«ابتناء السودان» يُدشَّن في القاهرة: من شرعنة الانقلاب إلى شرعية الانتخاب
كتاب جديد للبروفيسور مكي مدني الشبلي يطرح رؤية لإعادة تشكيل الدولة السودانية والخروج من دورات الحرب والانقلاب والأزمات المتجددة
القاهرة – سودانايل | 2 نوفمبر 2026
شهدت العاصمة المصرية القاهرة، مساء الأحد الأول من نوفمبر 2026، تدشين كتاب »ابتناء السودان: من شرعنة الانقلاب إلى شرعية الانتخاب«، للبروفيسور مكي مدني الشبلي، الاقتصادي والباحث السوداني، وذلك في مقهى عندليب الثقافي بالجيزة، بتنظيم من دار روابي للنشر والتوزيع. ويأتي صدور الكتاب في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، يواجه فيها السودان حرباً مدمرة وأزمة عميقة في بنية الدولة ومؤسساتها وعلاقاتها بالمجتمع، بما يطرح أسئلة تتجاوز كيفية وقف الحرب إلى طبيعة الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعدها، والأسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللازمة لاستدامتها. ويقدم الكتاب محاولة فكرية لصياغة إجابة متكاملة عن سؤال محوري: كيف ينتقل السودان من دولة تتجدد فيها أزمات السلطة والعنف والانقلاب إلى دولة تستمد مشروعيتها من المجتمع والدستور والانتخاب؟

من إعادة الإعمار إلى «الابتناء»
تنطلق الأطروحة المركزية للكتاب من التمييز بين مفاهيم «إعادة الإعمار» و«الابتناء» و «التأسيس». فإعادة الإعمار، على أهميتها، تنصرف أساساً إلى إصلاح ما دمرته الحرب من منشآت ومرافق وبنية تحتية، والتأسيس ينطوي على غفلة عن تاريخ ضارب في القدم وضع فيه قدماء السودانيين أسس الحضارة البشرية. بينما يشير «الابتناء» إلى عملية تاريخية أعمق، تستهدف إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها وعلاقاتها بالمجتمع، ومعالجة الاختلالات البنيوية التي جعلت الحروب والانقلابات والأزمات السياسية ظواهر متكررة في التاريخ السوداني.
ومن هذا المنظور، لا يكفي أن يستعيد السودان مؤسساته السابقة أو أن يعود إلى أوضاع ما قبل الحرب، لأن تلك الأوضاع نفسها كانت تحمل في داخلها أسباب الانهيار. ويطرح الكتاب، بدلاً من ذلك، الانتقال من «دولة الأزمة» إلى «الدولة القابلة للاستمرار»، عبر مشروع وطني يعيد تأسيس الشرعية السياسية، ويضبط العلاقة بين المدنيين والعسكريين، ويعالج اختلالات الاقتصاد السياسي، ويستعيد دور المجتمع بوصفه شريكاً أصيلاً في بناء الدولة، لا مجرد متلقٍ لقراراتها.
قراءة في جذور الأزمة السودانية
لا يتعامل الكتاب مع الحرب الراهنة باعتبارها حدثاً معزولاً بدأ في أبريل 2023، وإنما يضعها ضمن سياق تاريخي أطول من التعثر المؤسسي، والتنافس على السلطة، وعسكرة السياسة، وضعف العقد الاجتماعي، والتفاوت التنموي، وتراجع قدرة الدولة على إدارة التنوع وتحقيق العدالة. ويجادل المؤلف بأن السودان لم يعانِ فقط من تعاقب الحكومات والانقلابات، وإنما من استمرار أنماط سياسية واقتصادية حالت دون نشوء مؤسسات مستقرة تستند إلى قواعد متفق عليها لتداول السلطة وتوزيع الموارد والمسؤوليات. وفي هذا السياق، يعيد الكتاب قراءة العلاقة بين السلطة والثروة والقوة، وكيف تحولت الدولة في مراحل مختلفة إلى ساحة للتنافس على الموارد والنفوذ، بدلاً من أن تكون إطاراً مؤسسياً لخدمة المجتمع وتحقيق التنمية. كما يولي اهتماماً خاصاً للعلاقة بين المركز والأقاليم، ولمقتضيات اللامركزية والفيدرالية المالية، ولدور التنمية المتوازنة في معالجة المظالم التاريخية التي غذّت النزاعات.
من وقف الحرب إلى بناء السلام
يمنح الكتاب أولوية حاسمة لوقف الحرب بوصفه المدخل الضروري لأي عملية انتقال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. لكنه يميز بين وقف القتال بوصفه إجراءً أمنياً عاجلاً، وبناء السلام بوصفه عملية ممتدة تعالج الأسباب التي أنتجت العنف وتمنع تجددها. ويؤكد هذا المنظور أهمية التدرج المنهجي من وقف إطلاق النار وترتيباته الأمنية والإنسانية إلى الحوار السياسي والتوافق الوطني، وصولاً إلى بناء المؤسسات الدستورية والانتخابية. وفي الوقت نفسه، لا يفصل الكتاب بين السلام والعدالة، بل يدعو إلى مقاربة متدرجة تجمع بين إنهاء العنف، وحماية الضحايا، والمساءلة، والمصالحة المجتمعية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وتحتل المجتمعات المحلية والمبادرات المدنية مكانة مهمة في هذه الرؤية، باعتبارها قادرة على حمل عملية السلام من المستوى السياسي الرسمي إلى مستوى العلاقات الاجتماعية اليومية.

الحركات الثلاث والمسارات الخمسة للابتناء
تتبلور الرؤية العملية للكتاب في ثلاث حركات مترابطة: تشخيص الواقع، وإعادة التشكيل، وإنتاج الشرعية. تبدأ الحركة الأولى بفهم الجذور التاريخية والمؤسسية والاقتصادية للأزمة. وتنتقل الثانية إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع والسلطة، وإصلاح المؤسسات وبناء القدرات. أما الثالثة فتستهدف إنتاج شرعية جديدة تقوم على المشاركة المجتمعية والعقد الاجتماعي والدستور والانتخاب.
وتتكامل هذه الحركات عبر خمسة مسارات رئيسية: المسار الأمني، والمسار السياسي، والمسار المؤسسي، والمسار الاقتصادي، والمسار المدني.
ويؤكد الكتاب أن نجاح أي مسار منها يظل محدوداً إذا لم يتقدم بالتنسيق مع المسارات الأخرى؛ فلا استقرار أمنياً مستداماً دون تسوية سياسية ومؤسسات شرعية، ولا انتقالاً ديمقراطياً راسخاً دون اقتصاد منتج ومجتمع قادر على المشاركة والمساءلة. ومن هنا يبرز مفهوم «الابتناء» بوصفه عملية متكاملة، لا مجموعة إصلاحات متفرقة.
الانتخابات تتويج للشرعية وليست بديلاً عنها
يشكل الانتقال » من شرعنة الانقلاب إلى شرعية الانتخاب« أحد المحاور الأساسية للكتاب. فالانتخابات، وفق هذه الرؤية، تمثل الغاية الدستورية للعملية الانتقالية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الديمقراطية إذا جرت في ظل استمرار السلاح خارج المؤسسات الشرعية، أو غياب التوافق الدستوري، أو ضعف الإدارة الانتخابية، أو النزوح الواسع، أو اختلال شروط المشاركة السياسية. ولهذا يدعو المؤلف إلى فترة انتقالية كافية، لا تقل عن خمس سنوات بعد وقف الحرب، تُخصص لاستكمال متطلبات السلام، وبناء المؤسسات، وإصلاح القطاع الأمني، وترسيخ سيادة القانون، وتهيئة الشروط السياسية والفنية لانتخابات حرة ونزيهة. فالانتخاب، في هذا التصور، ليس مجرد موعد زمني لإنهاء الفترة الانتقالية، وإنما محطة تتويج لمسار متدرج من بناء الشرعية.
الدولة التنموية والمجتمع الفاعل
لا يقتصر الكتاب على قضايا الحرب والسلام والنظام السياسي، بل يضع الاقتصاد والتنمية في قلب مشروع الابتناء. ويدعو إلى تجاوز الاقتصاد الريعي واقتصاد الحرب نحو اقتصاد إنتاجي قادر على تعبئة الموارد الوطنية، وتوسيع فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمكانية، وإعادة بناء رأس المال البشري والمؤسسات العامة. كما يؤكد أن الدولة القابلة للاستمرار لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما بقدرتها على تقديم الخدمات، وتحقيق الإنصاف، وحماية الحقوق، وفتح المجال أمام المبادرة المجتمعية. وفي هذا السياق، يطرح الكتاب تحولاً في العلاقة بين الدولة والمجتمع، من علاقة تقوم على الهيمنة والتبعية إلى شراكة تقوم على المشاركة والمساءلة والمسؤولية المتبادلة.
من الكتاب إلى المشروع الوطني
تتجاوز أهمية «ابتناء السودان» حدود كونه مؤلفاً في الاقتصاد السياسي أو التاريخ السياسي المعاصر، إذ يسعى إلى تقديم إطار مفاهيمي يمكن أن يسهم في الحوار الوطني حول مستقبل السودان بعد الحرب. ولا يقدم الكتاب وصفة جاهزة أو يدّعي امتلاك إجابات نهائية عن جميع أسئلة الانتقال، وإنما يطرح رؤية قابلة للنقاش والتطوير، ويشجع على الانتقال من التنافس حول من يحكم السودان إلى التوافق حول كيفية بناء الدولة التي ينبغي أن يُحكم من خلالها. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى حوار وطني يتجاوز الاستقطابات السياسية والعسكرية، ويجمع القوى المدنية والمجتمعية والمهنية والأكاديمية حول مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الدولة. ويأتي تدشين الكتاب في القاهرة ليشكل مناسبة لفتح هذا النقاش بين السودانيين في الداخل والمهجر، وبين الباحثين والمهتمين بقضايا السلام والتحول الديمقراطي والتنمية.
وتبقى الرسالة الجوهرية للكتاب أن السودان لا يحتاج إلى العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل إلى ابتناء ما كان ينبغي أن يكون عليه منذ الاستقلال: دولة تستمد قوتها من شرعيتها، وشرعيتها من مجتمعها، واستمرارها من مؤسساتها وعدالتها وقدرتها على التنمية.
عن المؤلف
البروفيسور مكي مدني الشبلي اقتصادي وباحث سوداني، حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كِنت، والماجستير في الاقتصاد من جامعة مانشستر، والماجستير في الإدارة العامة من جامعة هارفارد. شغل مناصب قيادية وأكاديمية ومصرفية وتنموية داخل السودان وخارجه، من بينها إدارة مركز مأمون بحيري، ورئاسة جامعة أم درمان الأهلية. وهو باحث مشارك في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، والمؤسس والمدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية بالمملكة المتحدة، ونائب رئيس مبادرة العمل الإنساني من أجل السودان (HAS).
