احتفالات الاستقلال.. واضطراب المفاهيم .. بقلم: إمام محمد إمام
22 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
23 زيارة
كانت احتفالات السودان بذكرى الاستقلال، تشكل فهماً جمعياً لكثيرٍ من السودانيين داخل السودان وخارجه إلى سنواتٍ خلت، وتحتشد هذه الذكرى بكثير تذكُّرٍ لجيل التضحيات، وترديد الأناشيد والأغنيات الوطنية التي تذكرنا بإسهامهم الفاعل قي تحقيق الاستقلال الوطني الذي بذل فيه جيل التضحيات الغالي والرخيص من أجل نيله. ولكن في السنوات القليلة الماضية بدأت تتخلخل هذه المعاني، ويحدث قدرٌ من الاضطراب في مفاهيم الاحتفالات بالاستقلال، وسنعرض بشيء من التفصيل في هذه العُجالة عن حيثيات هذا الاضطراب المفاهيمي لذكرى الاستقلال.
وأحسبُ أن ما كان يعتمل في صدور كثيرٍ من السودانيين داخل السودان وخارجه، أن الجامع بين السودانيين إلى وقت قريب هو ذكرى الاستقلال، على الرغم من اختلافاتهم الفكرية وخلفهم السياسي إلى درجة الاحتدام في غير عنفٍ قبل حدوث هذا الاضطراب المفاهيمي في الاستقلال نفسه في السنوات الأخيرة. وأذكر أننا باعتبارنا سودانيين مقيمين في بريطانيا، وفعل فينا الخلف السياسي أفاعليه في مطلع تسعينات القرن الماضي، فخشينا أن يُؤثر في مجتمعنا السوداني سلباً بعد مجيء الإنقاذ في 30 يونيو 1989. واجتمع نفرٌ منا، للتفاكر في كيفية احتواء الخلافات السياسية الطارئة آنذاك، خشية أن تعصف هذه الخلافات، موروثات علائق السودانيين في إطار الخلف السياسي والاختلاف الفكري، بصورة أثارت اندهاش الكثير من العرب والعجم في مشهد التناقضات السوداني، حيث يتعارك السودانيون سياسياً، بينما يتواددون اجتماعياً، فهم يشاهدون مانشستر وأرسنال، في ديار المهاجر، ويتناسون ما دون ذلك من خلافات، وكأنهم يشجعون في حماسةٍ مباراة بين الهلال والمريخ في ديار الوطن المهجور. ومن الغريب أنهم في توترات العلائق السياسية، يظل ترابطهم الاجتماعي إلى حين، ولكن لما تكاثر طالبو اللجوء من السودان بسبب مجيء الإنقاذ، في مطلع التسعينات التي شهدت هجرات كثير من اليساريين نتيجة المضاغطات السياسية، ثم انفلت الأمر، فبدأنا نستقبل مهاجري المضاغطات الاقتصادية والاجتماعية. وكانت اشتراطات اللجوء إلى بريطانيا في ذاك الوقت سهلة ميسرة للسودانيين إلى الدرجة التي بدأ بعضُ إخوتنا من دول الاستضعاف التي تدعي الجنسية السودانية، ليس حباً في السودان أو تقرباً إلى السودانيين، بل للحصول على حق اللجوء السياسي. ونجم عن هذه اللقاءات التفاكرية، التفكير الجاد في مناسبة احتفائية نجمع فيها أكبر عدد من السودانيين، وهدانا تفكيرنا إلى الاحتفال بالذكرى السابعة والثلاثين للاستقلال في مطلع تسعينات القرن الماضي، وبالفعل نجحت الفكرة وتقاطر إلى الاحتفال كثيرٌ من السودانيين، في تجمعٍ فريدٍ، طورناه إلى إنشاء المجلس القومي السوداني في المملكة المتحدة برئاسة الشيخ الدكتور إبراهيم الطيب الريح، رجل البر والإحسان، ونوابه كابتن النور زروق والفريق جوزيف لاغو، والأستاذ أحمد إبراهيم دريج، وكوكبة من شباب السودانيين في بريطانيا. أردت بذلك أن أقول إن احتفائية الاستقلال كانت محل إجماع وفاقي بين السودانيين قبل أن تضطرب المفاهيم عن الاستقلال نفسه.
أخلصُ إلى أن الحكومة، ولائية واتحادية، ينبغي أن تدع كيفية الاحتفالات إلى منظومات غير حكومية تنظم احتفالات الاستقلال وتدعمها الحكومة – ولائية واتحادية – بتيسير الأمر عليهم من خلال الدعم المادي والمعنوي، إضافة إلى معينات إنجاح هذه الاحتفالات في ولاية الخرطوم والولايات الأخرى، لتصحح بعض المفاعيم المضطربة التي شابت الاستقلال نفسه.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.
وقول الشاعر العربي، أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُـدتَ يـا عيدُ بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ
=====
/////