احتفال الرجل الواحد: أبو عركي البخيت يعيد المعنى للمسرح القومي

aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

بالأمس، استوقفني مقطع فيديو متداول على الوسائط يوثّق لحظة استثنائية في مسيرة الفنان السوداني أبو عركي البخيت، وهو يحتفل بعيد الاستقلال من فوق خشبة مسرح أم درمان القومي. غير أنّ المشهد هذه المرة كان مختلفًا، بل صادمًا في رمزيته: مسرحٌ أصابه الدمار بفعل الحرب، خالٍ من الجمهور، صامت، بلا فرقة موسيقية ولا أضواء احتفال… سوى رجل واحد، وصوت واحد، وموقف كامل.

دخل أبو عركي المسرح وحيدًا، وبحبٍّ وإصرار اعتلى الخشبة، وغنّى كما اعتاد دائمًا بصوته الطروب الشجي، من دون فرقة موسيقية، مستهلًا “احتفال الرجل الواحد” بأغنية «واحشني»:

واحشني يا الخليت ملامحك
في حياتي
واحشني يا الرسيت مراسيك
جوة ذاتي
إلا باكر لما ترجع
أنا بحكي ليك عن الحصل
وعن بعد المسافة وقربها

وبعد الفاصل الغنائي، خاطب جماهيره الغائبة الحاضرة في المعنى، قائلاً ببساطته المعهودة:
«الحمد لله على كل حال… زمان قبل ثلاثة أو أربعة سنين كنت بجي أقيف في المسرح ده وأغني لحبيبتي لأنها سافرت، لكن الليلة الموقف اتغيّر خالص. أنا الليلة بغني (واحشني) عشان الناس السودانيين كلهم يرجعوا لسودانهم، يرجعوا يعمّروه، ويرجع السودان زي زمان، زي ما كان. نسيب أي شي، أي أسباب حصلت، المهم السودان يرجع. عندي حنين ليوم ده… يوم عيد الاستقلال».

ثم واصل فقرته الغنائية، وقدّم للجمهور الغائب أغنية الوطن والوصية:

جدودنا زمان وصّونا على الوطن
على التراب الغالي الما ليه تمن
نحن حافظين للوصية
جوّه في قلوبنا الوفية
ذكراهم بتلهمنا
وتشجّعنا بعزيمة قوية

بعد ذلك، توقّف أبو عركي ليحدّث عن المسرح نفسه، فقال:
«المسرح ده كان بوتقة لكل أنواع الفنون في البلد، بالتعدد الفيهو… مسرح، دراما، مسرحيات. كان بيجوا فنانين أجانب كتار، أصدقاء… أنا في الستينات قعدت مع مريم ماكيبا، ومع لويس أرمسترونغ، وقعدت مع فريد الأطرش. بتمنى المسرح ده يرجع بكل عنفوانه، وبتمنى السودان يرجع زي ما كان».

من خلال هذا الفيديو، بدا واضحًا أن أبا عركي لم يكن يغنّي فحسب، بل كان يقرع أجراس العودة إلى السودان كله، وإلى أم درمان على وجه الخصوص. إنها دعوة صريحة، رمزية، موجّهة للرسميين والشعبيين، وللفنانين والجمهور، كي يهبّوا من أجل عودة مسرح أم درمان القومي، وعودة لياليه، وعودة روحه.

فمسرح أم درمان القومي، الذي شُيّد عام 1959م، بعد فترة وجيزة من استقلال السودان، لم يكن مجرد مبنى، بل كان جزءًا أصيلًا من المشروع الثقافي الوطني، ومن عملية بناء الهوية السودانية بعد الاستعمار. وعلى خشبته، أُتيح لأجيالنا أن تشاهد أعمالًا مسرحية خالدة مثل خطوبة سهير للفاضل سعيد، ونبته حبيبتي لعلي مهدي، والجرح والغرنوق لمكي سنادة، إلى جانب ليالٍ غنائية لا تُنسى لعمالقة الفن السوداني، في مقدمتهم محمد وردي، وعثمان حسين، وصلاح بن البادية، وغيرهم. وقد كان آخر حفل غنائي لأبو عركي البخيت على هذه الخشبة في الأول من يناير 2023م.

لم يكن صعود أبو عركي البخيت إلى خشبة مسرح أم درمان القومي حدثًا فنيًا عابرًا، ولا محطة عادية في مسيرته، بل لحظة رمزية كثيفة الدلالات، التقت فيها الأغنية بالموقف، والصوت بالوعي، والفن بالفعل الثقافي. فقد دخل هذا الفضاء لا بوصفه مغنّيًا فقط، بل حاملًا لمشروع فني–إنساني ينحاز للإنسان، وللكادحين، وللحرية، ويتحرر من القوالب الجاهزة ومن منطق السوق.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يحتفل أبو عركي هذا العام، وحيدًا، بعيد الاستقلال من فوق خشبة المسرح القومي. فمكانه الطبيعي كان دائمًا هناك؛ حيث تُغنّى الأغنية بوصفها موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون متعة سمعية.

واليوم، يمكن القول إن أبا عركي البخيت لم يقف على خشبة مسرح أم درمان القومي ليغنّي فقط، بل ليؤكد أن الفن قادر على حمل همّ المجتمع ومخاطبة ضميره. لقد صعد إليها وحيدًا في عيد الاستقلال، فارتفع المسرح به، وارتفع هو بالمسرح، في لحظة نادرة التقى فيها الصوت بالموقف، والجمال بالمعنى.

عن امين الجاك عامر

امين الجاك عامر

شاهد أيضاً

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم: امين الجاك عامر المحاميaminoo.1961@gamil.com قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية …