علاء خيراوي
تضاربت الأنباء بشأن انسحاب وزير خارجية حكومة بورتسودان من جلسة مجلس حقوق الإنسان في جنيف؛ فقد تداولت منصات سودانية خبر الانسحاب، بينما نفت مصادر اخرى وقوعه. لكن المؤكد أن الحكومة جددت رفضها للجنة تقصي الحقائق، وأن الجلسة شهدت انتقادات وتحذيرات أممية حادة بشأن الانتهاكات في السودان، خصوصًا حول الأبيض وكردفان. وقد عزى بعض المراقبين الانسحاب على انه رسالة احتجاج عقب كلمة رئيس بعثة تقصي الحقائق، التي عرضت نتائج أولية تتهم القوات المسلحة السودانية، إلى جانب أطراف أخرى في النزاع، بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين استنادًا إلى ما قالت إنه أدلة وشهادات ومعلومات جُمعت خلال التحقيقات، مشيرين الي ان الانسحاب يعد أحدث حلقات المواجهة بين حكومة بورتسودان وبعثة تقصي الحقائق، إذ تواصل الحكومة رفضها لولاية اللجنة وتعتبرها منحازة وتتدخل في الشأن السوداني، بينما ترى الأمم المتحدة أن البعثة أُنشئت لتوثيق الانتهاكات ومساءلة جميع أطراف النزاع، دون استثناء.
ويطرح هذا التطور سؤالًا سياسيًا وقانونيًا بالغ الأهمية؛ إذا كانت حكومة بورتسودان ترى أن خصومها هم المسؤولون عن الجرائم والانتهاكات، فلماذا تختار مقاطعة لجنة تقول إن مهمتها هي البحث عن الحقيقة، بدلًا من مواجهة ما يرد في تقاريرها بالأدلة والدفوع القانونية؟ فهذا السؤال، أكثر من مشهد الانسحاب نفسه، هو ما سيظل حاضرًا في أذهان المراقبين داخل السودان وخارجه. ليس من السهل أن ينسحب وزير خارجية دولة من جلسة رسمية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، تاركًا مقعد بلاده شاغرًا قبل انتهاء النقاش. فالدبلوماسية تُبنى على الحضور، وعلى الدفاع عن المواقف بالحجة، لا بالانسحاب. لذلك فإن المشهد الذي رافق مغادرة وفد حكومة بورتسودان جلسة مجلس حقوق الإنسان، إذا صحّت تفاصيله كما تداولتها وسائل الإعلام، يثير سؤالًا مشروعًا؛ لماذا ترفض الحكومة مجرد الاستماع إلى لجنة تقصي الحقائق، ولماذا تتعامل معها باعتبارها خطرًا يجب مقاطعته؟
إذا كانت حكومة معركة “الكرامة”واثقة من براءة مؤسساتها، وإذا كانت مقتنعة بأن الطرف الآخر هو وحده من ارتكب الفظائع، فإن المنطق السياسي والقانوني يقتضي الترحيب بأي لجنة مستقلة تستطيع توثيق تلك الجرائم وإثباتها أمام العالم. أما الهروب من المنصة، ورفض التعاون، وإعلان عدم الاعتراف بالبعثة قبل أن تكتمل أعمالها، فإنه يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلاتنا المشروعة، ويمنحنا نحن، خصوم الحكومة مادة سياسية مجانية كنا سنجد صعوبة في الحصول عليها.
لقد أثبتت تجارب العالم أن لجان تقصي الحقائق ليست محاكم تصدر الأحكام، وإنما أدوات لجمع الأدلة، والاستماع إلى الضحايا، وتوثيق الوقائع، وحفظها إلى أن تأتي مرحلة المساءلة. ومن يثق في سلامة موقفه لا يخشى جمع الأدلة، بل يطالب به، لأنه يعتقد أنها ستبرئه وتدين خصومه. المفارقة أن حكومة بورتسودان تكرر في كل المحافل الدولية أنها تخوض حربًا دفاعًا عن الشعب السوداني، وأن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تقدم كل ما لديها للجنة؟ ولماذا لا تضع بين يديها الوثائق والشهود والأدلة التي تثبت روايتها؟ أليس ذلك هو الطريق الأقصر لإدانة خصومها أمام المجتمع الدولي؟ إن رفض لجنة تقصي الحقائق لا يلغي وجودها، كما أن مقاطعة جلساتها لا توقف عملها. فاللجنة ستواصل جمع المعلومات من الضحايا والشهود والمنظمات الإنسانية والصور والأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة، سواء حضرت الحكومة أم غابت. والنتيجة أن الحكومة تخسر فرصة الدفاع عن روايتها، بينما تستمر اللجنة في عملها اعتمادًا على مصادر أخرى.
وفي السياسة، لا تُقرأ الرسائل بما تقوله الحكومات فقط، وإنما بما تفعله أيضًا. والانسحاب من جلسة حقوقية بهذا الحجم يبعث برسالة سلبية إلى العالم، مفادها أن السلطة لا تريد الانخراط في آلية رقابية مستقلة. وهذه الرسالة، سواء كانت عادلة أو ظالمة، ستكون لها آثارها على صورة السودان، وعلى علاقاته الدولية، وعلى مستقبل أي جهود لرفع العقوبات أو استعادة الثقة الدولية.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من العزلة، بل إلى أقصى درجات الشفافية. فالبلاد أنهكتها الحرب، ومزقتها الانتهاكات، وأصبح الضحايا يستحقون الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة، ويستحقون العدالة، لا البيانات السياسية.
قد تختلف الحكومات مع الأمم المتحدة، وقد تعترض على تشكيل اللجان أو منهجيتها، وهذا حق مشروع. لكن الاعتراض الحقيقي يكون بتفنيد الأدلة، وتقديم الأدلة المضادة، والمشاركة في الإجراءات، لا بترك القاعة والانسحاب منها. ويبقى السؤال الذي سيظل يلاحق حكومة بورتسودان؛ إذا كانت واثقة من روايتها، فلماذا تخشى لجنة مهمتها الأساسية هي البحث عن الحقيقة التي لا يخشاها إلا من يخشى أن تكشف ما حاول إخفاءه، أما الواثق من عدالة موقفه، فإنه يجعل من كل تحقيق مستقل فرصة لإثبات براءته، لا مناسبة للهروب من مواجهته.
وفي نهاية المطاف، فإن الانسحاب من قاعة مجلس حقوق الإنسان لن يغيّر شيئًا من حقائق هذه الحرب، ولن يبدّل نظرة المجتمع الدولي إليها. فمنذ أن رُفضت المبادرات التي كان يمكن أن تفتح بابًا لوقف إطلاق النار، وأُخضعت فرص السلام لشروط وحسابات سياسية، تآكلت تدريجيًا الرواية التي تصوّر الحرب باعتبارها حربًا وطنية خالصة للدفاع عن السودان. وإذا كان الجيش قد بقي بمنأى عن نفوذ الإسلاميين وحساباتهم، لربما انتهت هذه المأساة في أشهرها الأولى، ولتقدّمت مصلحة الوطن والمواطن على مصالح من يسعون إلى استعادة السلطة عبر استمرار القتال. واليوم، تأتي لجنة تقصي الحقائق استجابةً لحجم الكارثة الإنسانية، وللتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، ولتوثيق مسؤولية كل من أسهم في إطالة أمد الحرب أو ارتكب فظائع بحق المدنيين.
لماذا كل هذا الرعب من لجنة تقصي حقائق محايدة؟ إذا كانت حكومة بورتسودان مقتنعة بأنها تدافع عن الوطن، وأن سجلها نظيف، وأن خصومها هم وحدهم من ارتكبوا الجرائم، فلماذا ترتعد من لجنة مستقلة لا تحمل سلاحًا، ولا تفرض عقوبات، ولا تصدر أحكامًا، وإنما تبحث عن الحقيقة وتوثق الوقائع؟ ما الذي تخشونه تحديدًا؟ هل تخشون الشهود؟ أم الوثائق؟ أم صور الأقمار الصناعية؟ أم شهادات الضحايا؟ أم أنكم تخشون الحقيقة نفسها؟ إن من يثق في براءته لا ينسحب من قاعة التحقيق، بل يدخلها مرفوع الرأس، ويضع أدلته أمام العالم. أما الهروب من المساءلة، فلا يبدد الشبهات، بل يضاعفها، ولا يحمي السمعة، بل يهزها.
ويبقى السؤال الاهم؛ والذي سيظل يلاحقكم أمام السودانيين وأمام التاريخ؛ ماذا فعلتم بهذا الشعب حتى أصبح مجرد وجود لجنة تقصي حقائق محايدة يثير كل هذا القلق وكل هذا الغضب؟ لقد دفع السودانيون مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح ومفقود ونازح ولاجئ، ودُمِّرت مدن بأكملها، وتحولت حياة الملايين إلى مأساة إنسانية. ومن حق هؤلاء جميعًا أن يعرفوا الحقيقة كاملة، وأن تُحدد المسؤوليات وفق الأدلة، لا وفق الشعارات. فالعدالة لا تخيف الأبرياء… وإنما يخشاها كل من يخشى أن تكتب الحقيقة اسمه في الصفحة الخطأ من تاريخ السودان.
khirawi@hotmail.com
