باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 24 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

اقتصاد الخوذة والبزة: كيف صار الجنرالات السودانيون أصحاب أكبر تكتل تجاري في البلاد، ولماذا تحوّلت شركاتهم إلى وقود لحرب أهلية شاملة؟

اخر تحديث: 24 سبتمبر, 2026 10:01 صباحًا
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تكشف قراءة شاملة لهذا الملف أن الشركات الاقتصادية العسكرية والأمنية في السودان ليست ظاهرة عابرة بل بنية مؤسسية راسخة تشكّلت عبر عقود متعاقبة، بدءاً من إرث الإدارة الثنائية البريطانية المصرية الذي كرّس مركزية اقتصادية منحازة للشمال الحضري وترك الأطراف مهمّشة، مروراً بتحول سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين تجاوز الجيش السوداني وظائفه الدفاعية التقليدية إلى قطاعات البنية التحتية والنقل والتمويل والإنشاءات والزراعة والتجارة في عهد جعفر النميري، وسط صراع طبقي وإثني داخل صفوف الضباط أنفسه. ثم جاء انقلاب الإنقاذ في يونيو 1989 بقيادة عمر البشير بالتحالف مع الحركة الإسلامية ليمثل التحول الجذري الحاسم، عبر سياسات “التمكين” التي حوّلت أصول الدولة إلى شركات يديرها ضباط ومقربون من الحركة الإسلامية، بما أنتج شبكة من الكيانات شبه الحكومية التي تبدو ملكية خاصة بينما هي في جوهرها أذرع تمويل حزبية. وفي هذا السياق تأسست عام 1993 هيئة التصنيع الحربي، ودخل جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي وُحّد رسمياً عام 2004، في استثمارات واسعة حوّلته إلى “إمبراطورية قائمة بذاتها” في الإعلام والعقار والتمويل والزراعة. ومع اندلاع تمرد دارفور عام 2003 واستيلاء ميليشيات الجنجويد على منجم جبل عامر عام 2017، تأسست الركيزة المادية لتحول هذه الميليشيات لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، بينما أعاد مرسوم عام 2017 تسمية هيئة التصنيع الحربي إلى “منظومة الصناعات الدفاعية” مانحاً إياها توسعاً مدنياً واسعاً وحصانة فعلية من الرقابة.

وقد فتحت ثورة ديسمبر 2019 نافذة إصلاحية قصيرة تمثلت في تأسيس لجنة إزالة التمكين لاسترداد الأموال العامة، وفي تسوية مارس 2021 بين حكومة حمدوك ومنظومة الصناعات الدفاعية التي أبقت الصناعات العسكرية البحتة للجيش وحوّلت الصناعات المدنية لوزارتي المالية والصناعة، غير أن انقلاب أكتوبر 2021 جمّد هذا المسار بالكامل، قبل أن تُستأنف أعمال اللجنة في مارس 2026 عقب تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً. من حيث الحجم والبنية، تتوزع هذه المنظومة على ثلاث شبكات رئيسية: منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش بمجمعاتها الصناعية الكبرى وتكتل جياد وشركة سودان ماستر تكنولوجي، وشبكة جهاز المخابرات العامة الممتدة في الإعلام والطاقة والعقار، وإمبراطورية الدعم السريع القائمة على شركة الجُنيد وفروعها الإحدى عشرة العاملة في التعدين والإنشاءات، إضافة إلى أسماء بارزة أخرى كزادنا الدولية وبنك أم درمان الوطني وشركات مستردة من الحركة الإسلامية، مع تقديرات بحثية ترصد نحو 408 شركة مملوكة للدولة تسيطر شبكاتها المتشعبة على نسبة كبيرة جداً من الاقتصاد الوطني عبر آليات إخفاء ملكية متعمدة.

أما من حيث الأرقام المالية، فتشير تقديرات موثوقة إلى أن نظام الصناعات الدفاعية يُولّد عائدات سنوية بنحو ملياري دولار عبر مئات الشركات التابعة، بينما استفادت شركة الجُنيد من احتكار شراء الذهب بأسعار تفضيلية مع دفع ضرائب ضئيلة، وكشفت تحقيقات عن محافظ عقارية بمئات الملايين لأقارب قادة الدعم السريع في دبي، في وقت ارتفعت فيه واردات الإمارات من الذهب السوداني بشكل لافت خلال سنوات الحرب. وتُفسَّر هذه الظاهرة بدوافع مالية تتعلق بتمويل احتياجات المنسوبين خارج الميزانية العامة، وبدوافع سياسية تتعلق بتوظيف هذا الاقتصاد كأداة تمكين للحركة الإسلامية، وبإطار نظري أوسع يقدمه “السوق السياسي” الذي يفسر تحول القادة العسكريين إلى رجال أعمال يشترون بالمال الولاءات المؤقتة، إلى جانب محددات إقليمية كالطلب الخارجي على الذهب واحتياج الجيش للتصنيع الذاتي في ظل العقوبات الدولية المتكررة. وقد أدت هذه البنية إلى تداعيات كارثية مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أبرزها انقسام اقتصادي ونقدي فعلي بين نظام مصرفي موازٍ أقامته قوات الدعم السريع في دارفور وبنك مركزي رسمي في بورتسودان يعيد استبدال العملة لتجريد الطرف الآخر من قيمتها، وسط انهيار الجنيه وتوقف سلاسل الإنتاج والتوزيع وتضخم اقتصاد الحرب على حساب الخدمات الأساسية.

وفي مواجهة هذا الواقع، يدور جدل وطني حاد بين ثلاثة خيارات: الإصلاح التدريجي تحت رقابة مدنية، أو الخصخصة الجزئية عبر طرح شركات كمساهمة عامة، أو الإبقاء على الوضع القائم بذريعة ضعف المكون المدني، مع استحضار تجارب دولية مقارنة تفيد بأن مصر توسّعت في اقتصادها العسكري عبر ثلاث هيئات كبرى تنتج سلعاً مدنية متنوعة رغم إنكار رسمي لحجم هذا التوسع، وأن باكستان تحوّل جيشها إلى مالك لنحو خمسين كياناً تجارياً عبر مؤسسة فوجي التي تمتلك ثلث الصناعات المعدنية الثقيلة ونحو سبعة بالمئة من الأصول الخاصة، بينما اتخذت الصين عام 1998 قراراً سيادياً حاسماً بإخراج جيشها من كل الأنشطة التجارية ونقل ملكية آلاف الشركات لجهات مدنية ضمن إصلاح مؤسسي أوسع دون إضعاف قدراته الدفاعية. وتبرز فرص حقيقية في إمكانية تحويل هذه الأصول الضخمة إلى رافعة لإعادة الإعمار وتحرير المنافسة الاقتصادية، مقابل تحديات جسيمة تتمثل في تعقيد هياكل الملكية المتعمد، وغياب سلطة موحدة وسط الحرب، واستمرار الدعم الإقليمي لشبكات التهريب، مع ضرورة تفنيد أساطير شائعة تزعم اقتصار هذه الصناعات على الجانب العسكري البحت أو حياديتها التامة عن الحسابات الحزبية أو إمكانية “تطهيرها” الفوري دون تسوية سياسية شاملة. وتخلص هذه القراءة إلى أن أي إصلاح جذري لهذه المنظومة يظل رهيناً في نهاية المطاف بحسم سياسي وعسكري كامل للصراع الدائر أصلاً بين مالكيها المتنازعين أنفسهم، وأن الدروس المقارنة من الصين ومصر وباكستان تبقى مشروطة بتوفر إرادة سياسية وطنية موحدة يبدو أنها الغائب الأكبر عن المشهد السوداني الراهن.

النص الكامل للمقال

الفصل الأول: مقدمة تحليلية — حين تضع البندقية يدها على ميزان التجارة

لم يعد ممكناً، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فهم هذا الصراع بوصفه نزاعاً سياسياً أو عسكرياً محضاً بين مؤسستين تتنافسان على السلطة الدستورية؛ فالمؤسستان المتحاربتان لم تعودا جيشين بالمعنى التقليدي المتعارف عليه في أدبيات العلاقات المدنية العسكرية، بقدر ما هما تكتلان تجاريان مسلحان يتقاتلان أساساً على السيطرة على شبكة هائلة ومعقدة من الشركات والمناجم والمصارف والأراضي والمنافذ الجمركية غير الرسمية. فالسودان، الذي شهد منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات تمدداً غير مسبوق للنشاط الاقتصادي للمؤسستين العسكرية والأمنية على حساب الدولة والقطاع الخاص المدني معاً، بات اليوم حالة دراسية نموذجية لما يسميه الباحثون “اقتصاد الحرب” (war economy)، وهو نمط اقتصادي لا تكتفي فيه التجارة بتمويل استمرار القتال فحسب، بل تتحول فيه الحرب ذاتها إلى أداة فعّالة لإعادة توزيع الأصول والموارد والثروات بين الفرقاء المتنازعين، بحيث يصبح لبعض الأطراف مصلحة مباشرة وملموسة في إطالة أمد النزاع بدلاً من إنهائه (سودانايل، 2026أ).

يسعى هذا المقال الأكاديمي إلى تقديم قراءة شاملة ومعمّقة لهذه الظاهرة المعقدة، تنطلق من جذورها التاريخية البعيدة الممتدة إلى حقبة ما بعد الاستقلال، مروراً بمحطات التأسيس المؤسسي الحاسمة في عهدي جعفر النميري وعمر البشير، ووصولاً إلى واقعها الراهن في خضم الحرب الأهلية الدائرة. وسيتناول المقال بالتفصيل الحجم الفعلي لهذه الشركات وعددها التقديري وتوزيعها الجغرافي والقطاعي، وأبرز أسمائها التجارية وهياكل ملكيتها المتعمد تعقيدها وإخفاؤها، ورؤوس أموالها وقواها العاملة وحجم إنتاجها وأرباحها المقدَّرة بالدولار الأمريكي حيثما توفرت بيانات موثوقة، ثم الدوافع السياسية والاقتصادية والأمنية والمحددات النظرية التي تفسر نشأة هذا النمط واستمراره، والتجليات والتداعيات المتعددة لهذا الاقتصاد على الحياة السودانية اليومية في زمن الحرب، وصولاً إلى الجدل الوطني الحاد الدائر حول مصير هذه المنظومة بين خياراتٍ ثلاثة هي الإصلاح التدريجي، أو الخصخصة الجزئية أو الكاملة، أو الإبقاء على الوضع القائم، مستنيراً في ذلك بتجارب دولية مقارنة من مصر وباكستان والصين، وخاتماً بتفنيك دقيق ومسؤول لأبرز الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة التي تحيط بهذا الملف الحساس والمعقّد، اعتماداً في كل ذلك على أوسع قاعدة ممكنة من الأدلة والبيانات والبراهين المستقاة من تقارير مراكز الفكر والسياسات والبحوث الأمريكية والأوروبية والبريطانية والآسيوية والإفريقية والعربية، ومن تحقيقات وكالات الأنباء والصحف المحلية والإقليمية والدولية، ومن المنصات الإخبارية السودانية المتخصصة في الشأن الوطني كسودانايل والراكوبة وسودان تربيون وسودان الآن ودارفور24 وغيرها.

الفصل الثاني: الجذور البعيدة — من الإرث الكولونيالي إلى انقسام الضباط الطبقي في عهد النميري

تعود الجذور البعيدة لتداخل المؤسسة العسكرية مع الاقتصاد السوداني إلى ما قبل الاستقلال ذاته، حين ورثت الدولة السودانية الناشئة بنية إدارية واقتصادية مركزية شديدة الانحياز للمركز الحضري في الشمال، من الإدارة الثنائية البريطانية المصرية، بحيث ظلت أم درمان مركزاً تجارياً وثقافياً رئيسياً، وبورتسودان الميناء الرئيسي لتصدير القطن والقمح والفول السوداني والذهب الخام المستخرج من بعض مناجم كردفان ودارفور، بينما اقتصر التطور الاقتصادي على الشمال الحضري وتُرك الجنوب والأطراف مهمّشة اقتصادياً وسياسياً بمعدلات أمية تجاوزت 90% في بعض المناطق (سودانايل، 2026ب). وقد شكّل القطن، الذي مثّل ما بين 60 و65% من إجمالي الصادرات السودانية في تلك الحقبة المبكرة، بينما شكّلت الذرة والقمح والفول السوداني وقصب السكر مجتمعة نحو 20 إلى 25% من الإنتاج الزراعي، العمود الفقري لاقتصاد ورثته المؤسسات العسكرية المتعاقبة لاحقاً وأعادت توظيفه لخدمة أهدافها الخاصة (سودانايل، 2026ب).

غير أن التحول النوعي الأول في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والنشاط التجاري بدأ فعلياً في سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين تجاوز الدور الاقتصادي للجيش وظائفه الدفاعية التقليدية إلى قطاعات ذات أهمية تجارية كبرى شملت البنية التحتية والنقل والتمويل والإنشاءات والإنتاج الزراعي والتجارة الداخلية، وذلك بحسب دراسة مرجعية مبكرة ومهمة بعنوان “السودان: الشركات الاقتصادية العسكرية” (The Sudan: Military Economic Corporations)، نُشرت في مجلة Armed Forces & Society عام 1987، وأرّخت بدقة لهذا التحول ورصدت بداياته المؤسسية في سياق حكم جعفر النميري الذي استمر من انقلاب مايو 1969 وحتى الإطاحة به عام 1985 (Bienen and Moore, 1987). وقد شهدت تلك الحقبة أيضاً تحولاً اجتماعياً لافتاً داخل صفوف القوات المسلحة السودانية نفسها؛ ففي أعقاب تولي حزب الأمة ذي الخلفية الإسلامية رئاسة الوزراء في فترة سابقة على النظام المايوي، انفتح المجال أمام فئات اجتماعية أوسع للانضمام إلى الجيش وتسلّم مناصب عليا فيه، ما أدى إلى بروز جيل من الضباط المنحدرين من الطبقة الوسطى وحاملي أفكار تقدمية، وهو ما فجّر لاحقاً صراعاً طبقياً وإثنياً داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حاول بعض أطرافه توظيف عناصر من الجيش في مشروعات الزراعة الآلية بهدف زعزعة تماسكه، وإن لم يفضِ ذلك بشكل مباشر إلى نشوء طبقة كاملة من “ضباط رجال الأعمال” في تلك المرحلة المبكرة تحديداً (الأخبار، بدون تاريخ). كما اتسمت تلك المرحلة بتعيين ضباط عسكريين في وزارات مركزية مدنية وإنشاء وحدات رقابية موازية، وسط سيطرة متصاعدة للجيش والمخابرات على مفاصل الدولة، فيما استمر النزاع المسلح في الجنوب وشهدت المناطق الجنوبية هجرة قسرية واسعة للسكان بين عامي 1961 و1963 عقب انقلاب الفريق إبراهيم عبود العسكري عام 1958 (الجزيرة نت، 2019؛ سودانايل، 2026ب).

الفصل الثالث: التمكين الإسلامي وتأسيس البنية المؤسسية الحديثة (1989-2005)

شكّل انقلاب “الإنقاذ الوطني” في 30 يونيو 1989، الذي قاده العميد عمر حسن البشير بالتحالف مع الحركة الإسلامية السودانية بقيادة حسن الترابي آنذاك، التحول الجذري الحاسم في تاريخ الاقتصاد العسكري والأمني السوداني. فقد تبنّى النظام الجديد ما عُرف رسمياً بسياسات “التمكين”، التي جرى بموجبها تعميق تغلغل الفاعلين المرتبطين بالنظام والمؤسسة الأمنية في القطاعات التجارية والاقتصادية على نحو منهجي وواسع النطاق، عبر تحويل أصول الدولة ومنشآتها الإنتاجية القائمة إلى شركات جديدة يديرها ضباط ومقربون من الحركة الإسلامية، في عملية استمرت طوال العقود الثلاثة التالية من حكم البشير حتى سقوطه عام 2019 (مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، 2026). وقد وثّق الباحث عبد الله جلاب (Abdullahi Gallab) هذا التحول المؤسسي في دراسته المرجعية عن نشأة ما أسماه “أول جمهورية إسلامية” في السودان الحديث، فيما تتبع المؤرخ أليكس دي وال كيف صاحب هذا “التطهير المؤسسي” تصفية منهجية للضباط غير الموالين للنظام الجديد وإحلال شبكة موازية من الولاء العقائدي الإسلامي محلهم داخل الجيش والأجهزة الأمنية على حد سواء (سودانايل، 2026ج). وتخلص دراسات أكاديمية أحدث، من بينها عمل الباحثة ويلو بيريدج (Willow Berridge) من جامعة نيوكاسل، إلى أن منظومة التمكين لم تكتفِ بالسيطرة على مفاصل السلطة السياسية والأمنية، بل أنتجت أيضاً شبكة ضخمة من الشركات التي تبدو للوهلة الأولى ملكية خاصة صرفة، بينما هي في جوهرها كيانات شبه حكومية (parastatal) يسيطر عليها معاً ضباط عسكريون وقياديون في الحركة الإسلامية، بما يجعل الفصل بين “الدولة” و”الحزب” و”الجيش” في هذه الشركات أمراً بالغ الصعوبة من الناحية القانونية والمحاسبية (سودانايل، 2026ج).

في هذا السياق التاريخي والسياسي المحدد، تأسست عام 1993 هيئة التصنيع الحربي بموجب مرسوم جمهوري رسمي تحت إشراف مباشر من وزارة الدفاع، لتمثل بذلك البداية الفعلية والمؤسسية الرسمية للصناعات الدفاعية الحديثة في السودان، وإن كانت بعض مجمعاتها الفرعية اللاحقة تعود جذورها التاريخية إلى ما قبل ذلك بكثير؛ إذ يعود تأسيس مصنع ذخيرة الشجرة، وهو أحد أقدم مكوناتها، إلى عام 1959 باسم “مصنع ذخيرة الشجرة” قبل أن يُلحق لاحقاً بهيئة التصنيع الحربي ليصبح مسؤولاً عن تصنيع مجموعة واسعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة (هيئة التصنيع الحربي، بدون تاريخ). وفي التسعينيات نفسها بالتوازي، دخل جهاز الأمن والمخابرات الوطني – الذي أُنشئ رسمياً بمسماه الموحد هذا عام 2004 من دمج جهازي الأمن الوطني المسؤول عن الأمن الداخلي والمخابرات السودانية المسؤولة عن الأمن الخارجي، تحت قيادة مدير عام واحد وهو الفريق أول صلاح عبد الله المعروف بـ”قوش” – في استثمارات اقتصادية واسعة النطاق أسست لعشرات الشركات في قطاعات الإعلام والعقار والتمويل والزراعة، حتى غدا هذا الجهاز بحلول مطلع الألفية الجديدة، بحسب وصف أحد أبرز التحقيقات الاستقصائية في هذا الملف، “إمبراطورية قائمة بذاتها داخل الدولة” تتمتع بصلاحيات تشكيل قوات قتالية خاصة، من خلال ما عُرف بـ”إدارة هيئة العمليات” التي شاركت لاحقاً في القتال على عدة جبهات، من دارفور إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق (العربي الجديد، 2020). وقُدّرت في إحدى القضايا اللاحقة المرتبطة بهذا الملف الأموال التي استولى عليها أحد كبار مسؤولي هذا الجهاز، عبد الباسط حمزة، بنحو 1.2 مليار دولار أمريكي في صورة أسهم بشركة اتصالات وأراضٍ سكنية وزراعية، وهو رقم كشف عن دوائر ثراء واسعة داخل هذا الجهاز الأمني (سكاي نيوز عربية، 2021).

الفصل الرابع: إعادة الهيكلة والتوسع المدني للجيش، ونشأة قوات الدعم السريع (2003-2019)

شكّل تمرد دارفور الذي اندلع عام 2003 محطة مفصلية أخرى في تشكّل هذا الاقتصاد الأمني والعسكري، إذ لجأ نظام البشير إلى تسليح ميليشيات الجنجويد القبلية لقمع التمرد، وكافأ هذه الميليشيات لاحقاً – التي أُعيد تنظيمها رسمياً تحت مسمى “قوات الدعم السريع” – بامتيازات تجارية مباشرة، أبرزها منحها السيطرة الفعلية على مناجم الذهب الحرفية في دارفور، وبلغت هذه السيطرة ذروتها مع الاستيلاء على منجم جبل عامر الغني بالذهب عام 2017، وهو ما أرسى الأساس المادي والمالي الذي مكّن هذه القوات لاحقاً من التحول من ميليشيا مناطقية محدودة إلى فاعل اقتصادي وعسكري مواز للدولة السودانية نفسها، وفق ما يوثقه إطار “السوق السياسي” الذي طوره الباحث أليكس دي وال لتحليل الحالة السودانية على وجه التحديد (De Waal, 2019). وقد أسست “جناح العمليات الخاصة” في قوات الدعم السريع، بقيادة أقارب مقربين من الجنرال حميدتي، شركة “الجُنيد” التي ضمت لاحقاً شركات عاملة في التعدين والإسكان وإنشاء الطرق والنقل وقطاع واسع من الأنشطة الاقتصادية الأخرى (De Waal, 2019).

وفي موازاة ذلك، شهد عام 2017 محطة مفصلية أخرى على صعيد الصناعات الدفاعية الرسمية، حين أقرّ البرلمان السوداني، الذي كان يهيمن عليه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، مرسوماً في أبريل من ذلك العام قضى بتغيير مسمى “هيئة التصنيع الحربي” إلى مسمى جديد هو “منظومة الصناعات الدفاعية”، مع إجراء عدد من التعديلات القانونية الجوهرية التي مكّنت المؤسسة من التوسع بشكل كبير في الأنشطة الاقتصادية المدنية البحتة، بعيداً كلياً عن التصنيع العسكري الأصلي، والأهم من ذلك أن تصبح هذه المنظومة، بموجب هذه التعديلات، فوق القانون بشكل مقنَّن رسمياً، على أن تتبع مباشرة لرئيس الجمهورية دون وسيط وزاري (رصيف22، 2021). وقد رأى كثير من السودانيين آنذاك في هذا الإجراء خطوة مفرحة توحي بأن المؤسسة العسكرية تأخذ طواعية خطوة إلى الوراء متخلية عما يمكن وصفه بمكتسباتها الاقتصادية للصالح المدني، بينما رآه محللون آخرون أكثر تشككاً تكريساً قانونياً لهيمنتها بدلاً من تفكيكها الفعلي (رصيف22، 2021).

الفصل الخامس: الثورة ومحاولات الإصلاح المجهضة — من لجنة إزالة التمكين إلى انقلاب أكتوبر 2021

جاءت ثورة ديسمبر 2019 وسقوط نظام البشير في أبريل من العام نفسه لتفتح نافذة تاريخية قصيرة أمام محاولة جادة لإعادة هيكلة هذا الاقتصاد العسكري والأمني المتضخم. فقد شُكّلت في العاشر من ديسمبر 2019، بموجب قانون خاص أقرّته الوثيقة الدستورية الانتقالية، “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة”، المعروفة إعلامياً بـ”لجنة إزالة التمكين”، وهي لجنة سيادية مُنحت صلاحيات واسعة شملت إنهاء خدمة مسؤولين ومصادرة شركات وأصول ومنظمات مرتبطة بالنظام السابق، استناداً إلى الفقرة الثالثة من المادة السابعة والفقرة الخامسة عشرة من المادة الثامنة من الوثيقة الدستورية لعام 2019 التي نصت صراحة على محاسبة منسوبي النظام البائد وتفكيك بنية التمكين وبناء دولة القانون والمؤسسات (بيم ريبورتس، 2026). وخلال فترة عملها القصيرة نسبياً التي استمرت أقل من عامين، تمكنت اللجنة من استرداد عقارات وأراضٍ ومنشآت سياحية وتجارية وزراعية واسعة، وشملت قائمة الشركات التي استردتها أسهماً في شركتي “حسان والعابد” و”الخرطوم للطرق والجسور” اللتين كانت تديرهما مجموعة من الإخوان من جنسيات عربية، إضافة إلى شركات أخرى عاملة في أنشطة استثمارية متنوعة كالزراعة والإنتاج الحيواني والخدمات المالية، من أبرزها شركة “شافكو” للتنمية، وشركة “نعائم للاستثمار”، وشركة “فيحاء” للتحويلات المالية، وشركة “البداية” للإنتاج الزراعي (سكاي نيوز عربية، 2026).

وفي مارس 2021، وفي إطار محاولات موازية لترتيب العلاقة بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية على صعيد الشركات ذات الطابع الاقتصادي البحت، توصل مجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك ومنظومة الصناعات الدفاعية إلى تسوية أُبقيت بموجبها الصناعات ذات الطابع العسكري البحت تحت تبعية الجيش يعمل على تطويرها، على أن تؤول الصناعات ذات الطابع المدني إلى إشراف الحكومة المدنية عبر وزارتي المالية والصناعة معاً، في اجتماع عقده حمدوك في مجمع اليرموك جنوبي الخرطوم ضم وزراء الدفاع والداخلية والمالية والعدل والإعلام والثقافة والشباب والرياضة والصناعة، بمشاركة قيادات عسكرية رفيعة، ووصف حمدوك هذا التوافق بأنه يعبّر عن “روح الشراكة بين المكوّن المدني والعسكري في السلطة الانتقالية” (الشرق الأوسط، 2021). وقد اعتبر حمدوك آنذاك أن استعادة الشركات الاقتصادية التابعة للقطاعين الأمني والعسكري لصالح ولاية وزارة المالية على المال العام تمثل أولوية قصوى لحكومته، مشيراً إلى أن وزارة المالية لم تكن تملك ولاية فعلية إلا على نحو 18% فقط من إجمالي إيرادات الدولة، بينما ظلت نسبة 82% من الإيرادات لا تورَّد أصلاً إلى الميزانية العامة، وهو تفاوت صارخ يعكس حجم الأصول المسحوبة من الرقابة المالية المدنية (القدس العربي، 2020). وقد دافع في المقابل عضو مجلس السيادة الانتقالي آنذاك الفريق ياسر العطا عن هذه المؤسسات الاقتصادية العسكرية، معتبراً إياها من “استقطاعات منسوبي الجيش” المستحقة، وهو خلاف علني بين شركاء الحكم عكس عمق التوتر الكامن حول هذا الملف (القدس العربي، 2020).

غير أن هذا المسار الإصلاحي الواعد أُجهض عملياً مع انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي قاده الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، بالتعاون مع فلول النظام السابق، والذي أطاح بالحكومة المدنية برئاسة حمدوك وجمّد فوراً عمل لجنة إزالة التمكين، معيداً بذلك تمكين الشبكات الاقتصادية للحركة الإسلامية التي كانت اللجنة قد بدأت تفكيكها (حفريات، 2026أ). ولم تُستأنف أعمال اللجنة مجدداً إلا في 17 مارس 2026، برئاسة عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، وذلك في اليوم التالي مباشرة لدخول قرار الإدارة الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان “منظمة إرهابية” حيز التنفيذ، بصلاحيات موسّعة شملت الملاحقة القضائية الدولية لقيادات الحركة الإسلامية المحلولة وتتبع أصولها المالية وشبكاتها التنظيمية في الخارج (بيم ريبورتس، 2026؛ حفريات، 2026ب). وقد صرّح المتحدث الرسمي باسم اللجنة، وجدي صالح، بأن اللجنة شرعت في التواصل مع الدول التي صنّفت الحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي بهدف تجميد أموال ضخمة تم نهبها من الخزينة العامة السودانية، فيما أكد مقرر اللجنة صلاح مناع أنها تعمل على تتبع مصادر التمويل المرتبطة بالحركة، بما فيها الشركات والمنظمات العاملة تحت غطاء العمل الخيري، مشيراً إلى أن التعامل التجاري أو المصرفي مع جهات مرتبطة بالحركة بات يُعدّ اليوم مخالفة قانونية قد تؤدي إلى تجميد الأصول أو الإدراج على قوائم الحظر الدولية (النيلين، 2026). وقد خلص أحد التقارير التحليلية إلى أن إلغاء البرهان لقرارات تفكيك التمكين عقب انقلابه مكّن شبكات الحركة الإسلامية من توفير ما وصفه التقرير بـ”التمويل المزدوج” – عسكري وإعلامي معاً – أسهم لاحقاً في إطالة أمد الحرب الدائرة بموارد شبه مستقلة كلياً عن خزينة الدولة المنهارة (سودانايل، 2026د).

الفصل السادس: خريطة الحجم والتوزيع المؤسسي — المنظومات الثلاث وأسماؤها الكبرى

يمكن تصنيف الشركات الاقتصادية العسكرية والأمنية في السودان الراهن ضمن ثلاث منظومات رئيسية متداخلة أحياناً ومتنافسة بل ومتحاربة أحياناً أخرى. المنظومة الأولى هي “منظومة الصناعات الدفاعية”، المعروفة سابقاً بهيئة التصنيع الحربي، والتي أُعيدت تسميتها لاحقاً في الأدبيات الدولية والتقارير الأمريكية باسم “نظام الصناعات الدفاعية” (Defense Industries System – DIS)، وهي أكبر مؤسسة دفاعية في السودان وتتبع مباشرة للقوات المسلحة السودانية، وتضم مجمعات صناعية رئيسية عدة من أبرزها مجمع اليرموك الصناعي جنوبي العاصمة الخرطوم، الذي تعرّض لقصف جوي إسرائيلي أثار جدلاً دولياً واسعاً، ومجمع الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة المؤسس عام 2002 في مدينة جياد الصناعية، والمسؤول عن تصنيع وصيانة المركبات المدرعة والمركبات الثقيلة الصناعية، ومنه أُنتجت الدبابة “الزبير” والدبابة “البشير” اللتان تُعدّان إعادة إنتاج محلية لطراز الدبابة الصينية T96 مع تطويرات محلية شملت آلية التلقيم والتوجيه بالليزر ومناظير الرؤية الليلية ومدفعاً عيار 125 ملم، ومجمع الصافات لصيانة وتطوير وتصنيع الطائرات المؤسس عام 2005 شمالي أم درمان، والذي أعلن في نوفمبر 2021 عن إنتاج طائرة سودانية بنسبة تصنيع محلي بلغت مائة في المائة، ويضم ثلاثة مراكز لصيانة الطائرات الثقيلة والمروحيات وتطويرها وتصنيعها (الشرق الأوسط، 2023). وقد وصفت مجلة Military Watch المتخصصة، في تقرير نشرته عام 2022، السودان بأنه أصبح ثالث أكبر قوة عسكرية أفريقية من حيث القدرات التصنيعية المحلية، ويملك صناعة عسكرية رائدة جعلت قواته من أفضل القوات تجهيزاً في القارة (الشرق الأوسط، 2023).

وتسيطر هذه المنظومة، عبر بنى ملكية معقدة ومتعمدة الإبهام، على تكتل جياد الصناعي (GIAD)، المعروف أيضاً في وثائق العقوبات الأمريكية باسم “شركة سودان ماستر تكنولوجي للهندسة” (Sudan Master Technology Engineering Company – SMT)، والذي يصف نفسه رسمياً بأنه “أحد أكبر ركائز الاقتصاد الوطني” السوداني، ويضم فروعاً في صناعة السيارات وتجميعها عبر شركة “جياد للسيارات المحدودة”، وفي صناعة الكابلات الكهربائية بالشراكة مع الشركة المصرية “السويدي” للكابلات الكهربائية عبر كيان مشترك يُعرف بـ”جياد السويدي” (C4ADS, 2025). وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة سودان ماستر تكنولوجي مرتين متتاليتين، الأولى في 29 مايو 2007 والثانية في الأول من يونيو 2023، ربطت خلالهما هذه الشركة صراحة باسم “جياد إندستريال جروب” (Giad Industrial Group)، مؤكدة أن نظام الصناعات الدفاعية يسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر عبر هياكل ملكية معقدة ومبهمة على هذا التكتل الصناعي الكبير الذي ولّد منه مليارات الدولارات على مدار سنوات (C4ADS, 2025؛ US Department of the Treasury, 2026). وتشير وزارة الخزانة الأمريكية كذلك إلى أن هذه المنظومة تدير مئات الشركات التابعة عبر هذه الهياكل غير الشفافة بهدف الحصول على تسهيلات ائتمانية تفضيلية من بنك السودان المركزي والتهرب لاحقاً من الالتزامات المالية المترتبة عليها، بما يشكل منافسة غير عادلة صريحة مع القطاع الخاص المدني الذي لا يحظى بامتيازات ائتمانية مماثلة (US Department of the Treasury, 2023).

المنظومة الثانية هي شبكة الشركات التابعة تاريخياً لجهاز المخابرات العامة، المعروف سابقاً بجهاز الأمن والمخابرات الوطني، والتي امتدت عبر العقود إلى قطاعات متعددة أبرزها الإعلام، حيث وثّق أحد التحقيقات الاستقصائية قرار جهاز المخابرات العامة بتصفية شركات إعلامية تابعة له، من بينها المركز السوداني للخدمات الصحافية، وصحيفتا “سودان فيجن” و”الصحافة”، ومركز الخرطوم للإعلام الإلكتروني المعروف اختصاراً بـ”كيم”، وذلك باعتبار الجهاز الجهة المالية المسؤولة عن هذه الكيانات (العربي الجديد، 2020). وامتد نشاط هذه المنظومة أيضاً إلى قطاع الطاقة والتعدين عبر شركة “بترونيد”، التي رفع العاملون فيها في مرحلة ما مطالب إلى وزير الطاقة والتعدين تتعلق بمراجعة أوراق تسجيل الشركة والتحقق من استيفائها للشروط القانونية، في واقعة تكشف عن مؤشرات لتجاوزات مالية تناقض النفي الرسمي لوجود أي فساد في هذه الشركات (العربي الجديد، 2020).

أما المنظومة الثالثة، وهي الأحدث نسبياً والأشد تأثيراً في مسار الحرب الراهنة، فتتمثل في الإمبراطورية التجارية لقوات الدعم السريع، وقوامها الأساسي شركة “الجُنيد للأنشطة المتعددة المحدودة”، وهي شركة قابضة خاصة تأسست عام 2009 ومقرها الرئيسي في العاصمة الخرطوم، تسيطر عليها بشكل مباشر عائلة دقلو بقيادة عبد الرحيم دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي”، بينما يتربع حميدتي نفسه على مجلس إدارتها بحسب وثائق الشركة التي كشفها تحقيق استقصائي أجرته منظمة Global Witness البريطانية، وتدير هذه الشركة 11 فرعاً على الأقل في مختلف أنحاء البلاد، ويمتد نشاطها التجاري من الخرطوم إلى دارفور، عاملة بصفة أساسية في قطاعات التعدين والإنشاءات والنقل وإنشاء الطرق والجسور (الجزيرة نت، 2025). وقد كشفت وكالة رويترز للأنباء في تحقيق نُشر أواخر نوفمبر 2019 عن دور حميدتي وعائلته في السيطرة على مناجم وتجارة الذهب في السودان، مؤكدة أن شركة الجُنيد كانت تتجاوز قواعد البنك المركزي السوداني الخاصة بتصدير الذهب وتبيعه للبنك المركزي نفسه بسعر تفضيلي يمنحها امتيازاً احتكارياً واضحاً (الجزيرة نت، 2025). ولا تعمل الجُنيد وحدها في هذا المجال، إذ تتخفى وراء أسماء أخرى داخل السودان وخارجه، أبرزها شركة “Al Gunade for Mining Waste Treatment” الفرعية التي تدير مصنعاً لمعالجة مخلفات التعدين في منطقة سونغو، وتشتري المواد الخام مباشرة من المعدّنين الحرفيين هناك (نون بوست، 2026). وقد وثّقت وزارة الخزانة الأمريكية امتداد هذه الشبكة عبر واجهات أخرى، أبرزها شركة “تريدايف جينرال ترايدينغ” (Tradive General Trading L.L.C.) في الإمارات العربية المتحدة، التي يديرها الرائد ألجوني حمدان دقلو، أحد كبار ضباط الدعم السريع (US Department of the Treasury, 2026). كما كشف تقرير صادر عن منظمة “ذا سنتري” في أكتوبر 2025 عن شبكة من الشركات التجارية أقامتها قوات الدعم السريع في دولة الإمارات العربية المتحدة، تستغل واجهات تعمل في مجالات الذهب والتجارة العامة والاستشارات لتأمين التمويل لأنشطة القوات، تُدار من مقربين من حميدتي وتشكل مجتمعة ما وصفه التقرير بـ”المجمع الصناعي – العسكري” الموازي، وسلّط التقرير الضوء على رجل الأعمال مازن فضل الله الذي لعب دوراً بارزاً في شراء مئات سيارات “تويوتا” وتحويلها إلى مركبات عسكرية تكتيكية، إضافة إلى مشاركته في شركات تجارة الذهب في دبي (صوت الهامش، 2025). وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أحد أبرز الوسطاء في هذه الشبكة، أبو ذر عبد النبي حبيب، المقيم في دبي والذي وصفه أحد التقارير بأنه “حلقة وصل مهمة” بين شبكة آل دقلو والسوق الإماراتية، معتبرة أن الكيانات المرتبطة به وفرت دعماً مالياً ولوجستياً لشبكات الدعم السريع (غد نيوز، 2026؛ US Department of the Treasury, 2026). ومن الأسماء الأخرى المدرجة على قوائم العقوبات المرتبطة بهذه الشبكة، شركة “جي إس كيه للأعمال المتقدمة”، إلى جانب الجُنيد نفسها (سودان الآن، 2025).

وإلى جانب هذه المنظومات الثلاث الكبرى، تبرز أسماء أخرى تتكرر بإلحاح في التحقيقات والأدبيات المتخصصة، من أبرزها شركة “زادنا الدولية للاستثمار المحدودة”، وهي تكتل إنشائي وتعديني كبير الحجم، توصفه بعض التقارير البحثية الأمريكية بأنه إما مملوك مباشرة للحكومة السودانية أو مملوك بشكل غير مباشر عبر شركات أخرى تسيطر عليها الدولة، ويعمل في قطاع التعدين واستخراج الذهب عبر حصص مباشرة في عدة مناجم من أبرزها منجم أرباب (منتدى الدفاع الأفريقي، 2024؛ سودانايل، 2026هـ). ويُضاف إليها بنك أم درمان الوطني، الذي يوصف بأنه يحظى بحماية خاصة من البنك المركزي السوداني ويمتلك أكبر رأسمال بين البنوك التجارية العاملة في السودان، وتحتفظ الغالبية العظمى من منسوبي المؤسسة العسكرية بحساباتهم المصرفية فيه تحديداً، ما يجعله عصباً مالياً رئيسياً وحيوياً لكامل هذه المنظومة (العربي الجديد، 2021). وعلى صعيد الشركات المستردة من الحركة الإسلامية، برزت أسماء أخرى مثل “شافكو للتنمية” و”نعائم للاستثمار” و”فيحاء للتحويلات المالية” و”البداية للإنتاج الزراعي”، إلى جانب “حسان والعابد” و”الخرطوم للطرق والجسور” ضمن قوائم الشركات التي استردتها لجنة إزالة التمكين بوصفها واجهات اقتصادية موثقة للحركة (سكاي نيوز عربية، 2026).

الفصل السابع: رأس المال والقوى العاملة والإنتاج والملكية والأرباح بالدولار الأمريكي

تفتقر هذه المنظومة، بحكم طبيعتها الأمنية المغلقة وغياب أي التزام إفصاحي حقيقي عنها، إلى بيانات مالية معلنة ومدققة بشكل مستقل ومنهجي، غير أن جملة من التقديرات الموثوقة الصادرة عن مؤسسات بحثية وحكومية دولية متخصصة تتيح مع ذلك رسم صورة تقريبية معقولة لحجمها المالي الفعلي. فمن حيث الإنتاج والإيرادات، تشير وثائق العقوبات الأمريكية الصادرة عن وزارة الخزانة إلى أن “نظام الصناعات الدفاعية”، بوصفه أكبر مؤسسة دفاعية في السودان، يُولّد عائدات سنوية تُقدَّر بنحو 2 مليار دولار أمريكي، وذلك عبر شبكة تضم مئات الشركات التابعة العاملة في قطاعات متعددة من الاقتصاد السوداني، وهو الرقم الذي أكدته أيضاً بشكل مستقل منصة “أوبن سانكشنز” المتخصصة في رصد بيانات العقوبات الدولية، استناداً إلى بيانات تعود إلى عام 2020 تحديداً، والتي وصفت هذا النظام بأنه يُصنّع ويورد للقوات المسلحة السودانية مجموعة واسعة من المعدات العسكرية بما فيها الأسلحة والذخائر والطائرات والمركبات العسكرية المستخدمة مباشرة في الصراع الدائر (US Department of the Treasury, 2026؛ OpenSanctions, n.d.). أما من حيث القوى العاملة، فلا تتوفر أرقام إجمالية موحدة ومدققة لكامل المنظومة، لكن تقارير محلية سودانية تشير إلى أن منظومة الصناعات الدفاعية تمتلك ما وصفته بـ”فائض من الكوادر العاملة” في المنظومة العسكرية يمكن توجيهه، وفق تصريحات مسؤولين فيها، نحو مشروعات زراعية وحيوانية موازية لتحسين النسل في السلالات الحيوانية والنباتية، في إشارة ضمنية إلى ضخامة القوة العاملة المرتبطة بهذه المنظومة والتي تفوق بوضوح حاجة الإنتاج العسكري البحت وحده (صحيفة الصيحة، 2021). وفي السياق ذاته، وظّفت شركة الجُنيد وحدها آلاف العمال في مصانعها المتخصصة في معالجة مخلفات التعدين في مناطق مثل سونغو بإقليم دارفور، وذلك في إطار عملياتها التعدينية الواسعة (نون بوست، 2026).

ومن حيث هيكل الملكية، تتسم هذه الشركات جميعاً بنمط ثابت يمكن وصفه بـ”الملكية المُخفاة” أو “الملكية المُقنَّعة”، وهو ما يصفه الباحثون بأنه آلية مقصودة ومنهجية للتحايل على المساءلة القانونية والمالية والإفلات من العقوبات الدولية، حيث تُسجَّل حصص الملكية باسم أفراد أو منظمات غير ربحية أو شركات وسيطة لا تظهر فيها أي صلة مباشرة أو ظاهرة بالمؤسسة الأمنية أو العسكرية الفعلية المسيطرة عليها، مع امتداد هذه الشبكات المالية إلى مكاتب خارجية موزّعة في دول عدة أبرزها دبي وتركيا وماليزيا وروسيا والصين وقطر، وجميعها مُسجَّلة بأسماء شركات أو أشخاص لا صلة ظاهرة لهم بالجيش السوداني، وهو ما يشكل بحسب تحقيقات محلية موثوقة “شبكة مالية خارجية موازية تعمل بعيداً عن أي رقابة مصرفية أو قانونية” حقيقية (سودانايل، 2026و). وقد اعتمد مركز C4ADS الأمريكي المتخصص في تحليل البيانات وشبكات الفساد على 408 شركة مملوكة للدولة السودانية جرى رصدها استناداً إلى بيانات مقدَّمة من وزارة المالية السودانية، ومن لجنة تفكيك التمكين قبل انقلاب 2021، ومن تحقيقات مستقلة إضافية، وخلص الباحثون إلى أن الحكومة السودانية تُخفي عمداً ملكيتها لهذه الشركات كوسيلة رئيسية للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة، عبر ما وصفه التقرير بـ”خصخصة” شكلية تُنقل بموجبها ملكية هذه الشركات إلى منظمات غير ربحية وكيانات أخرى يسيطر عليها في نهاية المطاف مسؤولون حكوميون أو أشخاص مرتبطون سياسياً بالنظام، وأوضحت هياكل الملكية المدروسة أن شركات مثل “أو إن بي” وتكتل الإنشاءات الكبير “زادنا الدولية للاستثمار المحدودة” إما تخضع لسيطرة حكومية مباشرة أو غير مباشرة عبر شركات أخرى تسيطر عليها الدولة بالكامل، وخلص التقرير إلى أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان بات يتربع على قمة شبكة من هذه الشركات الحكومية التي تسيطر، وفق تقدير التقرير، على نحو 85% من الاقتصاد السوداني الإجمالي، لتعود الفائدة النهائية من هذه السيطرة إلى البرهان نفسه وإلى نخب عسكرية وسياسية متمكّنة الصلة به (Africa Defense Forum, 2024). ومع ذلك، فإن هذا الرقم الأخير المتعلق بنسبة 85% يحتاج إلى قراءة حذرة ومنهجية نظراً لصعوبة التحقق المستقل الكامل من نسب دقيقة كهذه في اقتصاد يهيمن عليه إلى حد بعيد القطاع غير الرسمي وتنعدم فيه أصلاً الشفافية المحاسبية الرسمية.

أما فيما يخص الأرباح المحققة تحديداً من قطاع الذهب، فتشير تحقيقات منظمة “ذا سنتري” (The Sentry) الأمريكية المتخصصة في تعقب الشبكات المالية المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وهي منظمة تحقيقية وسياساتية غير ربحية أسسها من بين آخرين الممثلون الأمريكيون جورج كلوني ودون تشيدل ومات ديمون وبراد بيت، إلى أن شركة الجُنيد استفادت مباشرة من احتكار منحها إياه البنك المركزي السوداني لشراء الذهب من المعدّنين الحرفيين بأسعار تفضيلية منخفضة، ثم إعادة بيعه للبنك المركزي نفسه بسعر تفضيلي مرتفع نسبياً مقارنة بسعر الشراء، مع دفعها في المقابل جزءاً صغيراً فقط من تلك العائدات الضخمة كضرائب مستحقة للدولة (The Sentry, cited in نون بوست، 2026؛ Wikipedia contributors, n.d.). وفي أبريل 2026 تحديداً، كشف تقرير لاحق صادر عن المنظمة ذاتها أن أقارب حميدتي وشركاءه المقربين يمتلكون مجتمعين محفظة عقارية فاخرة في إمارة دبي تُقدَّر قيمتها الإجمالية بنحو 24 مليون دولار أمريكي، وتتألف من أكثر من 20 عقاراً مختلفاً، فيما أشارت صحيفة الغارديان البريطانية، في تحقيق مستقل مواز، إلى محفظة مماثلة بقيمة 17.7 مليون جنيه إسترليني تشمل بشكل خاص فيلا فاخرة في مجمع سكني راقٍ قرب مضمار سباق الخيل “ميدان”، إضافة إلى شقق وأراضٍ سكنية أخرى، من بينها قطعة أرض تقع بالقرب من نادي ترامب للجولف، وشقة سكنية في برج خليفة الشهير، مع إشارة صريحة من التقرير إلى أن بعض هذه الأصول العقارية انتقلت ملكيتها عبر شركات عقارية يديرها أشخاص خاضعون فعلياً لعقوبات أمريكية مفروضة عليهم (غد نيوز، 2026). وعلى مستوى التدفقات الكلية للذهب المصدَّر، وهو مؤشر غير مباشر لكنه بالغ الدلالة على حجم هذا الاقتصاد، لوحظ ارتفاع لافت في واردات الإمارات المسجلة رسمياً من الذهب السوداني، من نحو 17 طناً فقط في عام 2023 إلى نحو 29 طناً في عام 2024 في ظل استمرار الحرب، وهو ما يعكس بوضوح تضخم القيمة الدولارية الفعلية لهذا الاقتصاد الموازي على الرغم من الانهيار شبه الكامل للاقتصاد السوداني الرسمي في الفترة نفسها (مركز حضارة، 2026).

الفصل الثامن: الدوافع والمبررات والمحددات النظرية — من نظرية هنتنغتون إلى إطار السوق السياسي

يمكن ردّ الدوافع الكامنة وراء هذا التمدد الاقتصادي غير المسبوق للمؤسسة العسكرية والأمنية السودانية إلى مستويات متعددة ومتشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض. فعلى المستوى المالي المباشر، برّرت المؤسسة العسكرية تاريخياً نشاطها التجاري الواسع بضرورة تمويل احتياجات منسوبيها من “استقطاعات” ورعاية اجتماعية مستقلة عن الميزانية العامة المتعثرة أصلاً، وهو ما عبّر عنه صراحة مسؤولون عسكريون سودانيون رفيعو المستوى، من بينهم الفريق ياسر العطا، بوصفها امتيازات مالية مستحقة لمنسوبي القوات المسلحة السودانية (القدس العربي، 2020). أما على المستوى السياسي الأعمق، فقد شكّل هذا الاقتصاد أداة تمكين ممنهجة ومتعمدة لتوسيع النفوذ السياسي للحركة الإسلامية السودانية عقب انقلاب 1989، بحيث تحولت شركات بأكملها إلى أذرع تمويل حزبية وتنظيمية فعلية تعمل تحت غطاء الزي العسكري الرسمي، بينما هي في جوهرها، كما تصفها إحدى التحقيقات الاستقصائية الأكثر جرأة في هذا الملف، “مؤسسة إسلامية بالكامل لا علاقة لها بالجيش الوطني إلا في المظهر الخارجي فقط” (سودانايل، 2026و)، وهو ادعاء ينبغي مع ذلك التعامل معه بحذر منهجي، بوصفه شهادة صادرة عن مصدر فردي سابق العمل داخل هذه المنظومة تحديداً، ويحتاج إلى مزيد من التحقق المستقل نظراً لاحتمال تضارب المصالح الكامن في مثل هذه الإفادات الشخصية.

ويمكن أيضاً الاستعانة بإطار نظري أوسع مستمد من أدبيات العلاقات المدنية العسكرية المقارنة، وعلى رأسها نظرية صامويل هنتنغتون الكلاسيكية حول محددات وأنماط تدخل المؤسسات العسكرية في الحياة السياسية والاقتصادية للدول النامية، وهي نظرية تشير إلى أن تدنّي مستوى التنمية الاقتصادية في بعض المجتمعات يدفع المؤسسة العسكرية إلى اللجوء لأعمال تدخلية بهدف “حماية الأمة” من خطر التدهور والانهيار الاقتصادي، وذلك عبر آليتين رئيسيتين: الأولى تقديم النقد المباشر للمؤسسات المدنية بشأن تدني معدلات النمو وعجزها عن معالجة مظاهر القصور الاقتصادي، والثانية المبادرة بطرح سياسات بديلة تستعين فيها المؤسسة العسكرية بمؤيديها بهدف تقديم نموذج بديل “ناجح” لإدارة اقتصاديات البلاد، وهو نمط ينطبق بدرجات متفاوتة على حالات عدة من بينها باكستان وإندونيسيا وتايلند وتركيا ومصر والسودان (المركز العربي للبحوث والدراسات، بدون تاريخ). وقد يتحول هذا النمط تدريجياً إلى ما يصفه بعض الباحثين بـ”نموذج الجيش الحارس للتوازن الاجتماعي”، حيث تنتمي قيادات وكوادر المؤسسة العسكرية إلى طبقة اجتماعية معينة محدَّدة مع احتفاظها بدور حاسم في حسم الصراعات السياسية دون إخلال جوهري بالتوازن الاجتماعي القائم، ويمتد تأثيرها آنذاك إلى ما هو أبعد من المجالات السياسية والدفاعية البحتة، ليشمل أنشطة اقتصادية واجتماعية وإعلامية واسعة (المركز العربي للبحوث والدراسات، بدون تاريخ).

غير أن الإطار التحليلي الأكثر ملاءمة تحديداً لتفسير الحالة السودانية المعاصرة يبقى إطار “السوق السياسي” (political marketplace framework) الذي طوّره الباحث والمؤرخ أليكس دي وال، مدير برنامج البحوث في مؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأمريكية، والذي يستند إلى ثلاثة عقود من الخبرة الميدانية المباشرة لدي وال في السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال، بما في ذلك مشاركته الفعلية كطرف في محادثات سلام رفيعة المستوى. ويصف هذا الإطار “السوق السياسي” بأنه منطق للسياسة النقدية التبادلية، لا يمثل وحده المنطق الوحيد الفاعل في المشهد السوداني، إذ تلعب سياسات الهوية والمقاومة المدنية والعنف المسلح أدواراً موازية لا يمكن إغفالها، لكنه يظل المنطق المهيمن الذي يُرجَّح أن يستمر في التغلب على ما عداه في السياق السوداني المعقد (World Peace Foundation, n.d.). وبحسب هذا الإطار، فإن قادة الدول من هذا النوع يديرون حكوماتهم ويدرون أعمالهم التجارية ويخوضون حروبهم بل ويصنعون سلامهم أحياناً وفق “نموذج أعمال” واضح، يضمنون بموجبه تأمين أموال لميزانياتهم السياسية الخاصة يستخدمونها لاستئجار الولاءات المؤقتة والمتحولة لضباط الجيش وقادة الميليشيات وشيوخ القبائل ومسؤولي الأحزاب بأسعار السوق السائدة (World Peace Foundation, n.d.). وقد شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1999 و2011، بحسب هذا التحليل، توطّداً لنظام اقتصادي سياسي ريعي محسوبي، يعتمد أساساً على عائدات النفط، عمل مركزياً على شكل كليبتوقراطية مركزية في قلب العاصمة الخرطوم وما حولها، بينما عمل في “الأطراف البعيدة” – جنوب السودان ودارفور والمنطقتين – كسوق سياسي تنافسي أكثر انفتاحاً، وشكّل النفط أساساً لطفرة “سلام الرواتب” التي أدخلت مئات الآلاف من الموظفين إلى قوائم الخدمة المدنية والعسكرية معاً (De Waal, 2021). ومع فقدان جنوب السودان وانفصاله عام 2011، وما تبعه من خسارة السودان الشمالي لثلث أراضيه وربع سكانه ونحو 90% من عائداته بالعملة الصعبة، اضطرت النخبة الحاكمة إلى تمكين ميليشيا الجنجويد، المعاد تنظيمها لاحقاً كقوات الدعم السريع، بوصفها قوة حماية للنظام، وكوفئت هذه القوات بامتيازات تجارية شملت السيطرة على مناجم الذهب الحرفية وتأجير قواتها كمرتزقة في اليمن، وهو ما لم يحل المشكلة الاقتصادية الأساسية للنظام، بل أسهم بالمقابل في اندلاع الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالحكومة، بينما غذّى في الوقت ذاته صعود قوة منافسة جديدة قادرة على تحدي المؤسسة العسكرية التجارية القائمة في الخرطوم (E-International Relations, 2026). وبحلول اللحظة الراهنة، يصف دي وال بوضوح شديد أن الفريق حميدتي بات يُخضع الحكومة السودانية بأكملها لأعماله التجارية المرتزقية وتجارة الذهب العابرة للحدود، وطالما استمرت هذه الهرمية القائمة على القوة، فلن يتمكن السودان من تحقيق أي استقرار اقتصادي حقيقي أو انتقال ديمقراطي فعلي، مشيراً إلى أن أي إصلاح تقني حقيقي لهذا الاقتصاد يتطلب أولاً كسب معركة سياسية شاملة، عبر تجميع القطاع الخاص والرعاة الإقليميين في الشرق الأوسط والجهات المانحة الدولية والمؤسسات المالية الدولية حول خطة موحدة، وهو أمر يستلزم بدوره سيطرة فعلية من وزارة مالية وتخطيط اقتصادي قوية على السياسة المالية والنقدية، وتحويل البنك المركزي السوداني إلى أداة لحكومة تكنوقراطية حقيقية بدلاً من كونه “داراً لسك العملة” لصالح الفصيل المهيمن آنياً على السلطة (World Peace Foundation, n.d.). ومن المحددات الإقليمية المهمة الأخرى التي عمّقت هذا النمط الاقتصادي، الطلب الخارجي المتصاعد على الذهب السوداني تحديداً من دول مثل الإمارات العربية المتحدة، والذي وفّر قنوات تصدير وتهريب واسعة ومستمرة ساهمت في ترسيخ الاقتصاد الموازي لدى طرفي الصراع على حد سواء (مركز حضارة، 2026). وعلى صعيد الصناعات الدفاعية تحديداً، شكّل احتياج المؤسسة العسكرية السودانية الملحّ للتصنيع الذاتي للسلاح، في ظل موجات متكررة من العقوبات الدولية المفروضة منذ التسعينيات، حافزاً موضوعياً إضافياً وراء بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية استعانت بخبرات ومعدات صينية على وجه الخصوص، ما مكّن السودان بالفعل من إعادة إنتاج دبابات صينية الطراز محلياً وتطوير قدرات تصنيع طائرات ذاتية.

الفصل التاسع: التجليات والتداعيات — اقتصاد الحرب والانقسام النقدي والإنساني (2023-2026)

تتجلى التداعيات الأكثر وضوحاً وإيلاماً لهذا الاقتصاد العسكري والأمني في الانقسام الفعلي، لا الرمزي فقط، للسودان إلى فضاءات اقتصادية ونقدية متوازية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فمنذ مطلع عام 2026، تبنّت الإدارة المدنية لقوات الدعم السريع، بالتعاون مع تحالف “تأسيس” السياسي الذي تقوده هذه القوات، خطوات عملية ومتسارعة لبناء نظام مصرفي مواز ونظام مالي مستقل بالكامل يشمل فرض جمارك خاصة على الحركة التجارية، ودفع مرتبات لموظفي الإدارات المحلية التابعة له، وتداول أوراق نقدية بمعزل تام عن سلطة البنك المركزي السوداني الرسمي في بورتسودان، بل وأنشأت في 21 مايو 2026 تحديداً ما يشبه بنكاً مركزياً موازياً كامل الصلاحيات، عُرف بـ”المجلس الانتقالي للعملة”، ومقره مدينة نيالا بإقليم دارفور، وعيّنت له محافظاً رسمياً هو المحافظ الأسبق للبنك المركزي حسين جنقول (الجزيرة نت، 2026؛ Wikipedia contributors, 2026a). وقد حظرت السلطة الموازية في دارفور، في مرحلة سابقة على هذا التطور، تداول الفئات الورقية للجنيه السوداني التي تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي الحالي برعي الصديق علي أحمد، بينما سمحت في المقابل بتداول الفئات القديمة الموقعة من المحافظ الأسبق حسين جنقول نفسه والصادرة قبل يونيو 2024، قبل أن تكلفه لاحقاً برئاسة هذا “البنك الموازي” في نيالا رسمياً (الجزيرة نت، 2026).

وفي المقابل، وفي إطار ما وصفه أحد المسؤولين في البنك المركزي بأنه سعي لمنع الطرف الآخر من إقامة اقتصاد موازٍ كامل خارج النظام المصرفي الرسمي لتأمين معاملاته المالية ومنع التصرف في الأموال المنهوبة أو غسلها أو تداولها بحرية، لجأت الحكومة المدعومة من الجيش، بدءاً من عام 2024 وتصاعدياً حتى مايو 2026، إلى تنفيذ عملية واسعة النطاق لاستبدال متكرر لفئات العملة الورقية المتداولة، شملت في مرحلتها الأخيرة فئتي 500 و1000 جنيه سوداني، معلنة أن الأوراق النقدية القديمة المستهدفة بالاستبدال لم تعد “مبرئة للذمة” رسمياً في الولايات الخاضعة لسيطرتها؛ غير أن هذه العملية لم تشمل قط المناطق الخاضعة فعلياً لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث اتخذ الصراع مساراً معاكساً تماماً عبر ما وصفه أحد الخبراء الاقتصاديين المتخصصين بأنه بوادر واضحة لظاهرة “الاقتصاد المزدوج” في السودان، حيث تُدار بعض المناطق من قبل قوات الدعم السريع بأنظمة مالية موازية شاملة تفرض جمارك خاصة، وتدفع مرتبات، وتتداول أوراقاً نقدية خاصة بها بمعزل تام عن سلطة البنك المركزي الرسمي، في وقت لجأت فيه بعض المناطق الحدودية المتاخمة لدول الجوار – تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا وجنوب السودان – إلى التعامل التجاري والتبادل السلعي مباشرة بالدولار الأمريكي كعملة مرجعية أساسية (سودان تربيون، 2026). ويرى خبراء اقتصاديون سودانيون متخصصون أن اجتماع أربعة عناصر متزامنة – عملة تُقبل في منطقة جغرافية ولا تُقبل في منطقة أخرى مجاورة، وسلطة نقدية موازية تصدر العملة وتدير تداولها، ونظام مصرفي أو مالي موازٍ كامل، وسعر صرف مختلف جوهرياً وفق منطقة السيطرة الفعلية – بات يقترب بشكل خطير من حالة انقسام نقدي فعلي وحقيقي للسودان، حتى وإن ظل اسم “الجنيه السوداني” واحداً رسمياً على الورق فقط، وتصبح المشكلة أكبر بكثير إذا استمر كل طرف في بناء سعر صرف خاص به وربط الأسعار والرواتب والضرائب والتجارة بأكملها بالعملة الخاضعة لسيطرته المباشرة (دارفور24، 2026).

وعلى الصعيد الاقتصادي الكلي والإنساني الأوسع، أسهم تحوّل هذا الاقتصاد العسكري والأمني إلى إطار حاكم لكامل الحياة الاقتصادية السودانية – لا مجرد عامل طارئ يؤثر عليها من الخارج – في تفكيك تدريجي ومتسارع لأهم ركائز الاقتصاد الوطني السوداني؛ إذ تراجعت الزراعة بشكل حاد، وتسرّبت موارد التعدين، وبخاصة الذهب، إلى خارج القنوات الرسمية للدولة بشكل شبه كامل، وتعطلت سلاسل الإنتاج والتوزيع في مختلف القطاعات، فيما واصل الجنيه السوداني رحلة هبوط غير مسبوقة تاريخياً أمام العملات الأجنبية الرئيسية، في وقت لم تعد فيه الحرب عاملاً طارئاً يؤثر في الاقتصاد بقدر ما تحولت إلى الإطار الحاكم الذي يُدار داخله الاقتصاد السوداني بأكمله، بحيث انقسمت السوق الوطنية فعلياً إلى مساحات اقتصادية محلية منفصلة تحكمها موازين القوة العسكرية على الأرض أكثر بكثير مما تحكمها أي قوانين اقتصادية منطقية ومتسقة (سودانايل، 2026ز؛ مصر 360، 2026). وقد حذّرت منظمات دولية وإنسانية من أن اقتصاد الحرب هذا لا يستنزف الموارد الوطنية الشحيحة أصلاً فحسب، بل يحرم عملياً ملايين المواطنين السودانيين من خدمات أساسية حيوية كالصحة والتعليم بسبب توجيه الموارد المتاحة أصلاً لدعم القوى العسكرية المتصارعة بدلاً من الخدمات المدنية، ويؤدي في الوقت نفسه إلى صعوبة بالغة في الوصول لأي حل سلمي شامل للنزاع، نظراً لوجود أطراف عديدة تستفيد مالياً وتجارياً بشكل مباشر من استمرار هذا الوضع القائم لا من إنهائه (دبنقا، 2026)، وهو ما يتقاطع تماماً مع ما وثّقته منظمة C4ADS الأمريكية من أن شبكة الشركات المرتبطة بـ”نظام الصناعات الدفاعية” باتت مصدر تمويل رئيسي لاستمرار المجهود الحربي للجيش عبر شراء الأسلحة والذخائر ومواد التصنيع الأولية من موردين خارجيين متعددين، من بينهم إيران وروسيا والصين والهند وتركيا (C4ADS, 2025). وبحلول سبتمبر 2026، أفادت تقارير من داخل السودان بأن الجهود الإنسانية والدبلوماسية باتت تواجه اختباراً حرجاً للغاية مع استمرار التصعيد العسكري وتفاقم الأوضاع المعيشية، وسط تحذيرات أممية متكررة من انهيار وشيك في سلاسل الإمداد الغذائي والخدمي، ونقص حاد في التمويل الإنساني يهدد بتوقف المساعدات المقدَّمة لملايين النازحين واللاجئين السودانيين (سودان تربيون، 2026ب).

الفصل العاشر: الإصلاح أم الخصخصة أم الإبقاء؟ الجدل الوطني والتجارب الدولية المقارنة

يمثل مصير هذه المنظومة الاقتصادية العسكرية والأمنية أحد أكثر الملفات جدلاً وحساسية في النقاش السياسي والاقتصادي السوداني منذ ثورة ديسمبر 2019 وحتى اليوم. وفي غياب أي أفق واضح لإصلاح جذري وشامل في ظل استمرار الحرب الدائرة، تتوزع الخيارات المطروحة نظرياً على الساحة السودانية بين ثلاثة مسارات رئيسية متمايزة: المسار الأول هو الإصلاح التدريجي عبر إخضاع هذه الشركات لرقابة مالية مدنية صارمة وشفافة، مع الإبقاء على الملكية العسكرية للصناعات الدفاعية البحتة ذات الصلة المباشرة بالتصنيع العسكري وحده، وهو النموذج الذي حاولت تسوية مارس 2021 بين حكومة حمدوك ومنظومة الصناعات الدفاعية تطبيقه قبل أن يُجهضه انقلاب أكتوبر من العام نفسه. والمسار الثاني هو الخصخصة الكاملة أو الجزئية لهذه الشركات عبر طرح حصص منها كشركات مساهمة عامة مطروحة للاكتتاب، وهو ما لجأت إليه بالفعل منظومة الصناعات الدفاعية عملياً حين أعلنت خطة لطرح خمس من شركاتها الرابحة تحديداً في قطاعات اقتصادية حيوية متعددة كشركات مساهمة عامة، سعياً منها لتحسين صورتها العامة ورفد الاقتصاد الوطني المتعثر بشركات مربحة فعلياً، على أن تُشترط ربحية هذه الشركات المطروحة حتى لا تتحول إلى عبء إضافي على وزارة المالية المرهقة أصلاً، بحسب ما رآه محللون اقتصاديون سودانيون معلّقون على هذه الخطوة (صحيفة الصحافة، 2022). أما المسار الثالث فهو الإبقاء على الوضع القائم دون أي تغيير جوهري، بذريعة “ضعف المكوّن المدني” في إدارة دفة الدولة السودانية، وهي الحجة التي استمر خبراء ماليون سودانيون متخصصون في دحضها بشكل منهجي، بالإشارة الصريحة إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية تمتلك بالفعل من الموارد المالية والصناعية ما يكفي تماماً لإحداث انفراجة اقتصادية حقيقية وملموسة إذا أرادت ذلك فعلاً، لكنها تتمنّع عمداً عن القيام بذلك مستترة خلف حجج سياسية جاهزة (العربي الجديد، 2021). وقد أشار مختص في شؤون الأوراق المالية، هو بابكر التوم، إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية تمتلك فعلياً غالبية الصناعات الكبرى القائمة في البلاد، ومن أبرزها شركة جياد للسيارات، ورغم أن واجهتها التجارية الظاهرة تبدو مختلفة ومستقلة، فإنها في الأساس تتبع بشكل مباشر للمؤسسة العسكرية نفسها (العربي الجديد، 2021).

وتقدم التجارب الدولية المقارنة الثلاث – المصرية والباكستانية والصينية – دروساً بالغة الأهمية والفائدة لهذا الجدل السوداني المحتدم. ففي مصر، توسّع الاقتصاد العسكري بشكل كبير جداً وغير مسبوق في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر قوانين واتفاقيات متعددة تمنح الاقتصاد العسكري سيطرة بعيدة المدى تحت مسمى رسمي هو “حماية الأمن القومي” (كارنيغي، 2020). وتنقسم الشركات العسكرية المصرية من حيث تبعيتها الإدارية إلى ثلاث هيئات رئيسية كبرى: وزارة الإنتاج الحربي التي تدير نحو 20 شركة، والهيئة العربية للتصنيع التي تأسست عام 1975 بتعاون مشترك بين مصر وقطر والسعودية والإمارات لبناء قاعدة تصنيع دفاعي مشتركة قبل أن تنتقل ملكيتها الكاملة إلى مصر وحدها خلال التسعينيات، وتدير نحو 12 شركة ومصنعاً، ثم شركات وزارة الدفاع التي يتبع أغلبها “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” المؤسس عام 1979 في عهد الرئيس أنور السادات، والذي ينمو باطراد منذ ذلك الحين ليدير أكثر من 40 شركة مختلفة (مصر 360، 2023). ووفقاً لأرقام رسمية نشرها رؤساء هذه الجهات الثلاث بأنفسهم في الصحف القومية المصرية، تمتلك وزارة الإنتاج الحربي ثمانية مصانع يذهب 40% فقط من إنتاجها إلى الأسواق المدنية التنافسية، فيما تمتلك الهيئة العربية للتصنيع أحد عشر مصنعاً وشركة يذهب منها نسبة أعلى بكثير بلغت 70% من إنتاجها إلى الأسواق المدنية مباشرة، أما جهاز مشروعات الخدمة الوطنية فينحصر نشاطه بالكامل في الإنتاج والخدمات المدنية الصرفة دون أي بعد عسكري مباشر (كارنيغي، 2012). وتنخرط هذه الجهات الثلاث مجتمعة في إنتاج مجموعة واسعة ومتنوعة للغاية من السلع الاستهلاكية، تمتد من سيارات الجيب الفخمة إلى حاضنات الأطفال الطبية وأسطوانات غاز الطهي المنزلية، بل وحتى مواد غذائية استهلاكية يومية مثل المكرونة ومنتجات الدواجن واللحوم المصنعة، في منافسة مباشرة وصريحة مع القطاع الخاص المدني (كارنيغي، 2012). وقد نفى الرئيس السيسي شخصياً، في تصريح علني أدلى به في التاسع من فبراير 2023، أن تتجاوز نسبة مشاركة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وحده في الاقتصاد القومي المصري ما بين 1.5% و2% كحد أقصى تقديري، مقراً في الوقت ذاته بأن الجهاز يتمتع بميزة نسبية في القدرة على النفاذ السريع لتنفيذ القرارات مقارنة بالجهات المدنية الأخرى، دون أن يكون ذلك، بحسب تأكيده، على حساب المنافسة الحقيقية في تكلفة الإنتاج والتشغيل (مصر 360، 2023). غير أن محللين اقتصاديين مصريين آخرين يشككون علناً في دقة هذه النسبة الرسمية المعلنة، مشيرين إلى أن الجهاز يحقق زيادات هائلة ومستمرة في نشاطه الاقتصادي من خلال ما وصفوه بـ”انتزاع” العقود الحكومية العامة مباشرة من منافسيه في القطاع الخاص بدلاً من رفع إنتاجيته الفعلية عبر آليات السوق التنافسية العادية، وكان بعض الخاسرين الرئيسيين من هذا النمط شركات قطاع خاص مصرية أصيلة (مصر 360، 2023).

وفي المقابل، تمثل التجربة الباكستانية نموذجاً مغايراً بعض الشيء من حيث الحجم النسبي والبنية المؤسسية، إذ يدير الجيش الباكستاني اليوم نحو 50 كياناً تجارياً مختلفاً، وتُعدّ “مؤسسة فوجي” (Fauji Foundation)، ومعنى كلمة “فوجي” بالأردية هو “جندي”، الذراع التجارية الأساسية والأكبر لهذا الاقتصاد العسكري الباكستاني، وهي مجموعة تكتلات شركات ناشطة في قطاعات متنوعة تشمل الأسمدة الزراعية والأسمنت والصناعات الغذائية وتوليد الطاقة الكهربائية والتنقيب عن الغاز الطبيعي وتسويق وتوزيع غاز البترول المسال والخدمات المالية والمصرفية والخدمات الأمنية الخاصة، وقد أُنشئت هذه المؤسسة رسمياً وشركاتها التابعة كافة لتوفير فرص عمل مباشرة للأفراد العسكريين الباكستانيين السابقين، ولتوليد أموال مخصصة لرعاية أرامل وأسر الجنود والشهداء الباكستانيين (ويكيبيديا العربية، بدون تاريخ). ووفقاً لكتاب بحثي أصدرته الأكاديمية الباكستانية عائشة صديق (Ayesha Siddiqa) بعنوان “Military Inc.”، فإن بالإمكان فعلياً رؤية مؤسسات اقتصادية مملوكة بالكامل للجيش الباكستاني في أي شارع رئيسي بالمدن الباكستانية الكبرى، بدءاً من المخابز الصغيرة والمتاجر التجارية، مروراً بالبنوك التجارية وشركات التأمين، وصولاً حتى إلى الجامعات الأكاديمية، كما يمتلك الجيش الباكستاني ثلث الصناعات المعدنية الثقيلة في البلاد بأكملها، وهو ما يجعله يمتلك مجتمعاً نحو 7% من إجمالي الأصول الخاصة المسجلة في باكستان، مستثمراً في مصانع السكر واكتشافات حقول الغاز الطبيعي والبترول وشركات الأمن الخاص أيضاً (الوطن، 2019). وقد رفعت مؤسسة فوجي حجم رأسمالها المسجل، وفقاً لموقعها الرسمي، إلى نحو 500 مليون دولار أمريكي في عام سابق، وتقدّم المؤسسة مساعدات اجتماعية ومالية مباشرة لنحو 9.6 مليون شخص، أي ما يعادل تقريباً 7% من إجمالي سكان باكستان (النيلين، 2020). ومن أبرز الأصول المصرفية المرتبطة بهذه المنظومة “بنك عسكري” (Askari Bank)، وهو بنك تجاري باكستاني مُدرَج في بورصة باكستان تأسس رسمياً في التاسع من أكتوبر 1991، وتمتلك “اتحاد فوجي” (Fauji Consortium) حصة مسيطرة فيه بلغت 71.91% من أسهمه، وسجّل هذا البنك في عام 2025 إيرادات بلغت نحو 105.18 مليار روبية باكستانية، أي ما يعادل نحو 380 مليون دولار أمريكي، بإجمالي أصول بلغ نحو 2.89 تريليون روبية، أي ما يعادل نحو 10 مليارات دولار أمريكي، وعدد موظفين بلغ 9163 موظفاً حتى ذلك العام (Wikipedia contributors, n.d.). ويستفيد الجيش الباكستاني، وفق تحليل نشرته منصة إعلامية متخصصة، من “العذر المثالي” الذي يمثله العبء الاقتصادي الضخم الذي يشكله على موارد البلاد، إذ يخلق الجيش نفسه الطلب على خدماته الأمنية الخاصة، على غرار “إتاوات الحماية” التي تفرضها منظمات إجرامية منظمة، فيما حكم الجيش الباكستاني البلاد مباشرة عسكرياً خلال ما يقرب من نصف فترة وجوده كدولة مستقلة البالغة 72 عاماً حتى وقت نشر ذلك التحليل (ندى الصبي، 2019).

أما التجربة الصينية فتبرز كنموذج مغاير جوهرياً ومختلفاً تماماً عن كل من النموذجين المصري والباكستاني، ويعتبرها كثير من الباحثين النموذج الأكثر إثارة للاهتمام والأجدر بالدراسة المعمقة من الحالة السودانية تحديداً؛ إذ بعد أن سُمح لجيش التحرير الشعبي الصيني بالتوسع التجاري الواسع تعويضاً له عن تراجع كبير في مخصصاته الدفاعية الرسمية مع بدء سياسة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي في الصين أواخر سبعينيات القرن الماضي في عهد الزعيم دنغ شياو بينغ، امتلك جيش التحرير الشعبي خلال سنوات قليلة نسبياً آلاف الشركات التجارية التي امتدت لتشمل قطاعات النقل والاتصالات والفنادق والزراعة والتصنيع والتجارة الداخلية والخارجية على حد سواء، حتى أصبح واحداً من أكبر التكتلات الاقتصادية في الصين بأكملها، وقد استند هذا التوسع الاقتصادي الواسع إلى اعتبارات مالية وسياسية مرتبطة مباشرة بمرحلة الإصلاح الاقتصادي الشاملة التي كانت تشهدها الصين، ولم يكن مجرد خيار اقتصادي منفصل عن السياق العام للدولة الصينية في تلك المرحلة التاريخية بالذات (سودانايل، 2026ح). غير أن القيادة الصينية، وتحديداً في عهد الرئيس جيانغ زيمين الذي تولى رئاسة جمهورية الصين الشعبية رسمياً من 27 مارس 1993 حتى 15 مارس 2003، ورأس أيضاً اللجنة العسكرية المركزية للحزب الشيوعي الصيني، اتخذت في عام 1998 تحديداً قراراً سياسياً تاريخياً وحاسماً بإخراج القوات المسلحة الصينية بالكامل تقريباً من كل الأنشطة التجارية المربحة التي كانت تديرها، والتي امتدت وفق أحد التوصيفات من بيع الأسلحة وصولاً حتى إلى إدارة بيوت للدعارة في بعض الحالات، ونُقلت ملكية آلاف الشركات التابعة لجيش التحرير الشعبي إلى جهات مدنية أو حكومية بديلة، وذلك ضمن عملية إعادة هيكلة مؤسسية واسعة النطاق لم يكن الهدف الأساسي منها إضعاف الجيش الصيني عسكرياً أو تفكيك صناعاته الدفاعية الحيوية، بل كان الهدف الجوهري إعادة تحديد وظيفته الأساسية الأصلية باعتباره مؤسسة احترافية بحتة مسؤولة حصراً عن الدفاع الوطني، مع تقليص حاد لتضارب المصالح البنيوي القائم بين ممارسة القوة العسكرية والانخراط المباشر في النشاط التجاري الربحي (ساسة بوست، بدون تاريخ؛ سودانايل، 2026ح). وقد وصفت دراسات أكاديمية لاحقة، من أبرزها الدراسة المرجعية للباحث تاي مينغ تشيونغ بعنوان “China’s Entrepreneurial Army” والصادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد المرموقة، هذه الخطوة الصينية الحاسمة بأنها كانت جزءاً من إصلاحات مؤسسية أوسع نطاقاً شملت أيضاً تحديث الإدارة العامة والاقتصاد الصيني ككل، وليست إجراءً منفصلاً معزولاً أو سبباً وحيداً كافياً بذاته لتفسير الصعود الاقتصادي الصيني اللاحق (سودانايل، 2026ح). وقد نظر بعض المحللين إلى هذه اللحظة الصينية أيضاً كجزء من سياق سياسي أوسع تميّز بتقليص دور الجيش في الحياة السياسية الصينية بشكل عام، والذي كان قد بدأ بالتراجع فعلياً قبل ذلك بالفعل خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث طهّر جيانغ زيمين جيش التحرير الشعبي الصيني من العناصر غير الموالية، بينما ظل المندوبون العسكريون أعضاء عاديين في مستوى قيادة المكتب السياسي، يُستشارون فقط في المسائل العسكرية البحتة دون تدخل مباشر في الشأن الاقتصادي العام (ساسة بوست، بدون تاريخ). ويرى بعض المحللين المقارنين أن البيئة الجيوسياسية المضطربة التي كانت تعيشها الصين آنذاك مكّنت قيادتها من إدراك خطورة تراجع مستوى الاحترافية العسكرية الحقيقية جراء تهافت الضباط على الخدمة داخل مشروعات الجيش التجارية المربحة بدلاً من الانخراط الجاد في ميادين التدريب العسكري القاسية، وهي ملاحظة تحمل دلالة مقارنة مباشرة وواضحة مع ما يحدث اليوم في حالات أخرى كمصر، مع الإشارة الضرورية إلى أن الجيش في الصين هو عملياً جيش التحرير الشعبي المندمج بنيوياً مع الحزب الشيوعي الحاكم نفسه، وهو ما يجعل تجربة تخارجه اللاحقة من الاقتصاد التجاري المباشر تجربة تستحق الدراسة المعمقة بشكل خاص، لأن الصين ما زالت رغم ذلك تحتفظ ببصمة كبيرة جداً للقطاع العام وللدولة عموماً في اقتصادها الوطني حتى اليوم (بوابة الحرية والعدالة، بدون تاريخ).

الفصل الحادي عشر: الفرص والتحديات، وتفنيد الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة

تكمن الفرصة الأكبر والأكثر وضوحاً في أن حجم هذه الأصول الاقتصادية العسكرية والأمنية – التي تُقدَّر بمليارات الدولارات الأمريكية وتضم مئات الشركات العاملة في قطاعات إنتاجية حيوية متنوعة – يمثل، إذا ما أُعيد تنظيمه بالكامل تحت رقابة مدنية شفافة صارمة، وخضع لمعايير الحوكمة الرشيدة الدولية المتعارف عليها، رافعة اقتصادية محتملة وحقيقية لإعادة إعمار السودان بعد انتهاء الحرب، بل وتمويل جزء كبير جداً من الموازنة العامة للدولة، التي لا تحصل اليوم إلا على شريحة ضئيلة نسبياً من الإيرادات الفعلية الإجمالية للدولة السودانية بأكملها. كما تمثل إعادة الشركات ذات الطابع المدني الصرف، غير المرتبطة أصلاً بأي وظيفة دفاعية حقيقية، إلى القطاع الخاص التنافسي الحر فرصة حقيقية لتحفيز نمو اقتصادي فعلي ومستدام، بعيداً كلياً عن الامتيازات الاحتكارية والإعفاءات الضريبية غير العادلة التي تحرم اليوم المستثمرين المدنيين السودانيين من أي منافسة اقتصادية متكافئة حقيقية (الراكوبة، 2025). غير أن التحديات القائمة أمام تحقيق أي من هذه الفرص تبقى هائلة الحجم ومتشابكة بعمق. فأولها التعقيد المتعمد والمقصود لهياكل الملكية التي تُخفي بعناية الروابط الحقيقية بين هذه الشركات والمؤسسة العسكرية أو الأمنية المسيطرة عليها فعلياً، عبر منظمات غير ربحية وشركات واجهة محلية وإقليمية متعددة الطبقات، ما يجعل أي عملية جرد شامل أو محاسبة مستقبلية جدّية لهذه المنظومة مهمة بالغة الصعوبة تقنياً وقانونياً على حد سواء (منتدى الدفاع الأفريقي، 2024). ويضاف إلى ذلك غياب أي سلطة مركزية موحدة قادرة فعلياً على فرض أي إصلاح حقيقي في ظل استمرار الحرب الدائرة وانقسام البلاد فعلياً إلى مناطق نفوذ متعددة ومتصارعة، إذ يشير إطار “السوق السياسي” التحليلي بوضوح إلى أن إصلاح القطاع الأمني بالمعنى التقليدي المتعارف عليه دولياً يستحيل تحقيقه دون وجود قطاع أمني موحّد أصلاً بين يدي الدولة، وهو ما لا يتوفر إطلاقاً في الحالة السودانية الراهنة التي باتت فيها قوات الدعم السريع نفسها فاعلاً اقتصادياً وعسكرياً موازياً كاملاً للدولة، يفتقر مع ذلك إلى الشرعية السياسية الكافية لفرض سلطته الكاملة وحده على كامل التراب السوداني (World Peace Foundation, n.d.). كما يشكل استمرار الدعم الإقليمي الخارجي – سواء عبر استيعاب الذهب السوداني المهرَّب أو تمويل شبكات الشركات الواجهة العاملة في الخارج – عقبة إضافية جوهرية أمام أي مسار إصلاحي وطني حقيقي، حيث تتقاطع بشكل معقد المصالح الاقتصادية الداخلية السودانية مع رهانات سياسية إقليمية واضحة على النتيجة النهائية للصراع الدائر (مركز حضارة، 2026).

ويحيط بهذا الملف الحساس عدد من الأساطير الشائعة التي تستحق التفنيد الدقيق المستند إلى الأدلة الموثقة. فمن أبرزها الزعم الشائع بأن الصناعات الدفاعية السودانية تقتصر فعلياً على التصنيع العسكري البحت دون أي تداخل تجاري مدني حقيقي، وهو زعم تدحضه بوضوح تام الوثائق الرسمية والتقارير المستقلة على حد سواء، والتي توثّق بدقة امتداد نشاط هذه المنظومة إلى قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني، وصناعة الأحذية والأدوات الكهربائية والمنزلية، وتصدير اللحوم والصمغ العربي والسمسم، بل وحتى إدارة مستشفيات خاصة كاملة، في منافسة مباشرة وصريحة مع القطاع الخاص المدني البحت (الراكوبة، 2025). ومن الأساطير الشائعة الأخرى القول إن هذه الشركات تُدار بالكامل بمعزل تام عن أي حسابات سياسية أو حزبية باعتبارها مؤسسات وطنية محايدة صرفة، بينما تُظهر شهادات مطّلعين سابقين من داخل هذه المنظومة نفسها أن جزءاً كبيراً منها يمثل في جوهره الحقيقي ملكية خاصة للحركة الإسلامية السودانية تعمل تحت غطاء الزي العسكري الرسمي فقط، لا علاقة حقيقية لها بالجيش الوطني السوداني إلا شكلياً وسطحياً (سودانايل، 2026و)، وهو ادعاء ينبغي مع ذلك، كما أُشير سابقاً، التعامل معه بحذر منهجي معقول نظراً لكونه شهادة فردية قد تحمل تحيزات شخصية تستلزم مزيداً من التحقق المستقل والموضوعي. كما تنتشر بشكل واسع مبالغات إحصائية غير موثقة بدقة كافية حول القيمة الإجمالية لهذا الاقتصاد العسكري السوداني، إذ تتفاوت التقديرات المتداولة إعلامياً بشكل كبير وملحوظ دون إسناد منهجي واضح ودقيق في كثير من الأحيان، ما يستوجب التعامل بحذر منهجي صارم مع أي رقم إجمالي شامل لا يستند إلى مصدر بحثي محدد وموثوق كتقديرات C4ADS الموثقة جيداً نسبياً، والتمييز الدقيق الضروري بين تقديرات الإيرادات السنوية لكيان اقتصادي بعينه (كتقدير 2 مليار دولار تحديداً لعائدات نظام الصناعات الدفاعية وحده) وبين تقديرات النسبة المئوية الإجمالية لسيطرة الشبكة الاقتصادية العسكرية والأمنية على كامل الاقتصاد الوطني السوداني، والتي تصعب المصادقة المستقلة الكاملة عليها في اقتصاد يهيمن عليه إلى حد بعيد القطاع غير الرسمي وتنعدم فيه أصلاً أي شفافية محاسبية حقيقية (منتدى الدفاع الأفريقي، 2024). وأخيراً، تروّج بعض الأدبيات الشعبوية غير المتخصصة لفكرة مبسّطة مفادها أن الحل الأمثل يكمن ببساطة في “تطهير” فوري وشامل لهذه الشركات من يد الجيش دفعة واحدة، متجاهلة تماماً حقيقة أن التجارب الدولية المقارنة، وعلى رأسها التجربة الصينية تحديداً، تشير بوضوح إلى أن نزع الاقتصاد فعلياً عن يد المؤسسة العسكرية عملية سياسية طويلة الأمد ومعقدة للغاية تستلزم بالضرورة قراراً سيادياً وطنياً حاسماً مدعوماً بإرادة سياسية موحدة حقيقية، وبقطاع أمني موحّد بالفعل غير متوفرين إطلاقاً حالياً في السياق السوداني الراهن المنقسم (سودانايل، 2026ح؛ World Peace Foundation, n.d.).

الفصل الثاني عشر: خاتمة نقدية

يكشف هذا الاستعراض الشامل، بأدلته وبياناته المتنوعة، أن الشركات الاقتصادية العسكرية والأمنية في السودان ليست بأي حال من الأحوال ظاهرة هامشية أو عرضية طارئة، بل هي بنية مؤسسية راسخة وعميقة الجذور تشكّلت تدريجياً عبر عقود متعاقبة من “سياسات التمكين” الممنهجة، وتوسّع الأدوار التجارية المتسارع للمؤسستين العسكرية والأمنية معاً، بلغت ذروتها الراهنة مع تحول قوات الدعم السريع من ميليشيا إقليمية محدودة النطاق إلى تكتل تجاري عسكري كامل عابر للحدود الوطنية، يمتلك موارد ذهب هائلة ومحافظ عقارية خارجية بمليارات الدولارات، في مقابل شبكة صناعات دفاعية تقليدية أكبر حجماً وأعمق تجذراً تاريخياً، لكنها لا تقل تعقيداً بأي حال عن سابقتها في هياكل ملكيتها المتعمدة الإبهام. وقد أثبتت الأحداث المتلاحقة منذ عام 2019 وحتى اليوم، بما لا يدع مجالاً للشك، أن أي مسار إصلاحي جاد، مهما بدا واعداً كما حدث فعلياً في التسوية التاريخية بين حكومة حمدوك ومنظومة الصناعات الدفاعية عام 2021، يظل مسار هشاً وقابلاً تماماً للانتكاس السريع في غياب توافق سياسي وطني راسخ وحقيقي، وقطاع أمني موحّد يخضع فعلياً وبالكامل لسلطة مدنية منتخبة وشرعية. وبينما تستمر الحرب الدائرة اليوم في تعميق الانقسام الاقتصادي والنقدي للبلاد بشكل متسارع إلى فضاءين متوازيين منفصلين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً وجوهرية اليوم ليس فقط “هل ستُصلح هذه المنظومة الاقتصادية العسكرية والأمنية أم تُخصخص أم تبقى كما هي دون تغيير؟”، بل الأهم من ذلك بكثير: هل يمكن أصلاً، من الناحية الواقعية العملية، تصوّر أي إصلاح اقتصادي جذري وشامل لهذه المنظومة المعقدة دون حسم سياسي وعسكري شامل ونهائي للصراع الدائر أساساً بين مالكيها المتنازعين أنفسهم؟ وتبقى الدروس المستفادة من التجارب الدولية المقارنة الثلاث – الصينية تحديداً بقرارها السيادي الحاسم عام 1998، والمصرية بتوسعها المستمر تحت مظلة الأمن القومي، والباكستانية بتغلغلها العميق في كل مفاصل الحياة الاقتصادية اليومية – دروساً بالغة القيمة العملية للسودان، لكنها تظل جميعاً مشروطة، في نهاية المطاف وقبل كل شيء آخر، بتوفر الإرادة السياسية الوطنية الموحدة اللازمة لتطبيقها، وهي الإرادة التي يبدو أنها الغائب الأكبر عن المشهد السوداني الراهن حتى كتابة هذه السطور في سبتمبر 2026.

References (English)

  1. Africa Defense Forum. Winner-Take-All. Africa Defense Forum [Internet]. 2024. Accessed 22 Sep 2026.
  2. Bienen H, Moore J. The Sudan: Military Economic Corporations. Armed Forces & Society. 1987;13(4):489-516.
  3. C4ADS. Indirect Fire. C4ADS Commentary [Internet]. 2025. Accessed 22 Sep 2026.
  4. De Waal A. Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis. World Peace Foundation Occasional Paper No. 19. London School of Economics; 2019. Accessed 22 Sep 2026.
  5. De Waal A. Sudan’s Political Marketplace in 2021. London School of Economics; 2021. Accessed 22 Sep 2026.
  6. E-International Relations. Interview – Alex de Waal. E-International Relations [Internet]. 2026. Accessed 22 Sep 2026.
  7. European Council on Foreign Relations. Bad Company: How Dark Money Threatens Sudan’s Transition. ECFR [Internet]. 2021. Accessed 22 Sep 2026.
  8. Norbrook N. Sudan’s Transition Needs to Unpick the Army from the Economy. The Africa Report [Internet]. 2019. Accessed 22 Sep 2026.
  9. Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. Business and Human Rights in Conflict: Gum Arabic from Sudan (Briefing Paper). OHCHR; 2026. Accessed 22 Sep 2026.
  10. OpenSanctions. Defense Industries System. OpenSanctions [Internet]. n.d. Accessed 22 Sep 2026.
  11. The Sentry (organization). Wikipedia [Internet]. n.d. Accessed 22 Sep 2026.
  12. US Department of the Treasury. Treasury Sanctions Military-Affiliated Companies Fueling Both Sides of the Conflict in Sudan. U.S. Department of the Treasury [Internet]. 2023. Accessed 22 Sep 2026.
  13. US Department of the Treasury. Treasury Sanctions Networks Fueling Sudan’s Civil War and Worsening Humanitarian Crisis. U.S. Department of the Treasury [Internet]. 2026. Accessed 22 Sep 2026.
  14. Wikipedia contributors. 2026 in Sudan. Wikipedia [Internet]. 2026a. Accessed 22 Sep 2026.
  15. Wikipedia contributors. Askari Bank. Wikipedia [Internet]. n.d. Accessed 22 Sep 2026.
  16. Wikipedia contributors. Giad. Wikipedia [Internet]. n.d. Accessed 22 Sep 2026.
  17. World Peace Foundation. Sudan’s Political Marketplace and Prospects for Democracy. Conflict Research Programme Blog, LSE; n.d. Accessed 22 Sep 2026.

المراجع (العربية)

  1. الأخبار. رجال أعمال ببدل عسكرية: السودان: مناقشة التحول السياسي في اقتصاد مضطرب. صحيفة الأخبار؛ بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  2. الجزيرة نت. الجُنيد شركة “آل دقلو” المسيطرة على مناجم الذهب في السودان. موسوعة الجزيرة نت؛ 2025. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  3. الجزيرة نت. السودان.. تاريخ طويل تحت حكم الجيش. الجزيرة نت – سياسة؛ 2019. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  4. الجزيرة نت. إجراءات مالية وتجارية غربي السودان ترسم اقتصاداً موازياً. الجزيرة نت – اقتصاد؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  5. الراكوبة. من العدس إلى الذهب.. جنرالات في ثكنات الاقتصاد! صحيفة الراكوبة؛ 2025. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  6. الشرق الأوسط. مصير الصناعة الدفاعية السودانية بعد حرب الجنرالين. صحيفة الشرق الأوسط؛ 2023. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  7. الشرق الأوسط. الجيش السوداني يتخلى عن شركاته ومصانعه للمدنيين. صحيفة الشرق الأوسط؛ 2021. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  8. العربي الجديد. تركة البشير الاقتصادية: استثمارات الأجهزة الأمنية السودانية خارج الرقابة. العربي الجديد؛ 2020. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  9. العربي الجديد. شركات الجيش السوداني أمام اختبار صعب: انفلات الأسواق. العربي الجديد؛ 2021. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  10. القدس العربي. البرهان يدافع عن شركات الجيش ويتمسك برفع علم السودان في حلايب وشلاتين. القدس العربي؛ 2020. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  11. المركز العربي للبحوث والدراسات. الدور التنموي للمؤسسة العسكرية: خبرات دولية ودروس مستفادة. المركز العربي للبحوث والدراسات؛ بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  12. النيلين. السودان يطيح بقيادات رفيعة من جهاز الأمن.. ما الأسباب؟ سكاي نيوز عربية؛ 2021. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  13. النيلين. فقر الجيش السوداني أمام ما تملكه جيوش العالم من قوة اقتصادية ضاربة. النيلين؛ 2020. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  14. النيلين. لجنة تفكيك التمكين تعلن تحركاً خارجياً لتعقب مصالح الحركة الإسلامية السودانية. النيلين؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  15. الوطن. ليست بدعة مصرية.. جيوش حول العالم تمتلك قوة اقتصادية وتنافس في الأسواق. صحيفة الوطن؛ 2019. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  16. بوابة الحرية والعدالة. الصين خرجت.. وتركيا حوكمت.. وباكستان وميانمار دفعتا الثمن: هل يعيد “مستقبل مصر” إنتاج النموذج الباكستاني؟ بوابة الحرية والعدالة؛ بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  17. بيم ريبورتس. أعلنت استئناف نشاطها.. ماذا تعرف عن لجنة إزالة التمكين في السودان؟ Beam Reports؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  18. حفريات. عودة لجنة التمكين.. هل تنهي الشراكة بين البرهان والإخوان؟ حفريات؛ 2026أ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  19. حفريات. السودان: لجنة “إزالة التمكين” تلاحق أموال الإخوان دولياً… وتقرّ بالعجز عن مواجهتهم في الداخل. حفريات؛ 2026ب. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  20. دارفور24. العملة سلاحاً.. هل ينقسم جنيه السودان؟ موقع دارفور24 الإخباري؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  21. دبنقا. السودان: كيف يؤجج اقتصاد الحرب جحيم المواجهات العسكرية؟ إذاعة دبنقا؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  22. رصيف22. أمبراطورية اقتصاد الجنرالات في السودان… من الهيمنة إلى التفكيك. رصيف22؛ 2021. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  23. ساسة بوست. حركة تيانانمين وبزوغ نجم الرئيس الصيني «جيانغ زيمين». ساسة بوست؛ بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  24. سكاي نيوز عربية. بعد تصنيف الإخوان.. لجنة تفكيك التمكين تعلن استئناف أعمالها. سكاي نيوز عربية؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  25. سودان الآن. تقرير: شبكة شركات في الإمارات تموّل عمليات الدعم السريع بالسودان. سودان الآن؛ 2025. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  26. سودان تربيون. كيف تحوّل الجنيه السوداني إلى «سلاح» في معركة الجيش و«الدعم السريع». سودان تربيون؛ 2026أ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  27. سودان تربيون. السودان في اختبار اتساع الصراع والاختناق الاقتصادي وشلل الإغاثة. سودان تربيون؛ 2026ب. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  28. سودانايل. سيطرة التنظيم الإسلاموي على الاقتصاد السوداني عبر المؤسسة العسكرية. سودانايل؛ 2026و. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  29. سودانايل. لجنة إزالة التمكين تستأنف عملها: توسع الصلاحيات وتحديات قانونية في استرداد الأموال المسروقة. سودانايل؛ 2026أ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  30. سودانايل. الاقتصاد السوداني عام 2026: بين اقتصاد الحرب وشروط التسوية التعجيزية. سودانايل؛ 2026ز. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  31. سودانايل. تقرير: إلغاء البرهان لقرارات “تفكيك التمكين” مكّن الإخوان من تمويل الحرب وإطالة أمدها في السودان. سودانايل؛ 2026د. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  32. سودانايل. من الإمبراطورية الاقتصادية إلى الاحتراف العسكري: ماذا يتعلم السودان من التجربة الصينية؟ سودانايل؛ 2026ح. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  33. سودانايل. أوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين عهود الحكم العسكري في السودان. سودانايل؛ 2026ب. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  34. سودانايل. الهيمنة العسكرية على الاقتصاد السوداني ونظرية هنتنغتون. سودانايل؛ 2026ج. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  35. صحيفة الصحافة الإلكترونية. الصناعات الدفاعية.. إنجازات عصية على محاولات تفتيت عضدها. صحيفة الصحافة؛ 2022. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  36. صحيفة الصيحة. منظومة الصناعات الدفاعية.. قوة اقتصادية. صحيفة الصيحة؛ 2021. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  37. غد نيوز. من مناجم دارفور إلى عقارات دبي.. تحقيق يتتبع مسار الذهب السوداني المرتبط بشبكات الدعم السريع. غد نيوز؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  38. كارنيغي. توسيع الاقتصاد العسكري في مصر. Carnegie Endowment for International Peace؛ 2020. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  39. كارنيغي. سر العسكر: السوق الملتبسة في مصر. Carnegie Endowment for International Peace؛ 2012. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  40. مركز حضارة. ما وراء قوات الدعم السريع في السودان: المال والسلاح والعلاقات الإقليمية. مركز حضارة للدراسات؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  41. مصر 360. استنزاف الاقتصاد السوداني بين الحرب والذهب وانهيار العملة. موقع مصر 360؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  42. مصر 360. جهاز مشروعات الخدمة الوطنية.. نشأ في عهد السادات ونما مع مبارك وتعملق على يد السيسي. موقع مصر 360؛ 2023. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  43. منتدى الدفاع الأفريقي. Winner-Take-All. Africa Defense Forum؛ 2024. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  44. ندى الصبي. كيف أصبح الجيش الباكستاني شديد الثراء بينما لا يجد الشعب قوت يومه؟ ندى الصبي؛ 2019. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  45. نون بوست. من مناجم دارفور إلى عقارات دبي.. مسار الذهب السوداني المنهوب. نون بوست؛ 2026. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  46. هيئة التصنيع الحربي. الصفحة الرسمية لهيئة التصنيع الحربي – السودان. بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
  47. ويكيبيديا العربية. مؤسسة فوجي. ويكيبيديا؛ بدون تاريخ. تاريخ الوصول: 22 سبتمبر 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تغيير الجنيه وحذف أصفاره!
منبر الرأي
ما بعد الصدمة… ماذا أعدّت واشنطن للبرهان؟ وهل حانت لحظة تغيير النظام؟!
منبر الرأي
كيف رفض البرهان الهدنة الانسانية الامريكية والحق السودان بامات طه ؟
الأخبار
إعلان فتح باب التقديم للقبول بمؤسسات التعليم العالي للعام 2026–2027
بيانات
حلقة نقاش لكتاب (د. حيدر إبراهيم علي) تنظمه مكتبة دار العين للنشر، بمركز الأهرام

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ماذا بقي من حق رفع دعاوي حماية الحقوق الدستورية؟ .. بقلم: نبيل أديب/المحامي

نبيل أديب عبدالله
منبر الرأي

أدريس جماع ..الخيط الرفيع بين العبقرية والجنون .. بقلم: محفوظ عابدين

طارق الجزولي
منبر الرأي

سلام دارفور سلام السودان .. بقلم: نور الدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

عملية السلام في السودان: خلق شروط الحوار الشامل والسلام الدائم … الإمام الصادق المهدي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss