يؤدي تدخل الجيش إلى إعادة تشكيل السلطة بطريقة تخدم حلفاءه أو تقلل من فرص خصومه.
ويضع المقال هذه الاحتمالات في إطار تحليلي يميز بين الأسباب البنيوية للأزمة، والدوافع السياسية المباشرة، والظروف التي أتاحت للجيش التدخل. فضعف النظام البرلماني والانقسام الحزبي وصعوبة إدارة الخلافات حول السياسة الخارجية شكّلت البيئة العامة للأزمة، بينما مثّلت المخاوف من النفوذ المصري والتنافس بين الأحزاب عناصر أكثر مباشرة في تفسير القرار. أما قدرة الجيش على الاستيلاء على السلطة، فكانت شرطاً حاسماً في تحويل الأزمة السياسية إلى انقلاب. ولا يلزم أن يكون أحد هذه العوامل منفرداً كافياً لتفسير الحدث؛ إذ يمكن أن تكون الأزمة نتيجة تفاعلها معاً، مع اختلاف وزن كل عامل بحسب الأدلة التاريخية المتاحة.
ويولي المقال اهتماماً خاصاً للوثائق والتصريحات التي يمكن أن تسهم في تحديد ما كان يعرفه الفاعلون السياسيون في ذلك الوقت، وما كانوا يخشونه، وما إذا كانت مخاوفهم تستند إلى معلومات موثوقة. ويؤكد أن الوثائق الدبلوماسية الأجنبية قد تكشف تصورات الحكومات الأخرى ومصالحها واتصالاتها، لكنها لا ينبغي أن تُعامل تلقائياً باعتبارها وصفاً كاملاً للسياسة السودانية الداخلية. فالمراسلات الدبلوماسية تعكس أيضاً معرفة أصحابها المحدودة، وتقديراتهم، ومصالح حكوماتهم، وربما معلومات غير مؤكدة تلقوها من أطراف سودانية. ولذلك ينبغي مقارنتها بالمصادر السودانية، وبالمواقف العلنية، وبالشهادات المعاصرة، وبالوقائع المؤسسية التي يمكن التحقق منها.
ويبرز المقال كذلك ضرورة التمييز بين الروايات المعاصرة للانقلاب والتفسيرات التي ظهرت بعده. فالشهادات اللاحقة قد تساعد في فهم دوافع الفاعلين، لكنها قد تتأثر بذاكرة أصحابها، وبالصراعات السياسية اللاحقة، وبمحاولات تبرير المواقف السابقة أو تحميل المسؤولية للخصوم. لذلك لا تكفي رواية واحدة، سواء جاءت من مشارك في الأحداث أو من خصم سياسي، لتكوين حكم تاريخي نهائي. وينبغي فحص توقيت الرواية، وموقع صاحبها من الحدث، ومدى اتساقها مع الأدلة المستقلة، وما إذا كانت تؤكدها وثائق أخرى. كما ينبغي عدم الخلط بين ما قاله أحد الفاعلين عن دوافعه وبين حقيقة تلك الدوافع؛ فالتصريح قد يكون صادقاً جزئياً، أو تبريراً سياسياً، أو محاولة لإعادة صياغة الحدث بما يخدم صورة صاحبه.
ومن القضايا المركزية التي يناقشها المقال مدى صحة القول إن تسليم السلطة كان إجراءً ضرورياً لإنقاذ السيادة السودانية من مشروع وحدة مع مصر. ويبين أن هذا الادعاء يتضمن أكثر من قضية ينبغي إثبات كل منها بصورة مستقلة: وجود مشروع محدد للوحدة في ذلك الوقت، وكونه يحظى بدعم سياسي مؤثر داخل السودان، واقتراب تنفيذه بدرجة تجعل الخطر وشيكاً، وأن الانقلاب كان الوسيلة اللازمة لمنعه، وأن انتقال السلطة إلى الجيش أدى فعلاً إلى حماية السيادة بدلاً من تقويضها. فإثبات وجود مخاوف من النفوذ المصري لا يثبت هذه السلسلة كاملة، كما أن نجاح الجيش في الاستيلاء على السلطة لا يثبت أن تدخله كان ضرورياً أو أن البدائل الدستورية لم تكن متاحة. ولذلك يدعو المقال إلى التعامل مع فرضية إنقاذ السيادة بوصفها تفسيراً يحتاج إلى البرهنة، لا حقيقة مكتملة يثبتها مجرد وقوع الانقلاب في سياق خلافات مع مصر.
ويؤكد المقال أن غياب دليل كافٍ على وجود مشروع وشيك للوحدة لا يعني أن جميع المخاوف السودانية من النفوذ المصري كانت وهمية، بل يعني أن قوة الاستنتاج يجب أن تتناسب مع قوة الدليل. فالوثائق التي تثبت قلق بعض المسؤولين من اتجاه الحكومة أو من نفوذ القاهرة يمكن أن تدعم تفسيراً متعلقاً بالإدراك السياسي للمخاطر، لكنها لا تسمح وحدها بالانتقال إلى الجزم بوجود مؤامرة محددة أو خطة مكتملة لإلغاء استقلال السودان. وبالمثل، فإن عدم ثبوت هذه الخطة لا يحسم وحده جميع الأسئلة المتعلقة بدوافع عبد الله خليل، إذ قد يكون القرار ناتجاً عن مزيج من المخاوف السياسية والمنافسة الحزبية والحسابات الشخصية والتقديرات الخاطئة لطبيعة التدخل العسكري وعواقبه.
ويستخلص المقال أن الانقلاب لم يكن مجرد استجابة تقنية لأزمة حكومية، بل مثّل انتقالاً جوهرياً في مركز السلطة من المؤسسات المدنية إلى المؤسسة العسكرية. فقد أدى تعطيل النظام البرلماني إلى إضعاف آليات المحاسبة السياسية، وتقليص قدرة المواطنين والأحزاب على تغيير الحكومة من خلال الانتخابات والتنافس الدستوري، وإرساء سابقة مفادها أن الجيش يمكن أن يصبح حكماً نهائياً في النزاعات السياسية. ومن شأن هذه السابقة أن تؤثر في علاقة المدنيين بالعسكريين وفي توقعات الفاعلين السياسيين بشأن كيفية حل الأزمات اللاحقة. فعندما يصبح تدخل الجيش خياراً مقبولاً لدى بعض القوى المدنية، قد تتراجع الحوافز اللازمة لتسوية الخلافات داخل المؤسسات المنتخبة، وقد يتحول التنافس السياسي إلى صراع على استمالة المؤسسة العسكرية أو تجنب تدخلها.
وتتجاوز أهمية الحدث دوافع أصحابه المباشرين إلى آثاره المؤسسية. فحتى لو افترضنا أن بعض المسؤولين اعتقدوا أن تدخل الجيش سيحل أزمة مؤقتة، فإن النتائج الفعلية ينبغي تقييمها بصورة مستقلة عن النيات المفترضة. فالقرار الذي يضعف المؤسسات المدنية قد يفتح المجال لاحتكار السلطة، ويقلل من فرص التداول السلمي، ويجعل استعادة الحكم الدستوري أكثر صعوبة. ومن ثم فإن تقييم الانقلاب لا يقتصر على السؤال عما إذا كان قد منع خطراً خارجياً معيناً، بل يشمل أيضاً السؤال عما إذا كان قد أوجد مخاطر داخلية أكبر على الاستقلال السياسي والرقابة الديمقراطية وقدرة الدولة على بناء نظام مستقر.
وفي هذا السياق، يرفض المقال مساواة السيادة الوطنية بالحكم العسكري. فاستقلال الدولة عن النفوذ الخارجي لا يتحقق بالضرورة عبر إخضاع السياسة للجيش، كما أن الدفاع عن القرار الوطني لا يقتضي تعطيل المؤسسات المدنية. فالسيادة تشمل قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، لكنها تشمل أيضاً خضوع السلطة للمساءلة، ووجود مؤسسات شرعية، واحترام قواعد انتقال الحكم، وتمكين المواطنين من المشاركة في تقرير مستقبلهم السياسي. وإذا جرى استخدام خطاب السيادة لتبرير إنهاء الحكم البرلماني، فقد يتحول هذا الخطاب من وسيلة للدفاع عن الاستقلال إلى أداة لتقويض الضوابط الداخلية التي تحميه.
ويخلص المقال إلى أن الحكم التاريخي المتوازن على قرار عبد الله خليل يتطلب الفصل بين ثلاثة مستويات مترابطة. الأول هو تفسير السياق الذي جعل الانقلاب ممكناً، بما فيه ضعف المؤسسات البرلمانية، والانقسامات الحزبية، والخلافات بشأن العلاقة مع مصر. والثاني هو تحديد الدوافع الفعلية للقرار، مع إبقاء التمييز واضحاً بين المخاوف الموثقة، والاحتمالات التحليلية، والادعاءات التي لا تتوافر لها أدلة كافية. والثالث هو تقييم النتائج السياسية والدستورية للانقلاب، بعيداً عن افتراض أن سلامة النيات المحتملة تبرر الوسيلة أو تضمن صحة النتائج. ومن خلال هذا الفصل، يصبح ممكناً فهم الحدث من دون اختزاله في رواية تبرئ جميع الأطراف أو تدينها مسبقاً.
وتتمثل الخلاصة الأساسية في أن تسليم عبد الله خليل السلطة للجيش وقع في سياق أزمة سياسية حقيقية، وكانت المخاوف من النفوذ المصري واحتمال تشكل حكومة موالية للقاهرة جزءاً مهماً من البيئة التي أحاطت بالقرار. غير أن الأدلة المتاحة لا تكفي وحدها للجزم بأن مشروعاً وشيكاً للوحدة مع مصر كان السبب الحاسم للانقلاب، أو أن تسليم السلطة كان الوسيلة الوحيدة الممكنة لحماية استقلال السودان. كما لا يجوز التعامل مع الجيش باعتباره مجرد مستلم للسلطة من دون مسؤولية عن تدخله واستمراره في الحكم، ولا استبعاد أثر الحسابات الحزبية والشخصية لمجرد أن القرار قُدّم في إطار حماية السيادة. وبذلك يدعو المقال إلى تجاوز التفسيرات القطعية، واعتماد منهج تاريخي يوازن بين الوثائق والشهادات والسياق السياسي والنتائج المؤسسية، ويمنح كل ادعاء درجة من اليقين تتناسب مع الأدلة التي تسنده. فالدرس الأعمق للحدث هو أن الأزمات السياسية لا تُحل بالضرورة عبر نقل السلطة من المؤسسات المدنية إلى الجيش، وأن حماية السيادة الوطنية تتطلب مؤسسات دستورية قوية، وحياة حزبية قادرة على إنتاج التسويات، ورقابة مدنية على القوات المسلحة، وآليات سلمية لتغيير الحكومات، حتى لا تتحول المخاوف من النفوذ الخارجي إلى مبرر لإضعاف الاستقلال السياسي من الداخل.
النص الكامل للمقال
1. مقدمة: سؤال السيادة أم الكرسي، ومنهج فحص الأدلة
وقعت في صباح الاثنين 17 نوفمبر 1958، وهو اليوم المقرر لانعقاد البرلمان المنتخب في فبراير–مارس من العام نفسه، أول عملية استيلاء عسكري ناجحة على السلطة في السودان المستقل. وصل جنود وضباط إلى بيوت الوزراء بخطابات إعفاء موقّعة من القائد العام الفريق إبراهيم عبود (عبد الله علي إبراهيم، 2006؛ Ben Hammou, 2024). وكان رئيس الوزراء ووزير الدفاع في آن واحد، الأميرالاي المتقاعد عبد الله خليل، قد مهّد للحدث بنفسه وفق معظم الروايات. ومنذ ذلك اليوم تتنازع الذاكرة السودانية تفسيرين شبه جاهزين: الأول يرى أن خليل «سلّم» السلطة للجيش بإرادته، والثاني يرى أن الجيش «انقلب» عليه. ويضاف إليهما تفسير وطني تبريري يقول إن التسليم جاء إنقاذًا للاستقلال من مشروع مصري لإعلان وحدة أو ضمّ. وتكمن المشكلة التاريخية في أن هذه التفسيرات ليست بالضرورة متناقضة في كل تفاصيلها؛ فقد يكون خليل قد بادر إلى الاستعانة بالجيش، ثم استغل الضباط المبادرة لتحقيق استيلاء أوسع مما أراده، بينما وفّر التوتر مع مصر مبررًا سياسيًا ووطنيًا للتدخل.
تختبر الدراسة أربع فرضيات. تقول الفرضية الأولى إن مشروعًا فعليًا لإعلان وحدة مع مصر كان قيد الإعداد وإن خليل أراد قطع الطريق عليه. وتقول الثانية إن الدافع كان خوفًا موثّقًا من قيام حكومة موالية للقاهرة تُقصي خليل وتعقد حلفًا دفاعيًا مع مصر، وهو أضيق من الوحدة. وتقول الثالثة إن المحرك المباشر داخلي: انهيار الائتلاف الحاكم وخطر التصويت بحجب الثقة. وتقول الرابعة إن الجيش كان فاعلًا مستقلًا لا ناقلًا لإرادة مدنية. ولا يكفي لإثبات الفرضية الأولى إثبات وجود توتر مصري سوداني أو إثبات خشية خليل من الأزهري وحزب الشعب الديمقراطي؛ بل يجب العثور على أدلة مستقلة على أن إعلان الوحدة كان قرارًا أو خطة فعلية، وأن التنفيذ كان وشيكًا، وأن تدخل الجيش ارتبط سببيًا بإحباط ذلك المشروع تحديدًا.
1.1 مصادر البيانات ومنهج التقييم
تدرّجت الأدلة في هذه الدراسة بحسب قربها من الواقعة، وإمكان التحقق منها، ومصلحة أصحابها في تفسير ما جرى. جاء أولًا ما صدر قريبًا من الحدث: الوثائق الرسمية والتقارير الصحفية المعاصرة، مثل تقرير مجلة «تايم» (Time, 1958) ووثيقة مجلس الأمن القومي الأمريكي المؤرخة في 4 نوفمبر 1958 (US Department of State, 1958). وتتيح مجموعة وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة فحصًا مباشرًا لبعض المراسلات والتقديرات المتعلقة بالسودان، بما فيها الوثائق التي تناولت مخاوف عبد الله خليل من العدوان المصري المباشر أو غير المباشر، والسياسة الأمريكية تجاه المنطقة (US Department of State, 1958a؛ US Department of State, 1958b). وجاءت بعدها مذكرات الفاعلين، مثل مذكرات محمد أحمد المحجوب (Mahgoub, 1974)، ثم الشهادات التي أُدلي بها أمام لجنة التحقيق بعد ثورة أكتوبر 1964 كما نقلها شهود وكتّاب، ثم التحليلات اللاحقة للمعاصرين والأكاديميين.
ولأن الأرشيفين البريطاني والأمريكي لم يُطّلع على جميع أصولهما مباشرة في إعداد الروايات التي تستند إليها هذه الدراسة، فقد جرى التعامل مع بعضهما عبر ملخصات في دراسات عربية (وليد الأعظمي، 1990؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006) وعبر قوائم المراجع في دراسات محكّمة (Ben Hammou, 2024). وهذا يستوجب الحذر في الأحكام، إذ لا يجوز مساواة ملخص وثيقة بنصها الكامل، ولا نقل عبارة من مصدر وسيط وكأنها اقتباس مباشر من الأصل. كما يجب التمييز بين وجود وثيقة أصلية، ودقة نقل مضمونها، وصحة الاستنتاج الذي يُبنى عليها.
وطُبّقت أدوات تتبّع العمليات واختبارات الأدلة، ومعنى ذلك سؤال كل رواية: ما الأثر الذي كان سيتركه الحدث لو صحّت، وهل وُجد هذا الأثر؟ (Bennett & Checkel, 2015؛ Collier, 2011؛ Van Evera, 1997). واستُخدم التحديث البايزي الوصفي لوزن الأدلة المتفرقة، لا باعتباره حسابًا رقميًا دقيقًا لاحتمالات تاريخية لا تتوافر لها بيانات كمية مكتملة، بل باعتباره إطارًا لتحديد ما إذا كان الدليل الجديد يزيد احتمال الفرضية أو يخفضه (Fairfield & Charman, 2017). ولوحظ مبدأ «مصلحة الراوي»، فشهادة سكرتير خليل وابنه تختلف في وزنها عن شهادة خصمه الاتحادي، كما تختلف شهادة ضابط شارك في الانقلاب عن شهادة سياسي أقصاه النظام العسكري. وجُمع إلى ذلك فحص للمنشورات الرقمية السودانية، ومنها سودانايل والراكوبة وسودانيز أونلاين وسودان فور نيوز، بوصفها وسائط لتداول الروايات ومواد مساعدة للوصول إلى الشهادات، لا بوصفها جميعًا مصادر أولية مستقلة.
وتقتضي الدقة كذلك التمييز بين غياب الدليل والدليل على الغياب. فعدم العثور على وثيقة مصرية تؤكد خطة الوحدة لا يثبت بصورة قاطعة أن الخطة لم توجد، خصوصًا مع عدم اكتمال الاطلاع على الأرشيفات ذات الصلة. لكنه يعني أن عبء الإثبات يقع على من يجزم بوجود خطة محددة، وأنه لا يصح تحويل الاحتمال إلى حقيقة تاريخية. وبالمثل، فإن العثور على وثيقة تثبت أن خليل طلب مساعدة غربية لمواجهة تهديد مصري لا يثبت أن الولايات المتحدة أو بريطانيا دبّرتا الانقلاب؛ فطلب المساعدة، والاستعداد للتدخل، والعلم بخطة انقلاب، والمشاركة في التخطيط، ادعاءات مختلفة تتطلب أدلة مختلفة (US Department of State, 1958a؛ US Department of State, 1958b).
2. الإطار النظري: من «التسليم والتسلّم» إلى البريتورية المدنية
استقرت في أدبيات التدخل العسكري فكرة أن الجيوش لا تتحرك في فراغ سياسي. فهنتنغتون يصف «المجتمع البريتوري» الذي تتنازع فيه القوى الاجتماعية السلطة بلا مؤسسات وسيطة مستقرة، ويكون الجيش فيه واحدًا من اللاعبين السياسيين (Huntington, 1968). ويقدّم بيرلموتر تصنيفًا للجيش البريتوري، ويقدّم فاينر مفهوم تدخل الجيش «ممتطيًا الجواد» وتفاوت مستويات الثقافة السياسية التي تجعل التدخل العسكري أكثر أو أقل قبولًا (Perlmutter, 1969؛ Finer, 1962). وفي هذه المقاربة لا يُفسَّر الانقلاب بمجرد طموح الضباط، بل أيضًا بضعف المؤسسات المدنية، وغياب قواعد راسخة لتداول السلطة، ووجود نخب ترى في الجيش أداة لحل نزاعاتها السياسية.
وجاءت الأدبيات الأحدث لتنقل التركيز من الضباط وحدهم إلى «المحرّضين المدنيين» أو المُمكّنين المدنيين. فكيني يوثق تجنيد السياسيين للجنود في انقلابات الشرق الأوسط، ويبين أن المدنيين قد يفتحون الطريق أمام تدخل عسكري لتحقيق أهداف سياسية لا يستطيعون تحقيقها عبر المؤسسات الدستورية (Kinney, 2019). وكاسبر وتايسون يربطان نجاح الانقلابات بالتنسيق بين النخب، فيما يميز ألبريشت وإيبل بين فاعلي الانقلاب وأنماطه المختلفة (Casper & Tyson, 2014؛ Albrecht & Eibl, 2018). وتوسّع قاعدة «كولبوس» في تصنيف الانقلابات وأنواع المنفذين، بينما تصنّف قاعدة باول وثاين الانقلابات وفق معايير النجاح والفشل ومحاولة الاستيلاء على السلطة (Chin et al., 2021؛ Powell & Thyne, 2011).
وتأتي دراسة بن حمو حاسمة لموضوعنا؛ فهي تميّز بين مدنيين «يُمكّنون» الانقلاب بالتخطيط مع الضباط لأنهم قريبون من مراكز القرار، ومدنيين «يُرسّخونه» بعد وقوعه لأنهم يملكون رصيدًا اجتماعيًا أو سياسيًا (Ben Hammou, 2024). وتضع الدراسة دور عبد الله خليل في سياق تمكين المدنيين للانقلابات، مستندة إلى أدلة تشير إلى أن خليل بادر إلى طلب تدخل كبار الضباط، لكنه لم يضمن احتفاظه بالسلطة بعد التنفيذ. ويتقاطع هذا مع مفهوم «الانقلاب الذاتي» الذي ينفذه رئيس السلطة التنفيذية على مؤسسات الحكم التي يستمد منها شرعيته (Cameron, 1998). غير أن حالة 1958 هجينة: انقلاب ذاتي بالوكالة، تولّى الجيش تنفيذه ثم احتفظ بنتيجته. ولذلك فإن وصف الحدث بأنه «تسليم» فقط يُخفي المبادرة العسكرية، ووصفه بأنه «انقلاب مستقل» تمامًا قد يُخفي دور رئيس الوزراء في تهيئة الظروف له.
وفي إطار الإشراف المدني على الجيش، تفسّر مشكلة الالتزام لدى سفوليك لماذا لا يستطيع المدني الذي يستدعي الجيش أن يتعهّد على نحو ذي مصداقية بأن المؤسسة العسكرية ستنسحب بعد انتهاء المهمة. فحين تُمنح القيادة العسكرية السيطرة على القوات والاتصالات ومراكز القرار، تستطيع إعادة تعريف المهمة وتوسيعها، وتصبح قدرة المدنيين على فرض حدود التفويض محدودة (Svolik, 2013). وفي الإطار الأوسع للديمقراطية، يقدّم ليفيتسكي وزيبلات فكرتَي «التسامح المتبادل» و«ضبط النفس المؤسسي»، فيبدو انتهاك خليل لهما نموذجًا تطبيقيًا: فبدلًا من قبول احتمال خسارة الأغلبية أو تشكيل حكومة بديلة، اتجه إلى استخدام المؤسسة العسكرية لحسم النزاع السياسي (Levitsky & Ziblatt, 2018).
وعلى المستوى الإقليمي، يوفّر كير مفهوم «الحرب الباردة العربية» التي شهد عام 1958 ذروتها بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وانقلاب العراق في يوليو من العام نفسه (Kerr, 1971). ويقدّم بوديه تحليلًا لتجربة الوحدة المصرية السورية، موضحًا أن الوحدة العربية لم تكن مجرد شعار، بل مشروعًا مؤسسيًا اتخذ أشكالًا سياسية ودستورية محددة، ولذلك لا يمكن افتراض انتقاله تلقائيًا إلى السودان دون أدلة مستقلة (Podeh, 1999). ويفيد مفهوم «توازن التهديد» عند والت في فهم لماذا تنحاز دولة صغيرة إلى قوة بعيدة لتتحصّن من جار قوي، بينما يضيف ميهاتش أن السياسيين السودانيين بعد الاستقلال كانوا يخافون فقدان الاستقلال مجددًا، وأن الخلاف بين الأمة والوطني الاتحادي حول المعونة الأمريكية كان خلافًا حول معنى السيادة نفسه: هل تقوّيها المعونة داخليًا، أم تُضعفها خارجيًا؟ (Walt, 1987؛ Mihatsch, 2021).
وأخيرًا، تفسّر علوم الإشاعة لماذا تنتشر الروايات القاطعة في بيئة يغلب عليها الغموض وتعظم فيها الأهمية السياسية. فكلما ازدادت أهمية الحدث وانخفضت المعلومات الموثوقة، ازداد استعداد الأفراد والجماعات لتداول روايات تملأ الفراغ، خصوصًا إذا انسجمت مع تصوراتهم السابقة عن الخصوم السياسيين (Allport & Postman, 1947؛ DiFonzo & Bordia, 2007). وتفسّر نظريات المؤامرة لماذا تبدو بعض الأسباب الخارجية جذابة حتى مع ضعف أدلتها، إذ تسمح بتفسير حدث مركب من خلال فاعل واحد وخطة واحدة، بدلًا من تحليل تفاعل الأزمات الداخلية والمصالح الخارجية والقرارات الفردية (Sunstein & Vermeule, 2009).
3. السياق التاريخي: ديمقراطية قصيرة العمر بين الاستقلال والنفوذ المصري
3.1 من وحدة وادي النيل إلى الاستقلال، ورجل جرحته تجربة 1924
حملت الحركة الوطنية السودانية منذ نشأتها تيارين رئيسيين: تيار استقلالي وتيار اتحادي يدعو إلى وحدة وادي النيل (Beshir, 1974؛ Woodward, 1990). وفاز الحزب الوطني الاتحادي بانتخابات 1953 على أساس الاتحاد مع مصر، ثم أدرك إسماعيل الأزهري أن الرأي العام السوداني والقوى السياسية لا يسمحان بفرض الوحدة، فمضى إلى الاستقلال. وأعلن البرلمان الاستقلال في 19 ديسمبر 1955، ثم تحقق الاستقلال رسميًا في 1 يناير 1956 (Metz, 1992؛ Woodward, 1990).
وتشير مجلة «تايم» إلى أن الضباط المصريين، وعلى رأسهم الصاغ صلاح سالم، أنفقوا في انتخابات 1953 مبالغ كبيرة لترجيح الاندماج، وأن السياسيين السودانيين أخذوا المال ورفضوا الاندماج (Time, 1958). وهذه الصورة الصحفية، على الرغم من حاجتها إلى التحقق من تفاصيلها المالية، تلخص جانبًا من مفارقة السياسة السودانية: النفوذ المالي المصري حاضر، لكن الوحدة المنشودة لم تتحقق، وظلت الأحزاب السودانية تعيد تعريف مواقفها وفق التنافس الداخلي والاعتبارات الوطنية.
أما عبد الله خليل فتكوّن موقفه من مصر قبل ذلك بعقود. فقد كان ضابطًا ضمن جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924، وتحوّل إلى الاتجاه الاستقلالي بعد أن سُحبت الكتيبة المصرية من الخرطوم تاركةً الثوار مكشوفين، وهي تجربة ظلت مؤثرة في وجدانه السياسي (سيف الدين عبد الحميد، 2024؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006). وصار من مؤسسي حزب الأمة وأول سكرتير عام له، ثم رئيسًا للوزراء في يوليو 1956 على رأس ائتلاف يجمع حزب الأمة المدعوم من الأنصار مع حزب الشعب الديمقراطي المدعوم من الختمية. وأُسقطت حكومة الأزهري بتحالف الحزبين في البرلمان (Metz, 1992).
وتحمل هذه الخلفية دلالة منهجية مهمة: عداء خليل لمشاريع القاهرة سابق على عام 1958، وليس بالضرورة نتيجة لتقرير التني أو لأزمة خريف ذلك العام. وهذا يجعل الخوف من النفوذ المصري تفسيرًا تاريخيًا معقولًا لدوافعه، لكنه لا يثبت أن إعلان الوحدة كان وشيكًا. فالموقف السياسي السابق يمكن أن يفسّر كيفية إدراك خليل للتهديد، لكنه لا يثبت وحده طبيعة التهديد الفعلي في نوفمبر 1958.
3.2 ائتلاف السيدين وأزمات 1957–1958
كان الائتلاف هشًا في بنيته؛ فالحزبان خصمان طائفيان وتاريخيان، وكان حزب الشعب الديمقراطي أقرب إلى القاهرة، بينما تمسّك حزب الأمة بالاستقلال وارتبطت قيادته بمؤسسة الأنصار (Niblock, 1987؛ Metz, 1992). وتزامنت مع هشاشة الائتلاف أزمات متراكمة. اقتصاديًا، حافظت الحكومة على سعر غير واقعي للقطن، فتراكم المخزون وتراجع النقد الأجنبي، وهو ما أضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وتمويل الواردات (عبد الله علي إبراهيم، 2006، نقلًا عن عثمان حسن أحمد). وسياسيًا، انقسمت الأحزاب حول مشروع أيزنهاور ثم المعونة الأمريكية. فوقّع خليل في مارس 1958 اتفاقية معونة فنية مع الولايات المتحدة، واعترض عليها حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي (Metz, 1992؛ Mihatsch, 2021).
وجنوبيًا، انسحب نواب الحزب الفدرالي، وعددهم نحو أربعين من برلمان من 173 مقعدًا، في يونيو 1958 حين تجاهلت لجنة الدستور مطلبهم الفدرالي (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وقد مثّل هذا الانسحاب أزمة إضافية في شرعية البرلمان وقدرة الحكومة على بناء أغلبية مستقرة، كما كشف أن الخلافات الدستورية لم تكن محصورة في التنافس بين الأحزاب الشمالية الكبرى، بل ارتبطت أيضًا بمطالب الأقاليم والتمثيل السياسي وتوزيع السلطة.
وضغطت مصر على الحكومة من جهات متعددة. ففي فبراير 1958، تزامنًا مع الاستفتاء على الوحدة المصرية السورية، وجّه عبد الناصر مذكرة تطالب السودان بالتخلي عن مثلث حلايب، الذي قُدّرت مساحته بنحو 6700 ميل مربع في بعض الروايات، وعن شريط قرب وادي حلفا، ثم أعلن إرسال موظفي انتخاب إلى المنطقتين للمشاركة في الاستفتاء. فاشتكى خليل إلى مجلس الأمن واتهم مصر بالتسلل العسكري، وعزّز الجيش السوداني مواقعه. وأعلنت إذاعة القاهرة، قبل انعقاد المجلس، إرجاء المطالبة إلى ما بعد الانتخابات السودانية (Time, 1958).
ويضيف التقرير أن صحيفة حزب الشعب الموالي لمصر انتقدت الخطوة، وأن المحاولة بدت وكأنها أضرت بالأحزاب المؤيدة لمصر داخل السودان. وتذكر دراسة مكتبة الكونغرس أن مصر فرضت حظرًا على استيراد الماشية والجمال والتمور السودانية، وانتقدت خليل، ولمّحت إلى أنها قد تدعم انقلابًا على حكومته (Metz, 1992). وتؤكد ملاحظات إبراهيم عن الوثائق البريطانية أن تمويل السياسة السودانية كان مرتفع الكلفة، وأن التمويلات الخارجية المصرية والبريطانية والفرنسية حضرت في خلفية التنافس السياسي (عبد الله علي إبراهيم، 2006).
وتكشف الوثائق الأمريكية المعاصرة أن مخاوف خليل من العدوان المصري لم تكن مجرد رواية لاحقة. فقد تناول تقرير خاص عن السودان، أُعد في أغسطس 1958، طلب خليل ضمانات بشأن المساعدة التي يمكن أن يحصل عليها من الولايات المتحدة وبريطانيا إذا تعرض السودان لعدوان مصري مباشر أو غير مباشر. وناقشت الوثائق الدبلوماسية كيفية طمأنته بشأن دعم استقلال الدول ذات السيادة عبر الأمم المتحدة، وإمكان تقديم مساعدة اقتصادية أو عسكرية وفق تطورات الوضع (US Department of State, 1958a). غير أن هذه الوثائق تثبت وجود خوف وطلب ضمانات، ولا تثبت أن خطة الوحدة المصرية كانت قائمة أو أن انقلاب نوفمبر كان الوسيلة الوحيدة للتصدي لها.
فالجو العام جمع بين ضغط مصري ملموس، وحساسية سيادية مرتفعة، وائتلاف حاكم على وشك الانهيار. وهذه العناصر الثلاثة يجب أن تبقى متميزة في التحليل، لأن جمعها في رواية واحدة عن «مؤامرة وحدة» قد يحجب الأثر المباشر للأزمة البرلمانية والخلاف على رئاسة الحكومة.
4. وقائع الأسابيع الأخيرة: من أديس أبابا إلى فجر 17 نوفمبر
يمكن استعادة التسلسل بأقصى ما تسمح به الشهادات والوثائق المتاحة. ففي سبتمبر 1958 أوصى تقرير لوزارة الخارجية البريطانية، كما لخّصه عبد الله علي إبراهيم نقلًا عن وليد الأعظمي، بحكومة ائتلافية بين الوطني الاتحادي والأمة تستبعد حزب الشعب الديمقراطي. وطلب أن يُنصح خليل بالتريث وألا يغامر بعمل غير دستوري. وكانت لندن تخشى أن يتركه إفراطه في الولاء لبريطانيا عرضة لتيار ناصري، وتفضّل حكومة بقيادة الأزهري (وليد الأعظمي، 1990؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006). أما واشنطن فكانت أقل حماسة للخطة البريطانية، لأنها خافت أن تأتي بحكومة أسوأ، وكانت وثيقة مجلس الأمن القومي الأمريكي رقم 5820/1، الصادرة في 4 نوفمبر 1958، تقضي بدعم استقلال السودان وسلامة أراضيه، وتعرض توجهات السياسة الأمريكية تجاه المنطقة في سياق التنافس بين القوى الغربية والتيار القومي العربي الراديكالي (US Department of State, 1958b).
وفي أكتوبر 1958 بدأ السيد الصديق المهدي، رئيس حزب الأمة، مفاوضات سرية مع الوطني الاتحادي لحل الائتلاف مع الشعب الديمقراطي، دون إشراك خليل، وهو سكرتير الحزب (سيف الدين عبد الحميد، 2024، نقلًا عن أبو حسبو). ووفق أمين التوم ساتي، رفض خليل في البداية، ثم عاد تحت الإلحاح وحضر الاجتماعات (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وسافر خليل إلى أديس أبابا في 29 أكتوبر، وتفيد ملخصات الوثائق البريطانية أن الإمبراطور هيلا سيلاسي نصحه مرارًا بألا يسلم الحكم للعسكريين حتى لا تقوم دكتاتورية عسكرية على حدود بلاده الشرقية (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وروى عبد الرحمن مختار، المرافق له في الرحلة، أن خليل قال له إن البلاد في فوضى وإن السكوت سيجعلها لقمة سائغة لعبد الناصر وإنه لا بد من فعل شيء (عبد الله علي إبراهيم، 2006).
وفي مطلع نوفمبر وصل إلى الخرطوم تقرير سفير السودان في القاهرة يوسف مصطفى التني، العضو البارز في حزب الأمة وصديق خليل المقرّب، عن اجتماعات الأزهري وعلي عبد الرحمن في القاهرة (سيف الدين عبد الحميد، 2024). وتتباين صيغ مضمون التقرير، وهذا مركزي في تقييمنا كما سيتضح لاحقًا. وبحسب أبو حسبو، أقنع خليل السيد عبد الرحمن المهدي بأن لا مخرج إلا بتسليم السلطة للجيش، وبأن الضباط الكبار «أبناؤه». وأخبر السيد علي الميرغني بأن الصديق والاتحاديين يتفاوضون لإسقاط الحكومة، وأن رجاله الختمية في الجيش بقيادة عبود سيتولون الأمر (سيف الدين عبد الحميد، 2024).
وتشير شهادة عبود أمام لجنة التحقيق بعد 1964 إلى أن خليل جاءه قبل نحو عشرة أيام من انعقاد البرلمان وقال إن الحالة السياسية سيئة ولا منقذ إلا استلام الجيش للأمر. ثم كرّر الطلب بنفسه وبرسول مدني هو زين العابدين صالح أبو قاضي، وزار القيادة قبل التنفيذ بثلاثة أيام ليطمئن (سيف الدين عبد الحميد، 2024). وتنسجم هذه الرواية مع التحليلات التي ترى أن خليل لم يكن مجرد رئيس وزراء أُخذ على حين غرة، بل كان طرفًا في تهيئة الانقلاب، وإن ظل مدى التنسيق الذي توصل إليه مع القيادة العسكرية محل نقاش (Ben Hammou, 2024).
وفي ليلة 16 نوفمبر انعقد اجتماع لتشكيل ائتلاف بين الأمة والاتحادي، وانحلت، وفق المحجوب، عقدة رئاسة الوزراء بقبول الأزهري رئاسة مجلس النواب (عبد الله علي إبراهيم، 2006، نقلًا عن Mahgoub, 1974). وفي الليلة ذاتها، بحسب أمين التوم ساتي، ذهب خليل إلى القيادة العامة ليتأكد من الخطة، فلم يجد إلا عبود وحسن بشير، وقيل له إن قادة الوحدات منشغلون بتحرك قواتهم (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وعند الرابعة فجرًا طرق جنود وضابط باب المحجوب ليسلموه خطاب الإعفاء (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وبعد ثلاثة أيام قال خليل لمجموعة نيابية جنوبية إن التجربة أثبتت أن البلاد غير مستعدة لحكم ديمقراطي، وإنه قرر، بناءً على اقتراح مستشاريه، تسليم السلطة للجيش، وتوقع تعاون رجال الأمة والجنوب (عبد الله علي إبراهيم، 2006).
وتتعارض الروايات في مسألة جلسة البرلمان. فهناك من يقول إن خليل طلب من رئيس المجلس محمد صالح الشنقيطي إرجاء الجلسة إلى 22 نوفمبر فرفض (البيك عبد الله خليل، دون تاريخ). وهناك من يقول إن الجلسة أُجّلت إلى 8 ديسمبر قبل يوم من الانقلاب (المعرفة، 2014). ولم يُتح الاطلاع على أصول هذه الوقائع أو محاضر المجلس التي تحسم التناقض. والأرجح أن هذه المسألة تظل مفتوحة وتحتاج إلى مراجعة محاضر المجلس وصحافة الأيام الأخيرة، مع عدم استخدام رواية غير موثقة لإثبات أن البرلمان كان سيصوّت حتمًا ضد خليل في 17 نوفمبر.
5. ما الذي تقوله الأدلة عن «التسليم»؟
5.1 رواية خليل صانع الانقلاب
تتجمع شواهد عدة على أن خليل كان المبادر إلى طلب تدخل الجيش. أولها شهادة عبود أمام لجنة التحقيق، التي أوردها أبو حسبو ونقلها سيف الدين عبد الحميد، وتتضمن طلبات متكررة وإرسال رسول مدني (سيف الدين عبد الحميد، 2024). وثانيها ازدواج خطابه مع السيدين، إذ وعد الإمام بالرئاسة وأخبر الميرغني بسيطرة رجال الختمية. وهذا ما يسميه سيف الدين عبد الحميد تلاعبًا بالمتخاصمين، وتدرجه الأدبيات النظرية في باب «التمكين المدني» عبر شبكات النخبة (Ben Hammou, 2024). وثالثها تصريحاته المعاصرة للجنوبيين ولمختار. ورابعها كونه رئيس الوزراء ووزير الدفاع، أي صاحب القناة المباشرة مع القيادة العسكرية.
وتقابل ذلك تبريرات منصور خالد، سكرتير خليل ومريده، الذي يرى أن الانقلاب نجم عن «الخبط السياسي المقلق» بين الحزبين، وأن ثقافة الديمقراطية لم تتجذر، وأن خليل لم يتحرك دون استشارة السيدين (منصور خالد، 1993؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006؛ سيف الدين عبد الحميد، 2024). وقد اعترض غازي عبد الرحمن طه في صحيفة «الجريدة» بتاريخ 10 يناير 2016 على هذا التبرير. ويلاحظ سيف الدين عبد الحميد أن شهادة منصور وأمير عبد الله خليل، وهو ابن خليل، متأثرة بقربهما منه (سيف الدين عبد الحميد، 2024).
ويرد عبد الله علي إبراهيم على منصور بأن فكرة غياب ثقافة الديمقراطية «أسوأ دروس 1958»، فالأحزاب كانت تتداول سيناريوهات التحالف حتى ليلة الانقلاب، والذي ضاق بالديمقراطية في نظره هو رئيس الحكومة الذي أُودعت الأمانة في ذمته (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وتنسجم هذه القراءة مع التحليل الذي يميز بين وجود أزمة ديمقراطية فعلية وبين قرار حلها بانقلاب؛ فالتنافس الحزبي قد يكون مضطربًا، لكن الاضطراب لا يجعل الاستيلاء العسكري نتيجة حتمية ولا خيارًا دستوريًا مشروعًا.
5.2 رواية الجيش انقلب على خليل
في المقابل، تقوم رواية أخرى على شهادة أمين التوم ساتي، وزير الدولة لشؤون رئاسة مجلس الوزراء. فهو يقول إن خليل لم يطلع حزبه ولا الإمام على خطة التسليم، وإنه كان ينوي أن يكون تدخل الجيش مؤقتًا إلى أن تراجع الأحزاب والقيادات الدينية الأمر وتصل إلى نظام ديمقراطي أمثل (أمين التوم ساتي، 2011؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006). وقد خدعه الضباط في الليلة السابقة. وأعلن الجيش الحكومة دون استشارته، وأقام مجلسًا أعلى من الضباط.
وينقل إبراهيم عن أحمد خير أن الجيش كان يدرس فكرة مجلس سيادة يضم خليل والأزهري وممثلين للطائفتين، ثم عدل عنها في اليوم نفسه إلى مجلس عسكري خالص (عبد الله علي إبراهيم، 2006). ويضيف أن خليل قال للجنة التحقيق عام 1964 إنه لا يدري لماذا فعل الجيش ذلك، وإن الضباط في تقديره كانوا راضين عن تدخلهم (عبد الله علي إبراهيم، 2006). ويوظف إبراهيم هذه الشواهد للطعن في عقيدة «التسليم والتسلّم»، ويرى أنها أفسدت تحليلنا للانقلاب وما تلاه من انقلابات (عبد الله علي إبراهيم، 2024).
وتفيد ملاحظاته أيضًا بأن عبود يروي في مذكرات نُشرت في بيروت عام 1959 أن كبار الضباط عقدوا اجتماعات سرية وتعاهدوا على كتمان السر، ما يدل على وجود سياسة ذاتية لديهم (عبد الله علي إبراهيم، 2006). كما تنقل ملاحظاته عن اللواء مزمل غندور أن أحمد عبد الوهاب أصر على أن يكون الأمر مؤسسيًا للجيش لا للمدنيين. وتدعم هذه الشهادات احتمال أن خليل لم يكن يملك السيطرة على جميع مراحل التنفيذ، حتى إن كان قد بادر إلى فتح الطريق أمامه.
وتؤيد أحداث ما بعد 17 نوفمبر هذا الاتجاه. فقد انشق الجيش على نفسه، وانتهى نفوذ الأنصار في المجلس الأعلى بإقصاء أحمد عبد الوهاب في مارس 1959، وحاولت وحدات منشقة ثلاث مرات الإطاحة بعبود خلال العام نفسه (Metz, 1992). وتنتمي عناصر المجلس الأعلى إلى الأنصار والختمية معًا، فلم يكن أداة لحزب واحد (Metz, 1992). وسُجن خليل وآخرون في نواكشوط، وفق الرواية التي ينقلها عبد الله علي إبراهيم (عبد الله علي إبراهيم، 2006). ويُظهر ذلك أن فتح الطريق أمام الجيش لا يساوي التحكم في النتيجة، وأن القيادة العسكرية لم تكن مجرد جهاز تنفيذي تابع لخليل.
5.3 الجمع بين الروايتين: الوكالة المزدوجة
لا تتعارض الروايتان على نحو مطلق. فما يتسق مع عدد كبير من الشهادات هو أن خليل أراد تدخلًا مشروطًا ومؤقتًا يحميه ويحمي الائتلاف أو يتيح إعادة ترتيب النظام السياسي، وأن الضباط، وقد فُتح لهم الباب، حوّلوه إلى استلام كامل. وهذا هو التصور المعروف في أدبيات العلاقة بين الموكّل والوكيل: لا يملك الموكّل ضمانًا بأن الوكيل المسلح سيحترم حدود التفويض (Svolik, 2013).
وفي لغة السياسة السودانية، كان هناك «تسليم» من جهة، و«استلام» من جهة أخرى، لكنهما لا يتطابقان بالضرورة في النية والنتيجة. فالقرار المدني بفتح الطريق أمام الجيش قد يكون حقيقة، كما قد تكون المبادرة العسكرية المستقلة حقيقة أيضًا. وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى تقاطع الشهادات المتباينة، لا إلى وثيقة واحدة قاطعة. ويظل تحديد مقدار علم خليل بتفاصيل خطة الضباط، ومدى موافقته على إقصاء نفسه، من المسائل التي تحتاج إلى فحص أصول الشهادات ومحاضر التحقيق والمراسلات العسكرية.
6. اختبار فرضية «منع الوحدة مع مصر»
6.1 سلّم الأدلة: من الضغط المصري الموثق إلى ادعاء الوحدة
يمكن تصنيف الأدلة المتصلة بالفرضية في ثلاث درجات. تضم الدرجة الأولى، الموثق بمصادر متعددة، الأمور الآتية: أزمة حلايب وارتباطها باستفتاء الوحدة المصرية السورية (Time, 1958)، والحظر التجاري والانتقاد المصري والتلميح إلى إمكان دعم انقلاب (Metz, 1992)، وتصريحات الأزهري في القاهرة التي رفض فيها المعونة الأمريكية ودعا إلى حلف مصري سوداني، وقد أزعجت الأمريكيين (عبد الله علي إبراهيم، 2006، نقلًا عن وليد الأعظمي، 1990). وتشمل كذلك كثرة أسفار علي عبد الرحمن إلى القاهرة دون إخطار خليل، وفق شهادة أمين التوم ساتي، والتقارب السياسي بين الاتحاديين وحزب الشعب الديمقراطي في مقابل تقارب الأمة والاتحادي (عبد الله علي إبراهيم، 2006).
وتضم الدرجة الثانية، المدعى والمتنازع عليه، تقرير التني. وهنا تظهر مشكلة أساسية في الأدلة، هي «انجراف الرواية» من صيغة إلى أخرى كلما انتقلت عبر راوٍ أو وسيط. فبحسب أبو حسبو، يؤكد التقرير وقوع لقاء في القاهرة بين الأزهري وعلي عبد الرحمن لتشكيل تحالف يُسقط الحكومة (سيف الدين عبد الحميد، 2024). وبحسب ما تنقله موسوعة المعرفة عن مذكرات الأزهري التي نشرها بشير محمد سعيد، فإن التقرير زعم اتفاقًا في القاهرة، بحضور عبد الناصر، بين قيادة الوطني الاتحادي وقيادة حزب الشعب للإطاحة بالحكومة وإعلان الوحدة مع مصر، وأن الأزهري وعلي عبد الرحمن وصفاه بالكاذب (المعرفة، 2014).
وتتداول الصحافة الرقمية روايات تنسب إلى التني أن الانقلاب كان استباقًا لانقلاب مدبّر في القاهرة يهدف إلى ضم السودان للحكم المصري (البيك عبد الله خليل، دون تاريخ). وفي ملاحظات إبراهيم عن اللواء مزمل غندور، وُصف التقرير بأنه «مدسوس» (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وفي رواية أخرى، أن السفير الأمريكي في الخرطوم أطلع خليل على رسالة من زميله في القاهرة عن اجتماعات الأزهري وعلي عبد الرحمن (المعرفة، 2014). ولم يتسن الاطلاع على نص التقرير ولا على النصوص الأصلية الكاملة للمذكرات. وتظهر عبارة «إعلان الوحدة» في الروايات اللاحقة والوسيطة، فيما تقف بعض الروايات الأقرب إلى الأحداث عند حدود «إسقاط الحكومة بائتلاف مصري الهوى».
وتضم الدرجة الثالثة، غير المدعومة حتى الآن بأثر مستقل متاح، وجود خطة فعلية لإعلان وحدة: لا توجد في المصادر التي أمكن فحصها وثيقة مصرية منشورة تثبت خطة محددة لضم السودان في نوفمبر 1958، ولا برنامج حزبي سوداني موثق يحدد خطوات دستورية لإعلان الوحدة، ولا قرار برلماني منتظر بهذا المعنى، ولا شهادة مستقلة من قيادة اتحادية تثبت أن الاتفاق كان قد بلغ مرحلة التنفيذ. وفي المقابل، أُعلن الاستقلال بإجماع برلماني قبل ثلاث سنوات، وانتقدت صحيفة حزب الشعب الخطوة المصرية في حلايب (Time, 1958).
ولا يعني هذا أن غياب الوثيقة المنشورة ينفي قطعًا احتمال وجود اتصالات سرية، لكنه يعني أن الجزم بوجود خطة ضم يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة. كما أن وجود اتصالات بين الأزهري وعلي عبد الرحمن، إن ثبت، لا يكفي وحده لإثبات الاتفاق على الوحدة؛ فقد يكون الهدف تشكيل ائتلاف حكومي جديد، أو تنسيق سياسة خارجية، أو عقد حلف دفاعي، أو إقصاء حكومة خليل. وكل واحد من هذه الاحتمالات يحتاج إلى دليل يميزه عن غيره.
6.2 الأدلة المضادة والبدائل الأرجح
أولًا، كان البديل الواقعي لحكومة خليل ائتلافًا بين الأمة والوطني الاتحادي بدعم من رئيس حزب الأمة نفسه، لا حكومة وحدة. فالمحجوب يروي أن الاتفاق كان على وشك الانعقاد ليلة 16 نوفمبر (عبد الله علي إبراهيم، 2006، نقلًا عن Mahgoub, 1974)، وكانت لندن تدفع في هذا الاتجاه (وليد الأعظمي، 1990؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006). ومن غير المرجح سياسيًا أن يمضي حزب الأمة وجماهير الأنصار نحو وحدة مع مصر من دون أدلة على تحول جذري في موقفهما. لكن هذا لا يمنع أن تتقارب الأحزاب في تشكيل حكومة جديدة أو في بعض ملفات السياسة الخارجية.
ثانيًا، تتجه تصريحات خليل نفسه إلى مخاوف أوسع: الفوضى، وعبد الناصر «سيأخذها»، وعدم استعداد البلاد للديمقراطية (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وتنقل موسوعة المعرفة عن برقية للسفير البريطاني أن خليل قال إنه يخاف قيام حكومة موالية لمصر، وأنه قد يخسر حتى لو نال الثقة في 17 نوفمبر، عند تصويت لاحق على السياسة الخارجية (المعرفة، 2014). وهذا خوف من حكومة موالية، لا دليل مباشر على خطة وحدة. كما أن التمييز بين الخوف من النفوذ المصري والخوف من الوحدة مهم، لأن الحكومة قد تكون أقرب إلى القاهرة من دون أن تسعى إلى إنهاء استقلال السودان.
ثالثًا، تشير الرواية نفسها إلى أن خطط استيلاء الجيش على الحكم وُضعت أول الأمر كتمارين احترازية في حرب السويس عام 1956، ثم تجددت في أزمة حلايب في فبراير 1958 وبعد انقلاب بغداد في يوليو 1958 (المعرفة، 2014). ولم يتسن التحقق من أصل جميع تفاصيل هذه الرواية. وتدرج دراسة بن حمو برقية السفير البريطاني تشابمان أندروز بتاريخ 25 نوفمبر 1958 ونشرات استخبارية أمريكية في مراجعها (Ben Hammou, 2024)، ما يجعل أصول هذه الرواية قابلة للتحقق من الأرشيف الوطني البريطاني والوثائق الأمريكية المنشورة. ولو ثبت أن التخطيط العسكري سبق اجتماعات القاهرة المزعومة، فإن ذلك يضعف فرضية أن تقرير التني كان السبب المنشئ للانقلاب، وإن لم ينف احتمال أنه عجّل التنفيذ.
رابعًا، سلك الحكم العسكري مسلكًا تصالحيًا مع القاهرة. فقد تعهد عبود فور توليه بحل الخلافات مع مصر، ومنها ملف النيل (Metz, 1992)، وتوّج ذلك باتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر 1959 (Collins, 2002؛ Waterbury, 1979). وهذا لا ينفي أن خليل أراد منع حكومة بعينها تميل إلى مصر، لكنه لا ينسجم مع تصوير الانقلاب باعتباره مشروعًا استراتيجيًا ثابتًا لمواجهة مصر أو منع أي تقارب معها. فالمواقف الخارجية للأنظمة قد تتغير وفق المصالح والضغوط، ولا يكفي اتفاق لاحق وحده لإثبات النوايا السابقة أو نفيها.
خامسًا، أضرّ التحرك المصري في حلايب بالأطراف المؤيدة لمصر في السودان، وأقرت القاهرة بالتراجع الظرفي عن المطالبة أثناء الانتخابات (Time, 1958). وهذا يدل على أن بيئة الرأي العام كانت أبعد ما تكون عن قبول مشروع ضم معلن، وأن أي محاولة لإعلان الوحدة كانت ستواجه عقبات سياسية داخلية كبيرة. ومن ثم يحتاج ادعاء قرب تنفيذها إلى تفسير كيفية تجاوز هذه العقبات، لا مجرد الاستشهاد بالتوتر المصري السوداني.
سادسًا، تضع الوثائق الأمريكية التوتر المصري السوداني في سياق أوسع من السياسة الإقليمية. فقد تناولت الإدارة الأمريكية احتمال العدوان المصري، لكنها بحثت أيضًا سبل دعم استقلال السودان وتعزيز قدرة حكومته على مواجهة الضغوط، في سياق المنافسة بين الغرب والقومية العربية الراديكالية (US Department of State, 1958a؛ US Department of State, 1958b). وتثبت هذه الوثائق وجود اعتبارات استراتيجية خارجية، لكنها لا تكفي لإثبات أن واشنطن صاغت الانقلاب أو أمرت بتنفيذه. فالدعم السياسي لحكومة معينة، أو تفضيل قادة موالين للغرب، لا يساوي تلقائيًا المشاركة في التخطيط العسكري.
6.3 التقدير النهائي لفرضية الوحدة
يمكن صياغة التقدير بلغة الاحتمال. فالاحتمال المسبق لوجود خطة جادة لإعلان وحدة، بالنظر إلى بنية الأحزاب وتحول الوطني الاتحادي إلى الاستقلال، منخفض نسبيًا. والدليل المتاح، وهو تقرير واحد متنازع عليه تتبدل صيغته، لا يرفع هذا الاحتمال إلا قليلًا، لأنه متوقع الظهور سواء صحّت الخطة أم كان مجرد إشاعة أو أداة إقناع. وغياب الآثار المؤيدة المنتظرة، مثل وثائق مصرية أو تحركات وطنية موثقة أو موقف واضح للأنصار، يخفضه أكثر، مع التحفظ على قيود الأرشيف. لذلك لا تجتاز فرضية الوحدة، بصيغتها القوية، اختبار الأدلة الضرورية الذي تتطلبه مناهج التتبع التاريخي (Van Evera, 1997؛ Fairfield & Charman, 2017).
والأرجح إعادة صياغة الفرضية على النحو الآتي: لقد أدخل خليل الجيش لمنع قيام حكومة «اتحادية–ختمية» تميل إلى القاهرة وتعقد معها حلفًا دفاعيًا وتقصيه، وفي ظل خطر فقدان الأغلبية، وانقسام ائتلافه، وانسحاب الجنوبيين. وقد وفّر الخوف من مصر غطاءً سياديًا قويًا لهذا الدافع، ووفّر تقرير التني أداة إقناع للسيدين. ويصدق هنا أن «السيادة» و«الكرسي» لم يكونا متنافيين في ذهنه. وقد حلّل ميهاتش كيف أن الخوف من فقدان الاستقلال كان يشكل قرارات الأطراف جميعًا، وأن لكل حزب تعريفه للسيادة (Mihatsch, 2021). ولا يعني هذا التقدير أن النية الشخصية لخليل قد حُسمت نهائيًا، بل يعني أن الأدلة المتاحة تسند تفسير الخوف من حكومة موالية للقاهرة وأزمة الحكم أكثر مما تسند ادعاء خطة وشيكة لإعلان الوحدة.
7. خريطة الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة
تحتاج حالة 1958 إلى تدقيق خاص لأن الأرشيف المتاح عنها في بعض الروايات وسيط، وكل رواية قاطعة تكسب جاذبيتها من هذا الغموض، فتتحرك بين الصحف الإلكترونية والمذكرات بسرعة (Allport & Postman, 1947؛ DiFonzo & Bordia, 2007). ولا يعني وصف رواية بأنها أسطورة أن كل عناصرها كاذبة، بل يعني أن الصيغة الشائعة تتجاوز ما تسمح به الأدلة، أو تخلط بين واقعة موثقة واستنتاج لم يُثبت.
الأسطورة الأولى أن بين خليل والجيش اتفاقًا مكتوبًا على فترة انتقالية من ستة أشهر خانه العسكر (عيسى إبراهيم، 2022). ولم نقف على وثيقة تثبت وجود اتفاق مكتوب بذلك. والذي تشير إليه ملخصات الوثائق البريطانية أن السفير رأى أن حزب الأمة كان على علم بالحركة، وأنه طمع في أن يبقى الجيش ستة أشهر ينقّي فيها الحياة السياسية (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وتنقل موسوعة المعرفة عن أحد أقارب الإمام فكرة تسليم السلطة للمدنيين بعد نحو ستة أشهر (المعرفة، 2014). فهي توقع لدى طرف، لا عقد ملزم. وهي أيضًا مثال على مشكلة الالتزام التي لا يمكن حلها بالثقة وحدها، لأن من يمتلك السلاح والقدرة على فرض القرارات يستطيع نقض التعهد الشفهي (Svolik, 2013).
الأسطورة الثانية أن خليل أنذر مصر بالانسحاب من حلايب فانسحبت، وأن هذا هو أصل عسكرة السودان (عيسى إبراهيم، 2022). والوقائع الموثقة أبسط: مذكرة مصرية في فبراير، وشكوى سودانية لمجلس الأمن، وإعلان القاهرة إرجاء مطلبها إلى ما بعد الانتخابات (Time, 1958). والتسلسل الزمني يفصل أزمة حلايب عن الانقلاب بنحو تسعة أشهر، ولذلك لا يجوز تحويل التتابع الزمني إلى علاقة سببية مباشرة دون أدلة إضافية.
الأسطورة الثالثة أن الانقلاب صنيعة وكالة الاستخبارات الأمريكية. وتصف ملاحظات عبد الله علي إبراهيم هذا الزعم بأنه شائع، لكنها ترى أن الإصبع الأمريكي لا يظهر بالدليل والبرهان (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وتبيّن وثيقة مجلس الأمن القومي الأمريكي المؤرخة في 4 نوفمبر 1958 تفضيلًا أمريكيًا للقادة الموالين للغرب، وقلقًا من صعود القومية العربية الراديكالية (US Department of State, 1958b). غير أن التفضيل ليس تدبيرًا. وتنقل روث فيرست أن صناع السياسة الأمريكية اقتنعوا بحلول 13 نوفمبر بأن مصر ستنفذ انقلابًا في السودان، وأن واشنطن ولندن لم تعودا تعترضان على تدخل الجيش، وذلك وفق النقل الذي أورده عبد الله علي إبراهيم (First, 1970؛ عبد الله علي إبراهيم، 2006). وهذا، إذا ثبتت تفاصيله من الأصول، يدل على علم أو قبول محتمل، لكنه لا يثبت التأليف أو المشاركة المباشرة. وفي الوقت نفسه، نصحت لندن خليل بالتريث، ونصحه الإمبراطور الإثيوبي بعدم المضي.
الأسطورة الرابعة أن مصر دبّرت انقلابًا عسكريًا وشيكًا. تلمّح دراسة مكتبة الكونغرس إلى أن مصر لمّحت إلى إمكان دعم انقلاب (Metz, 1992)، وكانت إشاعات مماثلة قد رافقت محاولة كبيدة في يونيو 1957 (عبد الله علي إبراهيم، 2006). ولا يوجد في المواد التي أمكن فحصها دليل حاسم على خطة مصرية جاهزة للتنفيذ في نوفمبر 1958. وفي الاتجاه المعاكس، تروّج بعض المقالات الحديثة أن الانقلاب نفسه من تدبير مصر لأنه أفضى إلى اتفاقية مياه النيل (Horn Review, 2026). وهذا استدلال من النتيجة إلى السبب، ولا يقوم دون وثيقة تربط التخطيط للانقلاب مباشرة بالاتفاقية اللاحقة.
الأسطورة الخامسة أن تقرير التني حاسم. وقد رأينا تبدل صِيَغه، ووصف بعض الضباط له بالمدسوس، ونفي الأزهري وعلي عبد الرحمن ما نُسب إليهما، فضلًا عن أن التني نفسه صديق شخصي لخليل وعضو في حزبه، وعُيّن في القاهرة رغم أن ميوله ليست اتحادية، وفق الرواية التي ينقلها سيف الدين عبد الحميد (سيف الدين عبد الحميد، 2024). فهو مصدر ذو مصلحة محتملة وليس طرفًا محايدًا. لكن مصلحته المحتملة لا تثبت أن التقرير كاذب؛ بل تجعل التحقق من نصه الأصلي، ومصدر معلوماته، وتاريخ إرساله، ومتلقيه، ومدى توافقه مع الوثائق المستقلة، أمرًا ضروريًا.
الأسطورة السادسة أن الجيش كان منقذًا وطنيًا موحد الإرادة. تكذّبها الانقسامات العسكرية اللاحقة في 1959، وإقصاء أحمد عبد الوهاب، ومحاولات الانقلاب على عبود (Metz, 1992). وتروّج لها مذكرات كتّاب مثل طلعت فريد وروايات عبود في مذكراته، وفق ملاحظات عبد الله علي إبراهيم (عبد الله علي إبراهيم، 2006). ولا يعني ذلك أن كل الضباط كانوا أصحاب مشروع واحد أو أن جميعهم تحركوا لدافع شخصي؛ بل يعني أن المؤسسة العسكرية كانت تضم تيارات ومصالح متباينة، وأن تصويرها كفاعل متجانس يحجب الصراع داخلها.
الأسطورة السابعة أن خليل كان عميلًا للإنجليز منذ 1924. تُظهر ملاحظات إبراهيم أن هذه التهمة ذاعت بعد محاكمات 1924، وأن خصومه الاتحاديين غالوا فيها (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وهي تعمل بوصفها وصمة تخدم الخصوم السياسيين، وليست دليلًا كافيًا على دوافعه في 1958. ويجب التمييز بين علاقاته ببريطانيا، ومواقفه السياسية المؤيدة للاستقلال عن مصر، وطلبه دعمًا غربيًا في مواجهة التهديد المصري، وبين ادعاء العمالة، الذي يتطلب أدلة مستقلة على علاقة تبعية أو تكليف أو مقابل.
الأسطورة الثامنة أن خليل سلّم الحكم بمفرده. فهو استشار أو خاطب السيدين بصيغ متباينة وفق بعض الروايات، بينما ينفي ساتي علم الحزب والإمام بالخطة (سيف الدين عبد الحميد، 2024؛ أمين التوم ساتي، 2011). وتبقى المسألة موضع تضارب شهادات، وليست محسومة لأي من الاتجاهين. ومن المهم هنا فصل علم بعض الأفراد عن علم الحزب كله، وفصل التشاور بشأن الأزمة السياسية عن الموافقة على خطة انقلاب عسكري محددة.
وللجنوبيين رواية ثالثة سجّلها إبراهيم، ترى أن الانقلاب تدبير شمالي لتفادي الاستجابة لمطلب الفدرالية (عبد الله علي إبراهيم، 2006). وتخالفها قراءة محجوب محمد صالح التي ترى أن الانقلاب قطع نقاشًا وطنيًا جديًا حول الفدرالية كان لا يزال قائمًا. وهي على أي حال تسجل إدراكًا سياسيًا مهمًا لدى الجنوبيين، لكنها لا تصبح حقيقة مثبتة بمجرد وجودها في الذاكرة السياسية. ويقتضي التحقق مقارنة هذه الشهادات بمحاضر البرلمان ومداولات لجنة الدستور والوثائق الحكومية المتعلقة بالجنوب.
8. ما بعد 17 نوفمبر: كلفة الحل العسكري على الجميع
لم تنتظر النتائج طويلًا. فقد ظهر خلاف المجلس الأعلى بين الأنصار والختمية، وانتهى بخروج أحمد عبد الوهاب في مارس 1959، وتمرد ضباط ثلاث مرات في العام نفسه (Metz, 1992). وتوفي السيد عبد الرحمن المهدي في 24 مارس 1959، بعد أن وعدته الخطة بالرئاسة وفق الرواية التي ينقلها سيف الدين عبد الحميد (سيف الدين عبد الحميد، 2024). وتحول ما بدأ بوصفه تدخلًا مؤقتًا إلى حكم عسكري استمر ست سنوات، وأُسقط بثورة أكتوبر 1964 (Berridge, 2015).
وأنتجت سياسة الجنوب القسرية نزاعًا مسلحًا كان من أسباب سقوط النظام (Metz, 1992). وتكشف هذه النتيجة عن كلفة أخرى لا يمكن اختزالها في مصير خليل أو في الخلاف حول مصر: فحين تُلغى المنافسة الحزبية وتُقيد المؤسسات المدنية، لا تختفي المظالم الإقليمية والدستورية، بل تفقد قنوات التعبير والتفاوض، وقد تتحول إلى صراع مسلح. ولا يجوز تحميل انقلاب 1958 وحده المسؤولية عن جميع جذور الحرب في الجنوب، لكن الحكم العسكري أسهم في إعادة تشكيل البيئة السياسية التي تطورت فيها الأزمة.
وتبقى تسوية مياه النيل عام 1959 دليلًا على تغير موقف الدولة من القاهرة (Collins, 2002؛ Waterbury, 1979). فالنظام العسكري الذي استولى على السلطة في ظل مخاوف من النفوذ المصري مضى إلى تفاوض واتفاق مع مصر بشأن المياه، بما يوضح أن التحالفات الخارجية ليست ثابتة، وأن حماية السيادة لا تتحقق تلقائيًا بإقصاء المؤسسات المدنية. وقد يكون الاتفاق قد خدم مصالح الدولة السودانية في بعض جوانبه، لكن وجوده لا يثبت أن الانقلاب كان ضروريًا لتحقيقه.
أما خليل فقد انتهت حياته السياسية، وبقي «الساحر الذي انقلب عليه سحره» في وصف إبراهيم (عبد الله علي إبراهيم، 2024)، فلا هو أنقذ الديمقراطية ولا الائتلاف ولا نفسه. وتكشف المفارقة عن درس سياسي مركزي: قد يلجأ السياسي إلى القوة العسكرية لتجنب خسارة مؤقتة في السلطة، لكنه لا يستطيع ضمان أن المؤسسة التي يستدعيها ستعيد السلطة إليه أو تحافظ على النظام الذي كان جزءًا منه.
9. من تحليل الانقلاب إلى هندسة الضمانات: المنهج والدروس العملية للسودان
9.1 ممارسات منهجية لكتابة تاريخ الانقلابات
تقدم الأدبيات الحديثة أدوات تصحح عادات الكتابة التاريخية عن 1958. أولها تتبع العمليات مع تسمية صريحة لاختبارات الأدلة (Bennett & Checkel, 2015؛ Collier, 2011). وثانيها التحديث البايزي الصريح لوزن الشهادات المتفرقة، مع تجنب تحويل الأحكام النوعية إلى أرقام احتمالية زائفة الدقة (Fairfield & Charman, 2017). وثالثها التفكير بالوقائع المضادة، بسؤال: ماذا كان سيحدث لو سقط خليل في البرلمان؟ وهل كان الائتلاف البديل سيشكل حكومة مدنية مستقرة أم ستنشأ أزمة جديدة؟ (Tetlock & Belkin, 1996). ورابعها نقد المصدر وفحص مصلحة الراوي. وخامسها استخدام قواعد بيانات الانقلابات التي تفصل أنواع الفاعلين، وتتيح المقارنة بين تدخل مدني يمكّن الجيش وانقلاب تقوده المؤسسة العسكرية من تلقاء نفسها (Powell & Thyne, 2011؛ Chin et al., 2021).
وسادسها تتبع سلاسل الإشاعة عبر الوسطاء وبيان أصل كل عبارة، وهو ما ينتج في حالتنا فرقًا بين «إسقاط الحكومة» و«إعلان الوحدة». وسابعها الأرشفة المنهجية للأرشيف الوطني البريطاني، والوثائق الاستخبارية الأمريكية المفرج عنها، وسجلات العلاقات الخارجية، والصحافة السودانية المعاصرة، والتاريخ الشفوي، قبل الاعتماد على الملخصات الوسيطة. وثامنها الفصل بين مستويات الاستنتاج: الوثيقة التي تثبت وجود مخاوف من مصر لا تثبت خطة ضم؛ والشهادة التي تثبت طلب خليل تدخل الجيش لا تثبت علمه بجميع تفاصيل العملية؛ والاتفاق الذي عُقد بعد الانقلاب لا يثبت أن الانقلاب صُمم من أجله.
وتقتضي الممارسة العلمية أيضًا توثيق كل إحالة بتاريخها الصحيح عندما يكون التاريخ متاحًا، وعدم وضع تاريخ تقديري لمصدر مجهول التاريخ، واستخدام «دون تاريخ» حين لا يمكن التحقق من تاريخ النشر. كما ينبغي عدم تقديم تاريخ الاطلاع على صفحة إلكترونية باعتباره تاريخ نشرها، وعدم اعتبار تكرار الرواية في عدة مواقع دليلًا مستقلًا إذا كانت المواقع تنقل عن المصدر نفسه. ويجب أن يتضمن سجل التحقق اسم المصدر الأصلي، واسم الوسيط إن وُجد، وتاريخ الوثيقة، والصفحة أو الفقرة التي تدعم الادعاء، ومستوى الثقة في النقل.
9.2 ضمانات مؤسسية تقلل خطر تكرار 1958
توحي حالة 1958 بجملة ضمانات. أولها حجب الثقة البنّاء، أي ألا تسقط الحكومة إلا بانتخاب بديل في الوقت نفسه، كما في المادة 67 من القانون الأساسي الألماني (Bundesrepublik Deutschland, 1949). ومن شأن هذه الآلية أن تقلل احتمال استخدام الجيش لتجنب خسارة الأغلبية، لأنها تربط إسقاط الحكومة بتشكيل بديل دستوري بدلًا من فتح فراغ سياسي. غير أن نجاحها يتطلب أحزابًا قادرة على التفاوض، وقواعد انتخابية واضحة، وقضاءً مستقلًا يحسم النزاعات الدستورية.
وثانيها تثبيت قواعد انعقاد البرلمان بحيث لا يتحكم الجهاز التنفيذي في تأجيله أو تعطيله، مع نشر جداول الجلسات ومحاضرها والقرارات المتعلقة بها. وثالثها تحصين الفصل بين رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع أو إخضاع قنواتها لرقابة برلمانية، لأن جمع خليل الموقعين سهّل التواصل المباشر مع القيادة. ورابعها إلزام أجهزة الاستخبارات بتقاسم تقاريرها مع مجلس الوزراء واللجان البرلمانية المختصة، وفق قواعد تحمي الأسرار المشروعة من دون أن تسمح لرئيس الحكومة باستخدام معلومات غير قابلة للتحقق لتبرير إجراءات استثنائية. فقد كان خليل، بحسب أمين التوم ساتي، يحتفظ بتقارير عن تحركات مصرية دون إطلاع الوزراء (عبد الله علي إبراهيم، 2006).
وخامسها كتابة أي دور استثنائي للجيش بنص مؤقت قابل للمراجعة، مع تحديد نطاق المهمة ومدتها والجهة المدنية التي تراقبها، لأن التعهد الشفهي بالعودة إلى الثكنات لا يلزم من يحمل السلاح (Svolik, 2013). وسادسها بناء جيش مهني يصعب إخضاعه لحزب أو طائفة، مع نظام ترقيات واضح ورقابة مالية مستقلة، لأن الاستراتيجيات المضادة للانقلاب قد تنتج مخاطر أخرى إذا اعتمدت على إنشاء وحدات موازية أو شبكات ولاء شخصية داخل المؤسسة العسكرية (Quinlivan, 1999؛ Singh, 2014).
وسابعها ترسيخ أعراف ضبط النفس والتسامح المتبادل بين الأحزاب، بحيث تقبل القوى السياسية احتمال خسارة الانتخابات أو الخروج من الحكومة من دون اللجوء إلى الجيش (Levitsky & Ziblatt, 2018). وثامنها شفافية الحكومة في مسائل المعونة الخارجية والتحالفات، لأن الغموض يغذي سرديات التهديد ويتيح للخصوم تصوير كل تقارب خارجي بوصفه تنازلًا عن السيادة (Mihatsch, 2021). وتاسعها مساءلة المدنيين الذين يمكّنون الانقلابات، وعدم قصر المسؤولية على الضباط الذين ينفذونها، لأن الأدبيات المتعلقة بالبريتورية المدنية تبين أن الانقلاب قد يبدأ من داخل السلطة المدنية نفسها (Kinney, 2019؛ Ben Hammou, 2024).
وبالنسبة إلى السودان، ينبغي ألا تتحول هذه الدروس إلى توصيات شكلية. فالمطلوب هو بناء قواعد دستورية تمنع رئيس الحكومة أو وزير الدفاع من إصدار تكليف غير معلن للجيش بتغيير النظام، وتضمن رقابة البرلمان على أي تحرك استثنائي، وتمنح القضاء سلطة مراجعة دستورية القرارات المتعلقة بتعطيل المؤسسات. كما ينبغي توثيق الاجتماعات بين القيادات المدنية والعسكرية عندما تتعلق بأمن الدولة أو انتقال السلطة، وإخضاعها لقواعد حفظ السجلات والمساءلة اللاحقة، مع حماية المعلومات العملياتية التي قد يؤدي نشرها الفوري إلى أخطار أمنية حقيقية.
ويقتضي الدرس الأهم عدم مساواة الاستقرار السياسي بإقصاء المنافسين. فالأزمة البرلمانية في 1958 كانت قابلة لأن تُحسم بالتفاوض، أو بتشكيل ائتلاف جديد، أو بالتصويت، أو بالانتخابات وفق القواعد الدستورية. وقد تكون هذه البدائل بطيئة ومكلفة سياسيًا، لكنها لا تمنح المؤسسة العسكرية حق إعادة تعريف النظام السياسي. إن السماح للجيش بأن يصبح حكمًا بين الأحزاب يحوّل الخلاف المدني إلى منافسة على ولاء الضباط، ويخلق حافزًا دائمًا لكل طرف خاسر للبحث عن قوة مسلحة تعيده إلى السلطة.
10. خاتمة نقدية: ما تثبته الأدلة وما لا تثبته
تُظهر الأدلة المتاحة أن الرواية القائلة بأن عبد الله خليل سلّم السلطة للجيش ليمنع خطة لإعلان وحدة بين السودان ومصر رواية مبسطة لما هو أعقد. فالموثق أن خليل خاف قيام حكومة ائتلافية موالية للقاهرة، وأنه أدرك قرب فقدانه الأغلبية وتهميشه، وأن ضغطًا مصريًا ملموسًا في حلايب والتجارة والخطاب أعطى هذا الخوف مادة سياسية واقعية. كما توجد شواهد معتبرة على أن خليل بادر إلى طلب تدخل الجيش، وأنه لم يكن مجرد ضحية لعملية عسكرية لم يعلم بها. أما إعلان الوحدة فيظهر في صيغ لاحقة ووسيطة لتقرير واحد متنازع عليه، ولا يسنده، ضمن المواد التي أمكن فحصها، أثر مستقل يكفي للجزم بوجود خطة محددة ووشيكة التنفيذ.
وأما الجيش فكان فاعلًا سياسيًا حوّل التدخل إلى حكم ممتد، ولم يلتزم بالضرورة بالحدود التي تصورها خليل. ومن ثم فإن مفهوم «التسليم والتسلّم» لا ينبغي أن يستخدم بوصفه حقيقة مكتملة تبرئ الجيش أو تدين خليل وحده، بل بوصفه سؤالًا عن توزيع المبادرة والمسؤولية بين السياسيين والضباط. وبهذا يكون «إنقاذ السيادة» غطاءً حقيقيًا من الخوف، لا دليلًا على مشروع وحدة قائم، ويكون «إنقاذ الكرسي» دافعًا لا يمكن فصله عن الأزمة الداخلية. ولا تسمح الأدلة بتحديد الوزن الدقيق لكل دافع في ذهن خليل، لكنها تسمح برفض اختزال الحدث في تفسير واحد غير مدعوم.
وتبقى الحاجة قائمة إلى فتح الأرشيفات الأصلية، ومنها برقيات السفارتين البريطانية والأمريكية، والاطلاع على محاضر لجنة التحقيق، وتتبع النصوص الأصلية لمذكرات الأزهري وعلي عبد الرحمن، وحفظ الصحافة السودانية المعاصرة، والتحقق من أصل تقرير يوسف مصطفى التني وسياق إعداده وتلقيه. كما ينبغي مقارنة الشهادات المتعلقة باجتماعات القيادة العامة، والبحث عن أي وثائق تثبت وجود اتفاق محدد بشأن مدة الحكم العسكري أو شروط العودة إلى الحكم المدني. فهذه المواد هي التي يمكن أن تنقل البحث من الترجيح المدروس إلى حكم تاريخي أكثر حسمًا.
وتتجاوز أهمية هذه النتيجة خلافًا حول نوايا رئيس وزراء سابق؛ فهي تتعلق بقاعدة دستورية أساسية: لا يمكن ضمان السيادة الوطنية بتقويض المؤسسات التي تمنح الدولة شرعيتها. كما لا يمكن حماية الديمقراطية بإسناد تقرير مصيرها إلى قوة مسلحة تملك مصالحها وسلطتها المستقلة. وتؤكد تجربة 1958 أن الأزمة الحزبية قد تكون حقيقية، والتهديد الخارجي قد يكون ملموسًا، لكن تحويلهما إلى مبرر للانقلاب لا يؤدي بالضرورة إلى حماية الاستقلال أو استقرار الدولة. بل قد يفتح الباب أمام حكم عسكري يضعف المساءلة، ويقصي المنافسة السياسية، ويترك الأزمات الدستورية والإقليمية من دون حل مستدام.
المراجع
أولًا: المراجع العربية
1. أمين التوم ساتي. حول تسليم السيد عبد الله خليل للسلطة لحكومة عبود، من كتاب «ذكريات ومواقف في طريق الحركة الوطنية السودانية» [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2011 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
2. البيك عبد الله خليل. رجل أنصفه التاريخ: فكيف نرد الاعتبار لهذا القائد العظيم؟ [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ دون تاريخ نشر [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
3. سيف الدين عبد الحميد. حركة عبد الله خليل الانقلابية [الإنترنت]. سودان فور نيوز؛ 18 نوفمبر 2024 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
4. عبد الله علي إبراهيم. ومنصور خالد، الحلقات 8–10 [الإنترنت]. سودانيز أونلاين؛ 6 يونيو 2006 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
5. عبد الله علي إبراهيم. 17 نوفمبر 1958: بالأصالة أم بالوكالة، الجزء الثاني من ثلاثة أجزاء [الإنترنت]. صحيفة الراكوبة؛ 2024 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
6. عيسى إبراهيم. عبد الله خليل: «ضوق» العساكر السلطة فأدمنوها [الإنترنت]. سودانايل؛ 2022 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
7. موسوعة المعرفة. عبد الله خليل [الإنترنت]. المعرفة؛ 2014 [تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2026].
8. منصور خالد. النخبة السودانية وإدمان الفشل. الجزء الأول. القاهرة: دار الأمين للطباعة والنشر والتوزيع؛ 1993.
9. الأعظمي، وليد محمد سعيد. السودان في الوثائق البريطانية: انقلاب الفريق إبراهيم عبود 1958. بغداد: المكتبة العالمية؛ 1990.
10. أبوشوك، أحمد إبراهيم. دراسة عن انقلاب 17 نوفمبر 1958 وإفادة عبد الله خليل أمام لجنة التحقيق القضائية [الإنترنت]. 2025. يلزم استكمال بيانات عنوان الدراسة ومكان نشرها من النسخة الأصلية قبل اعتماد المرجع النهائي.
ثانيًا: المراجع الإنجليزية
11. Albrecht H, Eibl F. How to keep officers in the barracks: causes, agents, and types of military coups. Int Stud Q. 2018;62(2):315-28.
12. Allport GW, Postman L. The Psychology of Rumor. New York: Henry Holt; 1947.
13. Ben Hammou S. The varieties of civilian praetorianism: evidence from Sudan’s coup politics. Armed Forces Soc. 2024;50(4):1096-117.
14. Bennett A, Checkel JT, editors. Process Tracing: From Metaphor to Analytic Tool. Cambridge: Cambridge University Press; 2015.
15. Berridge WJ. Civil Uprisings in Modern Sudan: The “Khartoum Springs” of 1964 and 1985. London: Bloomsbury Academic; 2015.
16. Beshir MO. Revolution and Nationalism in the Sudan. New York: Barnes & Noble; 1974.
17. Bundesrepublik Deutschland. Grundgesetz für die Bundesrepublik Deutschland vom 23. Mai 1949. Art. 67.
18. Cameron MA. Self-coups: Peru, Guatemala, and Russia. J Democracy. 1998;9(1):125-39.
19. Casper BA, Tyson SA. Popular protest and elite coordination in a coup d’état. J Polit. 2014;76(2):548-64.
20. Chin JJ, Carter DB, Wright JG. The varieties of coups d’état: introducing the Colpus dataset. Int Stud Q. 2021;65(4):1040-51.
21. Collier D. Understanding process tracing. PS Polit Sci Polit. 2011;44(4):823-30.
22. Collins RO. The Nile. New Haven (CT): Yale University Press; 2002.
23. DiFonzo N, Bordia P. Rumor Psychology: Social and Organizational Approaches. Washington (DC): American Psychological Association; 2007.
24. Fairfield T, Charman AE. Explicit Bayesian analysis for process tracing: guidelines, opportunities, and caveats. Polit Anal. 2017;25(3):363-80.
25. Finer SE. The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics. London: Pall Mall Press; 1962.
26. First R. The Barrel of a Gun: Political Power in Africa and the Coup d’État. London: Allen Lane, The Penguin Press; 1970.
27. Horn Review. Engineering power transitions: Egypt’s plot in Sudan’s 1969 and 2021 coups [Internet]. Horn Review; 9 June 2026 [cited 21 October 2026].
28. Huntington SP. Political Order in Changing Societies. New Haven (CT): Yale University Press; 1968.
29. Kerr MH. The Arab Cold War: Gamal ‘Abd al-Nasir and His Rivals, 1958–1970. 3rd ed. London: Oxford University Press; 1971.
30. Kinney DH. Politicians at arms: civilian recruitment of soldiers for Middle East coups. Armed Forces Soc. 2019;45(4):681-701.
31. Levitsky S, Ziblatt D. How Democracies Die. New York: Crown; 2018.
32. Mahgoub MA. Democracy on Trial: Reflections on Arab and African Politics. London: André Deutsch; 1974.
33. Metz HC, editor. Sudan: A Country Study. 4th ed. Washington (DC): Library of Congress, Federal Research Division; 1992.
34. Mihatsch MA. Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958. J East Afr Stud. 2021;15(2):236-54.
35. Niblock T. Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898–1985. Albany (NY): State University of New York Press; 1987.
36. Perlmutter A. The praetorian state and the praetorian army: toward a taxonomy of civil-military relations in developing polities. Comp Polit. 1969;1(3):382-404.
37. Podeh E. The Decline of Arab Unity: The Rise and Fall of the United Arab Republic. Brighton: Sussex Academic Press; 1999.
38. Powell JM, Thyne CL. Global instances of coups from 1950 to 2010: a new dataset. J Peace Res. 2011;48(2):249-59.
39. Quinlivan JT. Coup-proofing: its practice and consequences in the Middle East. Int Secur. 1999;24(2):131-65.
40. Singh N. Seizing Power: The Strategic Logic of Military Coups. Baltimore (MD): Johns Hopkins University Press; 2014.
41. Sunstein CR, Vermeule A. Conspiracy theories: causes and cures. J Polit Philos. 2009;17(2):202-27.
42. Svolik MW. Contracting on violence: the moral hazard in authoritarian repression and military intervention in politics. J Confl Resolut. 2013;57(5):765-94.
43. Tetlock PE, Belkin A, editors. Counterfactual Thought Experiments in World Politics: Logical, Methodological, and Psychological Perspectives. Princeton (NJ): Princeton University Press; 1996.
44. Time. The Sudan: parallel move. Time. 3 March 1958.
45. US Department of State, Office of the Historian. National Security Council Report NSC 5820/1: U.S. Policy Toward the Near East. Washington (DC): US Department of State; 4 November 1958.
46. US Department of State, Office of the Historian. Foreign Relations of the United States, 1958–1960, Africa, Volume XIV: Editorial Note on U.S. and British assurances to Sudanese Prime Minister Abdullah Khalil. Washington (DC): US Department of State; 1958.
47. Van Evera S. Guide to Methods for Students of Political Science. Ithaca (NY): Cornell University Press; 1997.
48. Walt SM. The Origins of Alliances. Ithaca (NY): Cornell University Press; 1987.
49. Waterbury J. Hydropolitics of the Nile Valley. Syracuse (NY): Syracuse University Press; 1979.
50. Woodward P. Sudan, 1898–1989: The Unstable State. Boulder (CO): Lynne Rienner Publishers; 1990.
