العربي الجديد: ضربت موجة من الارتفاعات أسعار السلع الأساسية في السودان، وقفزت بصورة كبيرة وسط شكاوى المواطنين من الزيادات المتلاحقة التي أثقلت كاهل الأسر، مع ارتفاع بعض المنتجات بنسب كبيرة وصلت إلى نحو 30% خلال شهر واحد، فيما تجاوزت أسعار بعضها الأخرى نحو 50%، ما أدى إلى ركود في حركتي البيع والشراء.
وفي حديثه لـ”العربي الجديد”، يرجع رئيس الغرفة القومية للمستوردين، هاشم أبو الفاضل، الأزمة إلى الزيادات العالمية، بسبب حرب الشرق الأوسط وارتفاع فاتورة النقل الداخلي. ويوضح أنه مع تفاقم الأزمة عالمياً جربت الحكومة السودانية كل الطرق للسيطرة على سعر العملة؛ فحظرت 46 سلعة، وباءت محاولاتها بالفشل، إلى جانب دخولها في استيراد المواد البترولية مع زيادات مطردة في أسعار الدولار مقابل الجنيه السوداني، أضف إلى ذلك أن المواطن فقد دخله ومدخراته، لأن أغلب رؤوس الأموال نهبت، ودُمّرت المصانع، وتوقف الإنتاج، ومع ذلك تفرض الحكومة جبايات وتضع معوقات في وقت هجر فيه البلاد أصحاب الخبرات والمهارات، الأمر الذي تسبب في تباطؤ عملية النمو.
ووفق رئيس الغرفة القومية للمستوردين فإنّ الوصفة الوحيدة لكبح جماح ارتفاع الأسعار هي التوجه نحو الإنتاج وزيادة الإنتاجية، لكن حتى هذه المهمة تبدو صعبة في ظل التخوف من استمرار الحرب، الأمر الذي يبطئ العملية الاستثمارية في السودان. ورغم ذلك، لا يتوقع أبو الفاضل أن تتدخل الحكومة في إيجاد حلول؛ لأنها، بحسب وصفه، جربت كل الممكن ولم تصل إلى نتيجة تخفف الأزمة عن المواطنين.
وقال إنه من الصعب إقناع رجال المال والأعمال أو أي مستثمر بالدخول في عمليات استثمارية أو تجارية كبيرة في ظل الوضع الراهن، بخاصة أن الحرب رفعت تكاليف الشحن نتيجة للمخاطر، حيث وصل سعر شحن حاوية السلع إلى 10 آلاف دولار، بدلاً من 4 آلاف دولار في السابق، مع زيادات كبيرة في أسعار المواد الخام، مما يعني أن الأزمة عالمية، لكن يتأثر بها المواطن بشكل مباشر.
ويؤكد خبراء أن تحرير سعر الصرف في بيئة اقتصاد حرب، بلا إجراءات مصاحبة لضبط السوق الموازية أو دعم الإنتاج، يترجم مباشرة إلى تضخم مستورد (فعلي) وتضخم توقعات (سلوك المستهلك) معاً، وهو ما نشهده الآن، في وقت قررت فيه وزارة التجارة أنها ستعكف على تقييم قرار حظر استيراد السلع ودراسة نتائجه الإيجابية والسلبية.
وبالرغم من البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي في يوليو/تموز الماضي، التي تبين تراجع معدل التضخم السنوي إلى نحو 41.61% مقارنة بـ51.28%، فإن ذلك الانخفاض لم يوقف ارتفاع الأسعار وفقاً للإحصاء نفسه؛ إذ صعد الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك إلى 718.930 نقطة في يوليو/ تموز، مقابل 708.510 نقطة خلال يونيو/ حزيران، مسجلاً زيادة شهرية بلغت 1.47%.
ويعتمد الجهاز المركزي للإحصاء في احتساب معدل التضخم على سلة تضم 663 سلعة، تمثل أنماط استهلاك مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية في المناطق الحضرية والريفية، وتندرج هذه السلع تحت 12 مجموعة، تأتي الأغذية والمشروبات في مقدمتها. وتستحوذ الأغذية والمشروبات على النسبة الأكبر من إنفاق السودانيين، إذ تمثل 52.89% من دخلهم، فيما يذهب 14.17% إلى السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، مقابل 8.34% لمجموعة النقل، وفق بيانات رسمية.
ويأتي تراجع التضخم السنوي في وقت لا تزال فيه الأسر السودانية تواجه ارتفاعاً في تكاليف المعيشة على أرض الواقع، خصوصاً مع فقدان غالبية السكان مصادر دخلهم وسبل عيشهم بفعل النزاع العسكري المستمر، إلى جانب تراجع فرص العمل، واتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والأنشطة التجارية والزراعية.
يقول مواطنون وتجار إن حالة عدم استقرار الأسعار باتت واضحة داخل الأسواق، حيث تختلف قيمة السلعة الواحدة بين متجر وآخر، كما تتغير الأسعار بصورة مستمرة من يوم إلى آخر، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على حركة البيع والشراء.
ورصدت “العربي الجديد” أسعار بعض السلع في الأسواق؛ حيث بلغ سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً 265 ألف جنيه، وجوال العدس زنة 20 كيلوغراماً 225 ألف جنيه، وجوال دقيق الذرة 75 ألف جنيه. فيما بلغ سعر جوال الأرز زنة 20 كيلوغراماً 185 ألف جنيه. وتأتي هذه الارتفاعات في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية متزايدة، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على الأسواق، والحد من الزيادات غير المبررة في أسعار السلع الأساسية.
ويقول صاحب محل بقالة بأم درمان، عبد الله عبد الرحمن، إن الأسعار في الأسواق ترتفع يومياً، وتأثير ما يحدث ليس على المواطنين فحسب بل يمتد حتى إلى التجار؛ إذ كلما ارتفعت الأسعار توقفت حركة البيع وأصبحنا نسجل خسارة يومية ونأكل من رأس مالنا، ما استدعى إغلاق بعض التجار متاجرهم لأن حركة البيع لا تغطي تكلفة تشغيل المحل، إضافة إلى ارتفاع الإيجارات والرسوم وغيرها. وأضاف عبد الرحمن أن ما يحدث غير طبيعي، فالأسعار ترتفع بمعدلات مستمرة ويومياً ولأسباب مختلفة، دون أي محاولات حكومية لكبح جماحها”.
انفلات الأسعار يرجعه بعض التجار إلى ارتفاع سعر الدولار، فيما يرجعه مختصون إلى نفاد مخزون السلع، وتعطّل الإنتاج والواردات، واستمرار الحرب والحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على عدد من المدن والقرى، خاصة تلك التي تمتلك مخزوناً من الإنتاج الزراعي.
من جانبه، يرى المصرفي وليد دليل، أن منشور بنك السودان المركزي رقم 16/2026، الصادر في 24 أغسطس/آب، الذي ألغى الضوابط السابقة، ومنح المصارف حرية تعديل سعر الصرف خلال اليوم دون سقف، ظهرت نتيجته خلال أيام؛ إذ هوت العملة إلى حدود 6400 جنيه مقابل الدولار، مؤكداً أنّ هذا أثر مباشر لإزالة القيد السعري الذي كان يكبح الانزلاق. ويوضح دليل أن ارتفاع أسعار السلع ذات المنشأ المحلي يعود إلى عدة أسباب، منها المدخلات المستوردة وتكلفة النقل والتوزيع.
