اقتصاد العالم بعين واحدة لماذا يرى أزمات الجنوب ولا يشعر بها؟

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان ،،من عصب العالم

في كل مرة تهتز فيها الأسواق العالمية، تُقرع أجراس الإنذار في العواصم الكبرى. تنعقد القمم، تُضخ المليارات، تُخفف السياسات النقدية، وتُسنّ الاستثناءات.

وحين تتداعى اقتصادات دول الهامش، يكتفي العالم بتقارير باردة، ونصائح جاهزة، وقروض مشروطة، وكأن الألم واحد، لكن الإحساس به مختلف.

العالم لا ينظر إلى الاقتصاد بعينين.
ينظر بعين ترى المركز بوضوح، وبعين أخرى بالكاد تلمح الهامش.

حين ترتفع البطالة في دولة صناعية كبرى، يُقال إن النظام الاقتصادي في خطر. وحين ترتفع البطالة إلى مستويات كارثية في دولة فقيرة، يُقال إن المشكلة داخلية، هيكلية، أو ناتجة عن سوء إدارة محلية. كأن الفقر في الجنوب قدر، لا خللًا في النظام العالمي.

هذه ليست صدفة، بل بنية فكرية كاملة تحكم الاقتصاد العالمي.
الاقتصاد العالمي، كما يُدار اليوم، لا يُقاس بعدد الجائعين، بل باستقرار الأسواق المالية. لا يُقاس بقدرة الدول على إطعام شعوبها، بل بقدرتها على خدمة ديونها. ولا يُقاس بكرامة العمل، بل بانضباط الموازنات وفق معايير لا تراعي السياق الاجتماعي ولا التاريخي.

حين انفجرت أزمة 2008، انهارت بنوك صنعت الأزمة بيدها. لم يُطلب منها شد الأحزمة، ولم يُقال لها أصلحوا أنفسكم أولًا. ضُخت الأموال العامة لإنقاذها، باسم حماية النظام. أما حين تتعثر دولة فقيرة، فيُطلب منها أن تُقشف، وتخفض الدعم، وتحرر الأسعار، وتتحمل الكلفة الاجتماعية كاملة، باسم الإصلاح.

هنا تتجلى العين الواحدة.
العالم يرى أزمة أوروبا أزمة عالمية، ويرى أزمة إفريقيا مشكلة محلية. يرى تضخم الغرب تهديدًا للنظام، ويرى تضخم الجنوب نتيجة طبيعية لاختلالات داخلية. يرى ديون الشمال أداة سياسة نقدية، ويرى ديون الجنوب فشلًا أخلاقيًا في الإدارة.

حتى اللغة مختلفة.
في المركز توجد “حزم تحفيز”.
في الهامش توجد “برامج تصحيح”.
في المركز توجد “مرونة نقدية”.
في الهامش توجد “شروط صارمة”.
والنتيجة واحدة دائمًا:
الألم يُدار في الجنوب، والإنقاذ يُدار في الشمال.
هذه الرؤية بعين واحدة لا تكتفي بتشخيص الأزمات، بل تعيد إنتاجها. لأن السياسات التي تُصاغ دون فهم الواقع الاجتماعي، ودون اعتبار لهشاشة الدول، لا تُصلح الاقتصاد، بل تُضعف المجتمع، وتُفكك الثقة، وتفتح الباب للفوضى أو الهجرة أو الانفجار الصامت.

في عالمنا العربي والسوداني، نعيش هذا التناقض يوميًا.
نُطالَب بسياسات عالمية في اقتصاد محلي هش.
نُطالَب بتحرير كامل في أسواق غير متكافئة.
نُطالَب بخفض الدعم دون بدائل إنتاجية.
نُطالَب بالصبر، بينما لا يُطالَب النظام العالمي بأي مراجعة.

السؤال الجوهري ليس: لماذا تفشل دول الجنوب؟
بل: لماذا يُفترض بها أن تنجح بقواعد لم تُصمم لها؟

الاقتصاد العالمي لا يعترف بتفاوت نقطة البداية، ولا بتاريخ الاستعمار، ولا باستنزاف الموارد، ولا بضعف البنية المؤسسية الناتج عن عقود من التبعية.

يتعامل مع الجميع كأنهم دخلوا السباق في اللحظة نفسها، وبالأدوات نفسها، ثم يلوم من تعثر.
وهنا يكمن الخلل الأخلاقي قبل أن يكون اقتصاديًا.

العين الواحدة لا ترى الإنسان.
ترى الأرقام فقط.
ولا ترى أن الاستقرار المالي دون استقرار اجتماعي وهم مؤجل.
ولا ترى أن الشعوب ليست متغيرًا يمكن تجاهله.

ما يحتاجه العالم ليس مساعدات، ولا قروضًا جديدة، بل رؤية بعينين.
عين ترى السوق، وعين ترى الإنسان.

عين تفهم المؤشرات، وعين تفهم السياق.
عين تحاسب الحكومات، وعين تحاسب النظام العالمي نفسه.

يجب أن نفهم نحن لماذا تُعاد أخطاؤنا بالصيغة نفسها،
ولماذا لا تنجح وصفات تُقدَّم وكأنها قوانين كونية.

في منبر بنيان، نكتب دائما مقالاتنا ،بنهج مهني،، اكاديمي،، متجرد
ونقول ببساطة في مقصد هذا المقال:
لا يمكن لاقتصاد يُدار بعين واحدة أن يصنع عدالة،
ولا لاستقرار يُبنى على اختلال دائم أن يدوم.
وهذا الفهم، حين يستقر في وعينا ونحن نتداول الراى عبر ساحات منبر الفكر في هذه الصحيفه التي تزدان بعقول نيره
هو لم شتات الفكر لأصلاح طريق حقيقي.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …