محمد هاشم محمد الحسن
يمثل المشهد الإيراني الراهن في أعقاب الأنباء المتواترة حول اغتيال علي لاريجاني لحظة فارقة في تاريخ الصراع الإقليمي، حيث تتجاوز الواقعة مجرد تصفية جسدية لمسؤول رفيع لتصل إلى مستوى إعادة هندسة التوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط برمتها. إن هذا الحدث يضعنا أمام تساؤلات حتمية حول الجدوى الاستراتيجية من استهداف الرموز التي تمثل عقل الدولة بدلاً من أذرعها العسكرية، فالحقيقة التي تفرض نفسها هنا هي أن لاريجاني لم يكن مجرد كادر أمني تقليدي، بل كان يمثل الصمام الذي يمنع انفجار المنظومة من الداخل، والجسر الوحيد الذي يملك المقومات والشرعية الكافية للمناورة مع القوى الدولية في أحلك الظروف.
إن القراءة المستفيضة للمشهد توضح أن لاريجاني كان يشكل حالة استثنائية داخل هيكل الحكم الإيراني، فهو الرجل الذي استطاع بذكائه السياسي وشبكة علاقاته الواسعة أن يملأ الفراغ الكبير الذي خلفه غياب المرشد، ليصبح الحاكم الفعلي من خلف الستار والمحرك الرئيسي للمؤسسات الأمنية والسياسية. تكمن خطورة غيابه، في كونه كان يمثل النقطة التي تلتقي عندها المتناقضات الإيرانية، فهو القادر على لجم اندفاع الحرس الثوري من جهة، وهو المفاوض البراجماتي الذي يعرف كيف يخاطب الغرب بلغتهم من جهة أخرى، ومن هنا، فإن الحديث عن انحسار الحل الدبلوماسي ليس استنتاجاً قدرياً، بل هو رصد منطقي مبني على غياب الطرف الذي كان يملك التفويض والقدرة على صياغة التنازلات المتبادلة.
من الناحية التحليلية، يبدو أن استراتيجية الاغتيالات الإسرائيلية قد دخلت مرحلة تجريف العقول السياسية بدلاً من استهداف القدرات الميدانية فحسب، وهذا المسار يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبرى قد تنقلب ضد المصالح الدولية والاستقرار الإقليمي. فعندما يتم تغييب الشخصيات التي تملك رؤية براجماتية وقدرة على إدارة الأزمات بالدبلوماسية، فإن النظام الإيراني يندفع اضطرارياً نحو العسكرة الكاملة للقرار السياسي، حيث يختفي صوت السياسيين المحنكين لصالح جنرالات الميدان والقيادات الأكثر راديكالية التي لا تؤمن إلا بلغة الصواريخ والمواجهة الصفرية. هذا الانزياح نحو التشدد المطلق قد يكون هو الهدف الإسرائيلي المضمر، والمتمثل في دفع إيران نحو حالة من الفوضى المنظمة التي تجعل منها عدواً راديكالياً معزولاً يسهل تبرير ضربه وتفكيكه دولياً، ولكن هذا الرهان يتجاهل الطبيعة المؤسساتية العميقة للدولة الإيرانية التي بنيت على أساس مؤسساتي وعقائدي لا يتمحور حول الأفراد بقدر ما يتمحور حول البقاء والتمكين.
وعلى الجانب الآخر، تبدو الحسابات الإسرائيلية في هذه المواجهة وكأنها تمضي فوق حبل مشدود بين الرغبة الجامحة في تقويض أركان النظام الإيراني وبين حقائق الميدان التي تشير إلى استنزاف هائل في قدراتها الدفاعية، فالوقائع العسكرية العميقة تكشف عن تآكل مخزونات الذخائر والمنظومات الاعتراضية التي واجهت بها الصواريخ الإيرانية، وهو استنزاف لم يقف عند حدود تل أبيب بل امتد ليطال العمق الاستراتيجي للولايات المتحدة التي بدأت أوساطها السياسية والعسكرية تلمح بوضوح إلى أن كلفة البقاء في هذه الحرب أصبحت تفوق طاقة الاحتمال، وأن سيناريو الانسحاب من أتون الصراع مع طهران بات خياراً مطروحاً رغم غرابة توقيته وتعقيداته الجيوسياسية.
إن المضي في استراتيجية لعبة الموت عبر تصفية العقول السياسية يعكس إصراراً إسرائيلياً على دفع الأمور نحو نقطة الانفجار الكبير، وهي مقامرة تضع أمن الطاقة العالمي واستقرار دول الخليج في مهب الريح، حيث تصبح المنشآت الحيوية في المنطقة أهدافاً مشروعة في حرب استنزاف شاملة لا تعرف القواعد السابقة. ويبدو أن الرهان الإسرائيلي يتمحور حول استدراج القوى الدولية لصراع وجودي يسقط نظام طهران مهما كان الثمن، متغافلاً عن حقيقة أن تدمير فرص الدبلوماسية لا يعني بالضرورة انتصاراً، بل قد يعني الغرق في فوضى إقليمية عارمة تؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار النفط وانهيارات اقتصادية عالمية، مما يجعل الثمن الذي ستدفعه إسرائيل وحلفاؤها من أمنهم واقتصادهم يفوق بكثير أي مكسب استراتيجي مؤقت قد يتحقق من إزاحة شخصية قيادية هنا أو هناك.
في الختام، يمكن القول إن اغتيال علي لاريجاني يمثل مقامرة استراتيجية كبرى، فبدلاً من أن يؤدي إلى إضعاف إيران ودفعها نحو الاستسلام، فإنه قد يكون قد حرر الجناح العسكري المتشدد من القيود السياسية التي كان يفرضها العقل البراجماتي، وبذلك تدخل المنطقة نفقاً مظلماً تغيب فيه لغة العقل السياسي وتسيطر فيه غرف العمليات الحربية التي لن تلتزم بقواعد الاشتباك السابقة، مما ينذر بحرب استنزاف طويلة الأمد لا تعرف الحدود الجغرافية أو السياسية، وتجعل التنبؤ بنهاية الصراع أمراً مستحيلاً في ظل غياب المهندسين القادرين على تصميم مخرج آمن من هذه الأزمة العالمية الطاحنة.
herin20232023@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم