استهداف أمناء السلم: لماذا يجب حماية الإدارات الأهلية في السودان؟

جريمة في حضرة السلام:

حين تُستهدف الحكمة والقانون الموروث بالقصف والدم، لا تُستباح الأرواح فقط، بل يُقصف معها قلب المجتمع وتُصادر ذاكرته الجماعية. في مدينة المزروب بشمال كردفان، كان ناظرٌ وعدد من الشيوخ يستعدون لبدء جلسة صلح، يخففون بها جراح الناس، ويطفئون نار الفتن، ويحملون على عاتقهم أمانة تهدئة النفوس، لا بالسلاح، بل بالكلمة الطيبة والحكمة التي تُنقل كما تنتقل الدماء في العروق، من جيل إلى جيل.

كانت دفاترهم ممتلئة بأسماء ومقترحات ومسارات للسلم المجتمعي والطمأنينة للناس. لكن الحرب هبطت عليهم من سماءٍ غادرة بطائرة مسيّرة أنهت الاجتماع، وبدّدت الهدوء، ورفعت أرواحهم الطاهرة وهم في مقام السعي للخير. لم يُقتل الناظر والشيوخ كأفراد، بل استُهدفت فيهم فكرة السلام، واستُهدفت وظيفة اجتماعية هي من أنبل ما حملته هذه البلاد: وظيفة الإصلاح بين الناس.

من التاريخ إلى الحاضر: جذور الإدارات الأهلية:

لفهم عمق الفاجعة، لا بد من العودة إلى جذور الإدارات الأهلية في السودان. فهذه الهياكل ليست صناعة حديثة، بل ثمرة قرون من التنظيم الاجتماعي الذي يحفظ التوازن بين الدولة والمجتمع. كان الشيوخ والنظار حلقة الوصل بين المواطن والسلطة، وحَمَلة أعراف محلية قادرة على فض النزاعات، وتنظيم الموارد والمراعي، وضبط العلاقات بين المجموعات المختلفة.

وحين أتى الحكم البريطاني، أُسندت إليهم صلاحيات إدارية رسمية، فصاروا جزءًا من النظام العام، مع المحافظة على تقاليدهم الراسخة. وبعد الاستقلال، بقيت الإدارات الأهلية عمادًا للاستقرار، خاصة حيث تضعف يد الدولة وتغيب مؤسساتها، فكانوا بمثابة “الجهة التي لا يُختلف على حكمها”، يحتكم إليها الناس طوعًا وثقة.

التسييس وصراع الولاءات: حين اهتزّ الجسر الذي يربط الناس بالدولة:
لم يكن تراجع دور الإدارات الأهلية وليد اللحظة، ولا من صنع نظام واحد. فمع أن هذه المؤسسة ظلّت قرونًا تُدير حياة الناس بالحكمة والتقليد الراسخ، فإن أول معول لهدم بنيانها كان في العهد المايوي عندما أصدر جعفر النميري قرارًا بحلّ الإدارات الأهلية، مُسقطًا بذلك إحدى أهم ركائز الضبط الاجتماعي في الريف السوداني. لم يلبث النظام ـ بعد أن تلمّس حجم الفراغ الذي خلّفه القرار في حياة المجتمعات ـ أن أعاد إحياءها مُكرهًا لا بطلًا، لكن الشروخ الأولى كانت قد ظهرت بالفعل.

ثم جاءت سنوات الإنقاذ لتُحدث الضربة الأعمق. فقد جرى تسييس الإدارة الأهلية بصورة ممنهجة، وأُجبر كثير من النظار والعمد والشيوخ على الانحياز لسلطةٍ أرادتهم أدوات تعبئة وخطاب، لا حَكَمًا بين الناس ولا خزانة للحكمة. تحوّل بعضهم ـ تحت الضغط أو البحث عن البقاء ـ إلى جزء من منظومة سياسية عابرة، ففقدت المؤسسة حيادها التاريخي، وتراجع حضورها في نفوس الناس، وانكمش تأثيرها في لحظة كان السودان أحوج ما يكون فيها إلى صوتٍ محايد يطفئ الفتن ويُرمم الشروخ.

هكذا، وبفعل قرارات متعجلة وسياسات مسيّسة، وجد السودان نفسه وقد فرّط في واحدة من أهم أدوات السلم الأهلي.

لماذا يُستهدف حُمَاة السلام؟

لأن الأطراف المتحاربة تعلم أن الإدارة الأهلية تمسك بخيوط المجتمع، وتحرك القلوب قبل الأجساد. ولذلك يأتي استهدافها لتحقيق ثلاثة أهداف خطيرة:

  1. كسر إرادة المجتمع: بإسقاط الحكمة التي تُطفئ نيران الثأر والعصبية.
  2. فرض السيطرة بالقوة: عبر إخلاء الساحة من القيادات التقليدية المستقلة، واستبدالها بسلطات مُدجَّنة تُفرِّق المجتمع ولا تمتلك القدرة على الحلّ والعقد.
  3. تفكيك ذاكرة البلاد: عبر تدمير النظام القيمي الذي يجعل الحوار أول الحلول لا آخرها.

إن ضرب الإدارات الأهلية يعني دفع المجتمع إلى الفوضى والاحتراب، والعودة إلى “منطق الغابة” بدل “منطق الحكمة”.

حُماة السلام بين نيران الحرب ووعد الطمأنينة:

ورغم ما يتعرض له هؤلاء الزعماء من استهداف ممنهج، فإن وجودهم ما زال يشكّل آخر خطوط الدفاع عن السلم الأهلي. فهم يعرفون الأرض وأهلها، ويملكون مفاتيح التهدئة، ويجيدون مخاطبة النفوس بلغة بسيطة لا يعرفها السياسيون ولا يقترب منها حملة السلاح.

إنهم الضامنون لوحدة المجتمعات، والقادرون على منع التصعيد، وعلى جمع الناس حين تختلف مصالحهم، وحماية الضعفاء، وتهدئة الخواطر في زمنٍ أصبح الحديث فيه عن السلام شبهة تهدد حياة صاحبها.

وإذا كانت القوانين الدولية تحمي الطواقم الطبية والعاملين في المجال الإنساني، فمن بابٍ أولى أن تُصاغ قوانين تحمي الإدارات الأهلية بوصفها مؤسسات محايدة، هدفها الأسمى حماية الأرواح وإطفاء نيران العنف.

نحو تطوير الإدارة الأهلية: إصلاح يليق بدورها الوطني ومع أهمية دورها، فإن نظام الإدارة الأهلية يحتاج إلى تطوير يواكب متغيرات العصر، دون أن يفقد جوهره. ومن أبرز الإصلاحات الضرورية:

· فك الارتباط القبلي للمناصب وربطها بالمناطق الجغرافية لضمان عدالة التمثيل ونبذ العصبيات بكافة أشكالها.

· تعزيز الحماية القانونية للزعماء الأهليين في أوقات النزاع، واعتبارهم جهات محايدة ذات وضع خاص.

· دمج الحكمة التقليدية بآليات حل النزاعات الحديثة، والاستفادة من تجارب الدول ذات التعددية القبلية الناجحة.

العودة إلى جوهر الإدارة الأهلية الأصيلة وتطويرها يجب أن تكون هدفًا وطنيًا كبيرًا فإحياء هذا الجسر الذي يربط الدولة بمجتمعاتها ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو استعادةٌ لتوازنٍ اجتماعي تهدّمه الحرب والعصبيات كل يوم، فهذه الإصلاحات ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لتثبيت السلم الاجتماعي، وتقوية الوحدة الوطنية، وإحياء قيم العدالة والعيش المشترك، وإعادةٌ لروح الحكمة التي طالما كانت حارسًا صامتًا لطمأنينة البلاد.

الإدارات الأهلية… ذاكرة البلاد وطمأنينتها:

الإدارات الأهلية في السودان ليست مجرد هياكل اجتماعية، بل هي ذاكرة القرى والبوادي، ومخازن الحكمة المتوارثة، وخط الدفاع الأخير عن السلام وطمأنينة المجتمعات. إنه سلامٌ تُزرعه الكلمة الطيبة، وترويه التسويات الهادئة، وتنمو عليه الوحدة الوطنية، وتخبو أمامه العصبيات التي تأكل جسد البلاد
إن حماية هؤلاء الحُماة ليست دفاعًا عن أشخاص، بل صونٌ لأعمق طبقات المجتمع. فإذا خسر السودان نُظّاره وشيوخه، فإنه لا يفقد رجالًا فقط، بل يفقد توازنه وروحه وذاكرته. وإذا انطفأت أصوات الحكمة، فلن يبقى في الأفق سوى ضجيج السلاح… وضجيج السلاح لا يبني وطنًا ولا يحمي مواطناً.

صلاح الدين أحمد عيسى أبوســارة
salahabusarah@gmail.com

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر …