IbrahimA@missouri.edu
انعقد في الأسبوع الماضي بجوبا المكتب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان. وصدرت منه قرارات حول الفساد والعدالة استحقت التنويه بها. وبالطبع لم تنس الحركة روتتينها في مناكفة المؤتمر الوطني. فمثلاً رفض اجتماع الحركة الإحصاء السكاني الأخير "بعد دراسة متأنية" لنتائجه ليجد أن هناك "تجاوزات خطيرة في تلك النتائج وتوصل إلى أنها شائهة ومغلوطة إلى الحد الذي يفقدها أدنى درجة من المصداقية". كلام كبار كبار توسطته كلمة الشيوعيين سيئة الذكر "خطيرة" تقال في الصعب والهين. ومع ذلك لم يصدر من الحركة بياناً شافياً على بينة خبراء عن هذه التجاوزات. ومعلوم أن مفوض لجنة الإحصاء في الجنوب ليس من رأي الحركة في حدوث كل هذه التجاوزات. وما لم تضع الحركة هذه التجاوزات بمتناول السودانيين ليحكموا لها أو عليها سينتهي الناس إلى فراجة على صراع الديكة في حكومة الوحدة الوطنية. وليس اعتباطاً قول المغني: مكجن قعدة القاعدين سوا ويتشكلو.
جاء مكتب الحركة السياسي بما سيقطع دابر لعبة سياسية سخيفة دائرة في المفاضلة في الفساد. فتجد المؤتمر الوطني (وجريدة الإنتباهة) مثلاً لا يكل ولا يمل الحديث عن فساد الجنوب. وينسى نفسه. ومن الجهة الأخرى تجد معارضة الإنقاذ متى جاء ذكر فساد الجنوب قالت: وماذا عن فساد الإنقاذ؟ وصرنا بلا نظر جامع للفساد ولا موقفاً صارماً منه لأن دمه توزع بين القبيلتين الحاكمتين. ولذا اعجبني قول بيان مكتب الحركة السياسي بأنه لا يمكن تبرير الصمت عن الفساد سواء في الجنوب أو الشمال. فأبدى المكتب السياسي قلقه من تفشي الفساد على المستوى القومي ووجهه هيئته البرلمانية للكشف عن مواطنه وملاحقة المفسدين والمبادرة بسن التشريعات للحد منه. أما في الجنوب فقد طلب المكتب السياسي تنشيط مفوضية الفساد التي تشكلت في 2005 بمبادرة من السيد سلفا كير. وهذه مهام واقعية أخذتها الحركة الشعبية على عاتقها وسيتطلع الجمهور الذي براه الفساد إلى الحركة لتكون عند كلمتها.
أما من جهة العدالة فقد جاء بيان الحركة يتنبيه قوي عن إزدواجية المعايير في تطبيق القانون. بل في تطبيق قوانين لم تعد تنسجم مع الدستور الذي هو أبو القوانين. فالمحاكم التي تسرع في رد الاعتبار لشرطة النظام العام تتثاقل عن رد الاعتبار للنائب الأول لرئيس الجمهورية. فشكوى النائب ظلت أمام المحاكم لعامين دون جدوى. علاوة على تعرض غير المسلمين لأحكام حدية أو ذات منبت إسلامي بما يخرق التنوع القانوني الجزائي الذي كفله الدستور. ووفق المكتب اليساسي في مناشدة رئيس القضاء لإخضاع مدونة القانون القديمة وممارساتها لمراجعة جذرية يكون الدستور هو الأعلى وماعداه هو الأدنى. وهي مناشدة كبيرة والقضائية أهل لها. فالناس ينتظرون منها مبادرات منها لم تقع بعد لإعلاء الدستور في هذا المنعطف الهام في تاريخ البلد.
ولا يمكن المرور على دعوة الحركة لإحقاق الحق بدون مؤاخذتها هي نفسها لسجلها الضعيف في هذه الناحية. فالمضايقات التي يتعرض لها المؤتمر الوطني وحركة دكتور لام أكول الشعبية للتغيير وأحزاب جنوبية أخرى من الجيش الشعبي ومنتسبي الحركة قد فاضت به الصحف. وبلغ الحد بخروق العدالة في الجنوب أن قتلت مريم برنجي الزعيمة بالمؤتمر الوطني في ملابسات لم تنكشف بعد وإن لم تخل من ضغينة سياسية. ولولا نعي السيدة رباح الصادق لمريم لظننت أنه من عقيدة المعارضة الشمالية أن يقتل الإنقاذي حيث ثقفتموه. وهذا من إزدواجية المعايير التي جعلت الحق غريباً بيننا.
مهما كان من أمر البيان والواقع الجنوبي فالمهام التي وضعها مكتب الحركة السياسي في دورة إنعقاده الأخيرة لمست أوتار وطنية وستكون موالاتها في دوائر الحركة خدمة متميزة منها للوطن.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم