اتفاق هجليج… إدارة الأزمة والمخاطر العشرة

كتب د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com

“الاتفاق” الذي تم حول منطقة هجليج يمكن وصفه بأنه اتفاق ad hoc بمعنى أنه ترتيب مؤقت، صُمم لمعالجة مخاطر محددة، وليس الخطر الأساسي ذاته. فالخطر الأساسي هو الحرب، باعتبارها خطر من صنع الإنسان (man-made hazard). وهنا يجدر التوقف لتأمل ملاحظة مهمة وهي أن الحرب في السودان قد أضحت معقدة .. ومرشحة بقوة ان تكون حربا متطاولة protracted. فالاتفاق لم يهدف لمعالجة الحرب أو جذورها. فقد نحى إلى تقليل مخاطرها على حقل هجليج النفطي فقط. إن هذا التركيز يعكس مباشرة مصلحة دولة جنوب السودان، التي تعتمد على هجليج كشريان تصدير رئيسي لنفطها، فمن وجهة نظر ادارة مخاطر الكوارث يعتبر هذا الاجراء تدخل من أعلى مستوى سياسي، وهو بذلك يمثل إدارة أزمة طارئة تتوقف فقط عند الشق الاقتصادي الحيوي ولا تمضي إلى أبعد منه، وهو ما يجعله خطوة في الاتجاه السليم من منظور ادارة المخاطر، لكنه في الوقت نفسه يتوقف عند تخوم تجميد النزاع (Conflict Freezing) وليس حله.
هذا التوجه ومع ما به من إيجابية، يخلق مشكلة استراتيجية عميقة: فهو يتيح للأطراف المتحاربة تحقيق ريع الأزمة (Crisis Rent)، حيث يتم مكافأة السيطرة العسكرية بترتيبات اقتصادية مستقرة. مما يقلل من الضغط الاقتصادي الذي كان سيدفعهم نحو حل شامل، ويثبت لهم أن بالإمكان فصل المصالح الحيوية عن المسؤولية السياسية لوقف العنف. لذلك، فإن هذا الاتفاق يعتريه قصور أساسي ذلك أنه يحمي المورد النفطي فقط، ولا يعالج الحرب نفسها. كما أنه من ناحية أخرى غير محدد زمنيا ولا بإطار قانوني ملزم أو مؤسسي واضح. ولم يُلحق بوثيقة تنفيذية تجعله قابلاً للمساءلة. كما أنه قد ترك عشرة مخاطر أخرى جدية Serious risks، يمكن إستعراضها من وجهة نظر إدارة مخاطر الكوارث مع توضيح طبيعتها و تقييمها ونطاقاتها بشكل موجز فيما يلي:-
المخاطر الأولى: تموضع قوات الدعم السريع حول الحقل.
طبيعتها: أمنية–سياسية
تقييمها: مؤكدة وعالية
نطاقها: تحول محيط الحقل إلى مجال نفوذ دائم لقوات الدعم السريع، مع احتمال استمرار السيطرة بعد انتهاء الاتفاق، وتحويل الحماية من إجراء ظرفي إلى سيطرة أمر واقع.
المخاطر الثانية: استمرار العمليات العسكرية في محيط الحقل
طبيعتها: أمني مباشر
تقييمها: مؤكدة وعالية
نطاقها: الاتفاق لم ينشئ منطقة منزوعة السلاح، ولم يغيّر من طبيعة الحرب، فالحقل محمي جزئيا لكن محيطه يظل مسرحا محتملا للاشتباكات.
المخاطر الثالثة: وجود قوات أجنبية داخل الأراضي السودانية.
طبيعتها: سياسية –قانونية
تقييمها:متحقق وغير مقبولة.
نطاقها: وجود قوات جنوب السودان على الأراضي السودانية تُعد تقويضا معلناً للسيادة السودانية، ويخلق سابقة صعبة التراجع.
المخاطر الرابعة: الغموض القانوني للاتفاق
طبيعتها: مؤسسي–قانوني
تقييمها: عالي ومستمر
نطاقها: مؤكدة ومتحققة مع غياب وثيقة تفصيلية أو ملاحق فنية تجعل الاتفاق غير قابل للمساءلة، وأي خلاف مستقبلي مرشح للنزاع.
المخاطر الخامسة: المخاطر البيئية
طبيعتها: بيئي–عابر للحدود
تقييمها: ماثلة ومحتملة
نطاقها: استمرار الحرب وغياب الرقابة يزيد احتمالات التلوث والتدمير غير المباشر، بما يحمل من آثار طويلة الأمد على البلدين.
المخاطر السادسة: تحول الحقل إلى مورد نزاع اقتصادي
طبيعتها: اقتصادي–سياسي
تقييمها: عالية ومحتملة.
نطاقها: حماية الحقل دون اتفاق سياسي شامل قد تغري الأطراف بالتنافس على عائداته، كريع تفاوضي أو كغنيمة حرب خاصة من قبل الدعم السريع.
المخاطر السابعة: اندلاع نزاع حدودي
طبيعتها: سياسية على مستويين إقليمي–سيادي
تقييمها: عالية ومحتملة
نطاقها: حساسية الموقع وتواجد القوات الأجنبية (جيش دولة جنوب السودان) قد يؤدي إلى إعادة فتح النزاع الحدودي.
المخاطر الثامنة: تجدد النزاع حول الحقل.
طبيعتها: أمنية–سياسية
تقييمها: عالية ومحتملة
نطاقها: جذور الصراع حول الموارد لم تُعالج، بل جُمّد النزاع مؤقتا، مما يبقيه سببا محتملا للنزاع المستقبلي.
المخاطر التاسعة: اعتماد منطق الاتفاقات الجزئية
طبيعتها: استراتيجي
تقييمها: متوسطة إلى عالية
نطاقها: الاعتياد على الترتيبات ad hoc يكرّس إدارة الحرب عبر ملفات منفصلة ويضعف أي أفق لحل شامل.
المخاطر العاشرة: تهميش البعد الإنساني.
طبيعتها: أخلاقي–سياسي
تقييمها: عالية وغير مقبولة
نطاقها: الاتفاق يرسّخ فكرة أن حماية الموارد أسهل وأسرع من حماية البشر، مما يعكس ترتيبا معكوسا للأولويات في إدارة الصراع.
برغم كل تلك المخاطر وجديتها يظل اتفاق هجليج في التقدير العام a pivotal point in the conflict (نقطة محورية في النزاع). فهو، رغم طبيعته المؤقتة والمحدودة، يؤكد على حقيقتين مهمتين:
أولاً: انتفاء التهديد المباشر من قوات الدعم السريع في محيط الحقل، وهو نجاح ميداني ينفي الخطاب البلاغي (rhetoric) الذي يسعى للتقليل من هذا الإنجاز.
ثانياً: وجود الإرادة للتفاهم، وأن الأطراف ليست عاجزة عن إبرام اتفاقات توقف الحرب، ولو بشكل محدود أو مرحلي، لكن هذه الإرادة لا تتحرك – للأسف- إلا ضمن نطاق المصالح الاقتصادية والتي للأسف ايضا لا تصب في التنمية، وإنما في استعار أوار الحرب على أقل تقدير بالنسبة للجيش والدعم السريع.
مهما يكن من أمر، وبرغم أن الاتفاق لم يضع معياراً لأي ترتيب مستقبلي: يجب أن يُوسَّع تعريف المصلحة ليشمل حماية المدنيين والاستقرار العام. فلو أُعيد تعريف المصلحة بحيث يكون الإنسان في قلبها، لكان وقف الحرب أقرب إلى التطبيق، وأكثر واقعية، من أي خطاب شعاراتي.
اتفاق هجليج قد لا ينهي الحرب لأنه لم يُصمم لذلك، لكنه يفضح الخطاب الذي يدعو لاستمرار الحرب بلا أفق حل، ويؤكد أن إمكانية الحل السياسي والإنساني موجودة، إذا تم التخلص من الأولوية المعكوسة التي تجعل حماية الموارد أسهل وأسرع وأهم من حماية البشر.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …