الجريدة هذا الصباح
التحرك في نيروبي يثبت أن القوى المدنية ليست هامشاً يمكن تجاوزه، بل كتلة سياسية قادرة على الاجتماع وصياغة موقف موحد، وهو ما يربك أي مشروع إقليمي يسعى لتقديم الأطراف المسلحة باعتبارها “البديل الوحيد”.
أطياف
صباح محمد الحسن
ارتكاز سياسي
طيف أول:
أكثر الطرق مشقة هي تلك التي يقطعها الإنسان عائداً إلى نفسه!
ولا شك أن وصول وفود من القوى المدنية إلى نيروبي، من القيادات السياسية والمدنية المشاركة في الاجتماعات التي سبقتها، والتي وقّعت في 16 ديسمبر الماضي بالعاصمة الكينية نيروبي على وثيقة حملت اسم “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد”، شكّل خطوة أولى نحو تقارب جمع غالبية القوى السودانية المناهضة للحرب.
وقد وصلت الوفود إلى نيروبي أمس، ومن ابرزهم رئيس مجلس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود” د. عبد الله حمدوك، ورئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، وعدد من قيادات الأحزاب.
ولا شك أن هذه الخطوة ليست مجرد اجتماع، بل تحوّل في ميزان الشرعية، إذ تمثل خطوة مهمة للغاية في هذا التوقيت تحديداً، وتأتي في لحظة يتكثّف فيها التربص الإقليمي ومحاولات بعض القوى الخارجية لإعادة تشكيل المشهد السوداني بطريقة سعت مؤخراً إلى التقليل من صوت القوى المدنية والرفع من شأن الأطراف المسلحة أو القوى الداعمة لاستمرار الحرب.
إن التحرك في نيروبي يرسل رسالة مضادة لهذا التوجه، ويعيد ترتيب ميزان القوى الرمزي والسياسي. كما أن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في أنها تكشف أن المدنيين ما زالوا موجودين وقادرين على الفعل، وتثبت أن القوى المدنية ليست هامشاً يمكن تجاوزه، بل كتلة سياسية قادرة على صياغة موقف موحد، وهو ما يربك أي مشروع إقليمي يسعى لتقديم الأطراف المسلحة باعتبارها “البديل الوحيد”. ويعزز الحضور المدني الفاعل في لحظة كان يُراد فيها إقصاؤه.فبعض القوى الإقليمية كانت تراهن على أن القوى المدنية قد انقسمت أو فقدت تأثيرها، لكن اجتماع هذا الطيف الواسع يثبت العكس: أن المدنيين قادرون على توحيد صفوفهم، وأنهم يمتلكون مشروعاً واضحاً لوقف الحرب، وأنهم ليسوا مجرد أصوات معزولة، بل كتلة سياسية لها وزن. وهذا وحده يجهض أي مشروع إقليمي يسعى لتهميشهم.
القوى الإقليمية التي تستفيد من استمرار الحرب أو من تفتيت السودان ستجد نفسها أمام جبهة مدنية عريضة، تشكل نقطة ارتكاز سياسي وحاجزاً أخلاقياً أمام أي محاولة لفرض حلول جزئية أو مناطق نفوذ. فالتربص الإقليمي غالباً ما يستغل تشتت المدنيين لتمرير أجنداته، لكن عندما يظهر المدنيون في صورة جبهة واحدة يصبح من الصعب تجاوزهم أو تجاهلهم، وهو ما يعزز فكرة وجود شريك مدني موحد يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه بجدية.
وعندما تتوحد القوى المدنية خلف شعار “لا للحرب”، يصبح من الصعب على أي طرف إقليمي أن يدعم استمرار القتال دون أن يظهر وكأنه يقف ضد الإرادة الشعبية السودانية. وهذا يخلق ضغطاً سياسياً وأخلاقياً على الأطراف المتربصة، ويعزز الشرعية المدنية في مواجهة محاولات بعض القوى الإقليمية التي تسعى لتشكيل مستقبل السودان عبر دعم أطراف معينة أو فرض مسارات سياسية تتجاوز المدنيين، وهو ما يحدّ من قدرة أي طرف خارجي على فرض ترتيبات أحادية.
إن إعلان المبادئ، والحديث عن هدنة إنسانية، والضغط على طرفي الحرب، كلها خطوات تُظهر أن المدنيين ليسوا مجرد “معارضين للحرب”، بل أصحاب رؤية وشركاء في عملية الحل، وهو ما يعزز المسار السياسي المدني كبديل حقيقي للحرب. كما أن الخطوة تخلق توازناً أمام النفوذ الإقليمي في لحظة تتصارع فيها أجندات متعددة، لتؤكد أن السودان ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل وطناً له قواه المدنية القادرة على تحديد مستقبله.
كما أن التحرك يرسل للمجتمع الدولي رسالة بأن القوى المدنية السودانية ليست مشتتة أو ضعيفة، بل قادرة على الاجتماع وصياغة موقف موحد، وهو ما يعزز فكرة وجود كتلة مدنية شرعية يمكن التعامل معها في أي مسار سياسي.
ولكن كيف تتحول اجتماعات نيروبي من مجرد ظهور سياسي إلى فعل سياسي؟ هذه الاجتماعات يجب أن تكون نقطة انطلاق لإنشاء آلية متابعة مشتركة، تراقب تنفيذ ما اتُّفق عليه، وتصدر بيانات موحدة، وتتواصل مع المجتمع الدولي، وتعمل بجهد عاجل على صياغة موقف سياسي موحد تجاه الحرب. فالمطلوب ليس فقط شعار “لا للحرب”، بل موقف سياسي يحدد شروط وقف إطلاق النار، ويرسم ملامح العملية السياسية، ويحدد كيفية التعامل مع الأطراف المسلحة، ويقدم رؤية واضحة للانتقال المدني، ويعمل أيضاً على بناء جبهة إعلامية موحدة.
ومع ذلك، يجب أن تكون هذه الاجتماعات نقطة تحول لانتقال القوى المدنية من دائرة رد الفعل إلى الفعل، وذلك لا يتم إلا بطرح مبادرات وتقديم حلول وبحث سبل واضحة للضغط على طرفي الصراع، حتى تتحول القوى المدنية من “قوة احتجاج” إلى قوة قيادة. وبهذا تصنع الفارق بين اجتماع يُنسى واجتماع يصنع أثراً.
طيف أخير:
لاللحرب
وطنواحد
تمسك جبريل إبراهيم باتفاق جوبا وتلويحه بالحرب حال تم إلغاؤه هو استثمار لحالة السيولة السياسية لتثبيت موقعه ومصالحه، لكن هذه المرة ستكون الحكومة تحت تهديد السلاح!
