بعد أن كسر الرئيس الأسبق جعفر نميري شوكة الحزب الشيوعي، بتصفية مفكريه وقياداته الفذة، على خلفية احداث انقلاب يوليو المأساوية عند بداية عهده، وبعد أن أعدم الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري في ناهية العهد، لم يتبقى بالمشهد غير الاخوان المتحورين من جبهة الميثاق الى الجبهة الإسلامية، ثم المؤتمر الوطني المحلول أو(المبلول)، مع تقديرنا لحزبي الأمة والاتحادي، إلّا أن المراوحة مكان الطائفة أفقدت الكيانين صفة التنظيم السياسي بمعناه الاصطلاحي المعلوم، وفقدان هذين (الحزبين) للنهج التنظيمي الحقيقي حصرهما في زاوية الطريقة الصوفية، ما سمح للإخوان – الجبهة الإسلامية، لأن تتمدد، وبحسب قرب زعيمها من إمام الأنصار ورئيس حزب الأمة ثم مصاهرته، وجد الدكتور حسن الترابي الأرضية الخصبة، لتأسيس التنظيم الذي خرج من بين رزايا الأنصار، فصار بعبعاً حكم الدولة لاحقاً بالحديد والنار، وأورث الشعب حرب لم تبقي ولم تذر، الترابي، وبحكم مقدراته الفكرية، استطاع أن يبني تنظيماً وصلت أذرعه جميع بقاع السودان، اخترق الأحزاب والكيانات، وغزا المساجد والخلاوى والمدارس، صنع كادراً عقائدياً يدين بالولاء للتنظيم أكثر من ولاءه لله سبحانه، هذا البنيان الصلب مازال أثره باقياً حتى بعد أن انشق التنظيم طمعاً في السلطة، فاستمسك المنحازون للسلطان بهيئات وأمانات الحزب وسيطروا على الدولة، ولم يفلح المعارضون في هزيمتهم.
حتى ما بعد الحرب، ظهرت قوة التنظيم في متانة علاقاته الدولية، ودعم التيارات الموالية له من البلدان الأخرى – تركيا وإيران وقطاع غزة والحوثي، ما وجده اخوان السودان من تعاضد من افرعهم القطرية، لم يحصل عليه الشيوعيون من روسيا في محنتهم الأولى مع جعفر نميري، ولم يجده البعثيون من العراق الصدامي ولا من سوريا الأسد، ما يعني أن حبل الولاء بين الاخوانيين هو الأكثر تماسكاً. هذا السرد لا يعني اعجاباً بالإخوان، لكنها الحقيقة التي يجب أن تقال، حتى ينهض الحريصون على نجدة الوطن من سباتهم، ليؤسسوا تنظيماً حقيقياً وقوياً، فالتحالفات السياسية – صمود وتأسيس – لا تخدم قضية مواجهة التنظيم الاخواني، إنّها دعوة ومناشدة للجاهزين من التنظيمات السياسية الفاعلة بالمشهد لالتقاط القفاز، وتهب وترتقي لمستوى العمل الحزبي الحقيقي، لا استمراء نظام “الكارتيلات” و”الفترينات” السياسية، برأيي، المرشح الأوفق من بين الحركات والأحزاب الفاعلة اليوم، ليكون ذلك الفارس الخارج من بين صفوف المتسابقين ليؤسس هذا التنظيم العظيم، هو الحركة الشعبية، التي يمكنها صهر جميع حركات الكفاح، والتنظيمات الأخرى الصغيرة المرتكزة على أرضية فكر السودان الجديد، المشروع الفكري والسياسي الذي دشنه الراحل قرنق، والذي لم يخلفه فيه قائد بذات التوهج والانتشار، هذا لا يعني أن حواء السودان قد عقرت، بل هذا هو الواقع إلى أن يأتي الفرج.
هنالك مفكرون شباب برزوا على خشبة مسرح الفكر السياسي السوداني، قدموا تنظيراً حقيقياً يمكنه أن يترجم في بناء تنظيم سياسي يقود جيل اليوم الى ضوء الحقيقة، لكنهم لم يجدوا الاحتواء والاحتفاء المطلوب، إلّا من قلة قليلة من النخب الحاضرة، ويمكنني أن أذكر مثالين غير حصريين لهؤلاء المفكرين – الدكتور ابكر ادم إسماعيل والأستاذ عبد المنعم سليمان عطرون، اللذين قدما عصارة فكرية متميزة يمكنها أن تحدث فرقاً بين المطروح على الساحة، إنّ هزيمة الاخوان لا تكون بالسلاح وحده، فالنصر الأكبر عليهم يأتي بعد بروز الفكر الجديد والبديل، المنحى لم يحظى بالاهتمام المطلوب من المناضلين، وبالأخص المستنيرين المشهورين الذين لهم تأثير محضور، بسوح المنتديات والفعاليات العامة، وأعود لأكرر، إن التحالفات السياسية لا تعني وجود تنظيمات وأحزاب سياسية ذات فكر بديع، فالتحالفات هي تكتيكات مرحلية يعقبها انفضاض السامر، فماذا بعد تحقيق الأهداف الكلية للتحالفات، وعودة التنظيمات لقواعدها، هنا يكون التحدي والامتحان العسير، خاصة مع التحول السياسي الكبير الذي سوف يعقب الحرب، فاليوم البندقية هي الذراع الطويلة والرافعة المقنعة لكافة الأطراف، ماذا جهّز المنظرون للحقبة القادمة؟، إنّ تنظيم الاخوان الذي يتمتع بوجود فاعل لعناصره داخل الفريقين المتحاربين، سيعود ويتوحد سياسياً بعد انتهاء دور البندقية، وسوف يتصافح رفاق الدرب مجدداً.
إسماعيل عبدالله
Ismeel1@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم