اشتهاء

بقلم: د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

لم يكن عبد الصمد يتخيّل أن الجسد سيخونه وهو في منتصف الحلقة الخامسة من العمر، كما تآمر الزمان من قبل على والده. جاءت الخيانة هذه المرة لا من الناس، بل من الداخل، من دمٍ حلو لا يعرف كيف ينهزم، ومن نبضٍ راوغ الصحو حتى افلس حين أبلغه الطبيب بأنه مصاب بالسكري، لم يهتزّ قلبه كثيراً. فقد كانت الحياة كريمة معه حتى في مرضه، لم يأتِ الخبر بغتة؛ فقد مات أبوه به، وأُصيب عمّه وأبناء عمّه. صار المرض جزءا من شجرة العائلة، مثل شكل الأنف أو لون العين وسائر شفرات الوراثة. سقطت أسنانهم، وخفّ بصرهم، لكنهم ظلوا يتحركون.
لم يشعر عبد الصمد بشيء ربما انتابه شعور رواقي يتقبل به المرض كقدر مقدور. وقد أحسّ أن الإصابة ليست إلا تأكيدٌ لصِلة الدم، وممرٌّ إجباريّ في طريق الحياة. نصحه الطبيب من تحت نظارته الطبية بالحمية والدواء، وقال له ما يشبه التعزية:
“المرض يمكن أن يكون صديقًا مقيمًا، ما لم تُغضبه.”
فابتسم كمن تلقّى وعدًا بالعفو المؤجَّل.
في الأشهر الأولى، التزم بكل شيء. أدوية، مواعيد، طعام خفيف، وحتى المشي المسائي. بدا كأنه رجلٌ صالح تاب عن ذنوبه.
لم يكن السكر وحده في جسده.
كان هناك شيء آخر يغلي ويفور فتكبته العزائم تارة ويصرعها تارات.
شهوة دفينة للحلوى، رغبة ناعسة تتقلّب على جمر تهبه الرغبات كلما تم كبته يزداد اضطراما، تتجشأ الذكريات القديمة: رائحة الباسطة والكعك والعسل والبقلاوة.
في حفل زفاف بنت أخته، تداعت الأشياء، وتأرجحت بين العزيمة والرغبة الدفينة.
منذ أن دخل الصالة، أحس بشيء يتحرك في صدره. انفجارٌ، لم يكن. تمرد ليس بالضبط تماماً. خور وانهيار لا أحد يمكنه أن يجزم بذلك… ربما كان جوعاً، بل شيئاً أعمق، أقدم… كأن الذاكرة استيقظت فجأة في جسده. كانت الطاولة الطويلة البيضاء، متخمة بأطباق الحلويات ذات الأشكال الهندسية المتناسقة المرصعة بالمكسرات، بدت له أقرب لخرائد ذهب مرصوفة على فترينة عرض للمجوهرات النفيسة. تفرس في محتوياتها فتوقف الزمن، وخفتت الأصوات من حوله. لم يَعُد يسمع زغاريد النساء ولا رجع صوت الأغاني، خفت كل شيء إلا وهج الرغبة أمامه.
تحلب رِقيه، وأخذت تفاحة آدم البادية على حلقه تعلو وتهبط بحركة بندولية. سال لعابه، ولمظ شفتيه بتحفز قطٍ يتراقص أمامه فأر مشاغب، تكوّر على نفسه. انتابته رعدة خفيفة ارتعشت لها يده، فمدّ أصابعه نحو طبق الحلوى.
كانت اليد تمضي وحدها، كأنها انفصلت عن الجسد. تذوّق القطعة الأولى بتلذذ، أغمض عينيه ليستوعب مرارة الحرمان، إنحلت عقدة استعصم عليه فهمها في الصحو فأدركها في الذوبان… قال لنفسه وهو يجُب المسافة الفاصلة بين المستحيل والممكن :(تباً للحياة التي لا تُطاق إلا مذابة في السكر). ثم الثانية. فالثالثة. ثم غاب عن كل شيء. تنزى عرقه قطرات من سكر ، بشرته لزجة كرغبة مكبوتة منذ دهور. وكذبابة حطت على صحن عسل، ضربت جناحها للفرار لكنه غاص بها في لجة بلا قرار، حتى غرقت في مادة لامعة مثلت لها الحياة والموت معاً.
ازدرد الطبق كله. لعق أطراف أصابعه حتى الجفاف. طاقة ما امتصت ما بداخله من قدرة على الصمود. لا يضحك، لا يبكي، بل كأنما يخوض طقسا من طقوس الاستسلام الأخيرة. انطفأت في داخله الشهوة كما ينطفئ نور ما بعد توهج لاهب؛ ذلك الضوء الشاحب الذي لا يشبه الحياة، ولا يُقنع بالموت. ارتفع السكر في دمه كمن ارتفعت عليه صخرة… ثم سقط.
غاب عن الوجود، لا لأنه أُغمي عليه فقط، بل لأنه استُهلك حتى العدم.
حين أفاق، كان في المستشفى. رجله ملفوفة، والهواء بارد، . قالوا له “غرغرينا”. قال هو “مستحيل”. عاند. رفض البتر. أقسم أن ساقه لن تفارقه وقال 🙁 لن أمضى بالتقسيط). لكن الغيبوبة كانت أسرع منه.
حين استيقظ، كان القرار قد اتُّخذ. بُترت الساق.
وسط أهله المتحلقين حول السرير راح الطبيب يشرح عن الأطراف الصناعية الحديثة، وقد صار بأمكانها أن تُقنع العالم بأنها من لحم ودم. لكن عبد الصمد لم يقتنع. عاش بعدها بجسد ناقص. رفض تركيب الطرف الصناعي. وضعوه في الغرفة، بجانب السرير. لم ينفضّ الناس من حوله، لكن هو من انفضّ عنهم. لا يرد على هاتف، ولا يفتح بابا، ولا يرفع عينيه لمن يزوره. كان يتحاشى نظرات الشفقة كما يتحاشى المرآة.
في عزلته، غرق في السكون. لم يكن يرى سوى السقف. وهناك، في زاوية السقف، تراءت له صورته: جسدٌ مصلوب، بلا ساق، بلا هوية، بلا رغبة… كأنه ظلّ ميتٍ نسي أن يسقط.
كانت الساقُ الصناعيةُ المنتصبةُ على الحائط تُحدّق فيه كأنها جنديٌّ وُكّل بحراسته. لا تنام، لا تغفل، ولا ترحمه. كلّما أدار وجهه عنها، شعر بها تُطوّقه بنظرة لا فكاك منها. لم تكن وسيلةً للمشي، بل صارت أداةً للعقاب، شاهدا لا ينسى، يذكّره في كل لحظة بلقمة واحدة… كانت بوابة العدم.
قصة قصيرة
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …