علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
في توقيت بالغ الحساسية، انفجرت الساحة السودانية بتصريحات منسوبة لعبد الفتاح البرهان نشرتها منصة “ميدل إيست آي”، تحدث فيها عن استعداده لفتح باب الحوار مع الإمارات بشروط محددة، وأشار إلى أدوار إقليمية في دعم الحرب بالسودان، كما حاول تقديم نفسه بمسافة مختلفة عن نفوذ الإسلاميين داخل السلطة، مع رسائل سياسية تتعلق بترتيبات ما بعد الحرب والتحالفات الإقليمية المقبلة. التصريحات بدت للكثيرين أخطر من مجرد حديث صحفي عابر، لأنها كشفت تناقضات عميقة داخل معسكر السلطة، وفتحت أبواب الأسئلة حول حقيقة مواقف البرهان، وما إذا كان يحاول إعادة التموضع إقليمياً بعد أشهر طويلة من الحرب والانهيار والعزلة. لكن ما إن اشتعل الجدل حتى خرج إعلام مجلس السيادة ببيان نفي كامل، قال فيه إن البرهان لم يدلِ بأي تصريحات لأي وسيلة إعلامية محلية أو عالمية خلال الفترة الماضية. غير أن الأزمة لم تتوقف عند حدود النفي، بل تضاعفت بعد تأكيد الصحفي وهيئة التحرير أن المقابلة جرت بالفعل، عبر مكالمة مباشرة بحضور مترجم من مكتب البرهان، وأن التصريحات أُعيد إرسالها للمراجعة والتأكيد قبل نشرها. وهكذا تحولت القضية من مجرد “تصريحات مثيرة للجدل” إلى أزمة مصداقية تضرب قلب السلطة نفسها، وتكشف حجم الارتباك السياسي الذي تعيشه القيادة في لحظة ينهار فيها الوطن تحت وطأة الحرب والخراب.
فبعد أن خرج عبد الفتاح البرهان لينكر التصريحات التي نُسبت إليه، لم تعد القضية مجرد “سوء فهم إعلامي” أو “خطأ ترجمة” كما تحاول عصابات سلطة وإعلام بورتسودان تسويقها، بل تحولت إلى فضيحة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان، تكشف أزمة رجل يحكم بلداً غارقاً في الدم، لكنه يعجز حتى عن الثبات على كلماته لساعات قليلة. هكذا يمكن اختصار المشهد السوداني كله في هذه اللحظة البائسة. فالصحفي الذي أجرى الحوار مع البرهان لم يترك باباً للالتفاف أو التذاكي، بل خرج بتوضيح صريح ومدوٍّ يهدم رواية الإنكار من أساسها. أوضح أن المكالمة الهاتفية جرت بين هيئة تحرير صحيفة “ميدل إيست آي” والفريق أول عبد الفتاح البرهان، وأن عضواً من مكتب البرهان نفسه تولّى الترجمة طوال المحادثة. ثم لم يكتفوا بذلك، بل أعادوا إرسال التصريحات عبر المترجم ذاته إلى البرهان للتأكد من دقتها، وتلقوا موافقة واضحة عليها قبل النشر.
أي أن الأمر لم يكن تسريباً مجهول المصدر، ولا اجتهاداً صحفياً متسرعاً، ولا تركيباً خبيثاً للكلمات، بل تصريحات تم التحقق منها، ومراجعتها، والموافقة عليها من مكتب الرجل نفسه. ثم بعد أن اشتعلت ردود الفعل، وانفجرت دوائر الغضب والتناقضات، قرر البرهان فجأة أن يتراجع… لا لأن التصريحات غير صحيحة، بل لأن كلفتها السياسية أصبحت أعلى من احتماله. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. فالدول المحترمة لا تُدار بهذه الطريقة المرتبكة المرتعشة والجيوش لا تُقاد بعقلية “قل ثم أنكر”. ومصائر الشعوب لا يجوز أن تبقى رهينة مزاج سياسي متقلب يخشى كل صباح ما قاله بالأمس.
ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتباك إعلامي، بل صورة مكثفة لانهيار مركز القرار نفسه. رجل يقول شيئاً للخارج، ثم ينكره للداخل. يرسل رسائل متعددة ومتضاربة لكل الأطراف، ثم يندهش حين يفقد الناس الثقة في كل ما يصدر عنه. وهل بقي شيء لم يفقده السودانيون أصلاً؟ البلاد تحترق منذ أكثر من عامين، الملايين مشرّدون، الاقتصاد ينهار، المؤسسات تمزقت، العاصمة تحولت إلى خرائب، والسياسيون والعسكريون يتقاذفون الأكاذيب والبيانات والنفي والتبرؤ وكأن السودان لعبة علاقات عامة وليست وطناً ينزف. ثم يأتي الإنكار المتأخر ليضيف طبقة جديدة من العبث فوق هذا الركام الهائل. والأدهى من ذلك أن الصحفي نفسه قال بوضوح شديد؛ “إذا كان البرهان قد غيّر موقفه الآن، فهذه مسؤوليته وليست مسؤوليتنا… وهناك بالفعل أدلة على أن التصريحات أُعيد إرسالها للموافقة وتم تأكيد صحتها.” هذه الجملة وحدها تكفي لإحراج أي سلطة تحترم نفسها. لكن يبدو أننا لم نعد أمام سلطة تبحث عن الاحترام، بل أمام سلطة تبحث فقط عن النجاة اليومية من تناقضاتها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة في زمن الحرب ليس فقط السلاح، بل انهيار المصداقية. لأن الشعوب قد تتحمل الفقر، وتتحمل القصف، وتتحمل النزوح، لكنها حين تفقد الثقة الكاملة في خطاب حكامها، تصبح الدولة كلها مجرد هيكل فارغ يتآكل من الداخل. ولهذا فإن القضية لم تعد؛ هل قال البرهان التصريحات أم لا؟
القضية أصبحت؛ لماذا صار رأس الدولة السودانية عاجزاً حتى عن الوقوف بثبات خلف ما يقوله؟ ولماذا تحوّل المشهد السياسي إلى سلسلة متصلة من الإنكار، والتراجع، والتبرؤ، وكأن أحداً لا يريد تحمل مسؤولية أي كلمة أو أي قرار أو أي كارثة؟ فقد ضاعت البلاد بين البيانات المتناقضة، وضاع الشعب بين الجنرالات، وضاعت الحقيقة وسط هذا الضباب الكثيف من الخوف والارتباك والمناورات الرخيصة. وإذا كانت القيادة نفسها تخشى كلماتها بعد ساعات من قولها، فكيف يمكن لشعب كامل أن يطمئن إلى مستقبل يُصاغ بهذه الخفة القاتلة؟
khirawi@hotmail.com
