بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
لقد شاهدت فيديو لشاب صغير السن، كبير العقل والقلب، قضى نحبه في فيافي الذهب، وكانت وصيته لأهله: تصدقوا بما يخرج من ذهبي، وسدوا ديني، ودينه كله.. 2 كيلة ذرة فقط!
يا الله! 2 كيلة ذرة!
ليست عمارة ولا سيارة، ليست أرصدة في البنوك ولا شركات، دينه كيلة تملأ جوالا صغيرا!
2 كيلة ذرة، تساوي شرف أمة، وتساوي أمانة وطن، وتساوي درسا لكل من أكل مال الدولة ومال الشعب!
2 كيلة ذرة، فضحت جشع الجشعين، وعرّت طمع الطامعين، وبينت أن العفة ممكنة ولو في قلب الصحراء، وأن الأمانة باقية ولو في باطن الأرض!

مشهد يجعل المرء يبكي دما لا دمعا، ويجعل الأسى يفطر القلب فطرا، والحزن يشطر الفؤاد شطرا. نحسبه والله مغمورا في الأرض مشهورا في السماء، ولا نزكي على الله أحدا.
وهنا نسائل أنفسنا: لماذا أصبح الدم السوداني رخيصا؟ ولماذا هان الإنسان السوداني في وطنه؟
إن هذا الشعب المفجوع ببنيه، المثقل بجراحه، يستحق أن نتقي الله فيه، وأن نتراحم فيما بيننا، لا أن يكيد بعضنا لبعض.
وإني لأوجه عتابا مرا، ونقدا حرا، لبعض الوزراء وبعض المسؤولين ممن شغلتهم الأضواء عن الواجب، وشغلهم الظهور عن العمل، وشغلهم الشو عن الجوهر. المنصب تكليف لا تشريف، وخدمة لا سيادة، وتواضع لا تعالى، فمن لم يخدم المواطن فلا حاجة لنا به، ومن لم يصون كرامة الناس فلا كرامة لمنصبه.
الوزير الذي لا ينزل للسوق، ولا يسمع أنين الناس، ولا يحس بوجع الفقير، وزير معزول ولو كان محاطا بالكاميرات. نريد وزيرا خادما لا مخدوما، قريبا لا متعاليا، رحيما لا جافيا.
ثم إلى قضية أخطر: محاربة العبودية المقنعة، عبودية الركوع للغريب وجلد القريب. رأينا بأعيننا من يبالغ في مجاملة الأجنبي ويمسح له الجوخ، ويقسو على ابن بلده ويغلظ عليه. هذه ليست بروتوكولات، هذه دونية مقيتة، وعبودية حديثة في ثوب جديد، يجب أن تحارب بلا هوادة.
إنها أزمة نفس قبل أن تكون أزمة نص، وأزمة خلق قبل أن تكون أزمة قانون، فمن لم يكرم أهله فلن يكرمه الغريب، ومن هان عليه أخوه هان على الناس جميعا.
لقد أصابتنا أزمة أخلاق فساء حالنا، وأزمة كرامة فهان دمنا، فصرنا من سيء إلى أسوأ، وإن لم نراجع أنفسنا فأخشى أن يستبدلنا الله بغيرنا.
إن الدم السوداني ليس رخيصا، ولكن بعض الممارسات الخاطئة أرخصته، وإن المواطن ليس هينا، ولكن بعض السلوكيات أهانته، حتى صار خبر الفجيعة مألوفا، ومشهد الإهانة معتادا.
فمتى نحترم الإنسان فينا؟ ومتى نصون الدم فينا؟ ومتى ندرك أن الدولة وجدت لخدمة المواطن لا لمشقته، ولعزته لا لذلته، ولحفظه لا لقهره؟
والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
