من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب
مقدمة
اليوم نتناول مقال احسبه لا ينال حظه
في النقاشات الاقتصادية الكبرى، حيث يركّز الخبراء عادةً على النفط والذهب والصناعة والزراعة، بينما يظل اقتصاد العناية (Care Economy) – أي العمل غير المرئي في رعاية الأطفال والمسنين والمرضى وإدارة شؤون المنزل – مهمّشًا رغم أنه أحد الأعمدة الخفية للنمو. تشير تقديرات منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن العمل غير مدفوع الأجر في مجال الرعاية يقدَّر بما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل أكثر من 11 تريليون دولار سنويًا. في الدول النامية، ومنها السودان ومعظم أفريقيا، هذا العمل تؤديه النساء بنسبة تتجاوز 70%، ما يجعله عاملًا اقتصاديًا واجتماعيًا حاسمًا لكنه غير محسوب.
البعد الاقتصادي لاقتصاد العناية
في تقرير البنك الدولي (2020)، تبيّن أن الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال يمكن أن يرفع نسبة مشاركة النساء في سوق العمل بما لا يقل عن 10–12% في بعض الدول النامية.
في المكسيك، أظهرت دراسة أن كل دولار يُستثمر في قطاع الرعاية يُولّد 1.5 دولار إضافي في الناتج المحلي عبر زيادة التشغيل والإنتاجية.
في إفريقيا جنوب الصحراء، يُقدَّر أن النساء يقضين ما بين 3 إلى 6 ساعات يوميًا في أعمال الرعاية غير المدفوعة، ما يقلّص من فرصتهن في التعليم والعمل المنتج.
التجارب الدولية
- السويد: وضعت نظامًا متكاملًا لدور الحضانة وخدمات كبار السن بتمويل عام، مما رفع معدل مشاركة النساء في سوق العمل إلى أكثر من 80%.
- كوريا الجنوبية: بعد أزمة التسعينيات، أدخلت الحكومة برامج دعم لرعاية الأطفال والمسنين، مما ساعد على زيادة الإنتاجية وتحقيق نمو اقتصادي سريع.
- البرازيل: خصصت برامج دعم اجتماعي للأسر الفقيرة (Bolsa Família) تضمنت دعمًا غير مباشر لاقتصاد العناية، فساهمت في خفض الفقر بنسبة 27% خلال عقد واحد.
- كينيا: بدأت تجارب محلية لتمويل مراكز رعاية الأطفال في الأحياء الفقيرة، مما شجع نساء كثيرات على دخول سوق العمل.
الواقع في السودان وأفريقيا
في السودان، يغيب التخطيط الاستراتيجي لاقتصاد العناية تمامًا، رغم أن الشباب يمثلون أكثر من 60% من السكان، والنساء يشكلن أكثر من نصف المجتمع. العمل غير المرئي في المنازل والمجتمعات المحلية يعوّض ضعف الدولة في الخدمات، لكنه يبقى بلا تقدير أو استثمار. وفي إفريقيا عمومًا، يتوقع تقرير UN Women 2022 أن سدّ الفجوة في قطاع الرعاية قد يخلق 80 مليون وظيفة جديدة بحلول 2035.
البعد الأخلاقي والاجتماعي
اقتصاد العناية ليس مجرد مسألة أرقام، بل يعكس قيم التضامن الإنساني. لكن حين يتحول إلى عبء غير متوازن على النساء فقط، يصبح عائقًا للتنمية. العدالة الاقتصادية تقتضي توزيع أعباء الرعاية عبر سياسات عامة (خدمات حضانة، دعم لكبار السن، تأمين صحي) بدل تركها للعمل الفردي غير المرئي.
العقبات أمام الدول النامية
ضعف الميزانيات الحكومية.
النظرة الثقافية التي تعتبر الرعاية “واجبًا منزليًا” وليست خدمة اقتصادية.
غياب التشريعات التي تحتسب هذا الجهد ضمن الناتج المحلي.
نقص البيانات والإحصاءات الدقيقة.
حلول مقترحة
- إدماج اقتصاد العناية في الخطط الوطنية للتنمية عبر مؤشرات واضحة.
- تمويل عام وخاص لإنشاء حضانات ومراكز رعاية صحية واجتماعية.
- حوافز ضريبية للشركات التي تستثمر في خدمات الرعاية للموظفين.
- التعليم والتوعية لإعادة تعريف قيمة الرعاية كعمل اقتصادي.
- تجارب محلية رائدة يمكن دعمها لتتحول إلى سياسات وطنية، كما في كينيا والبرازيل.
خاتمة
إن اقتصاد العناية هو الاقتصاد “المخفي” الذي يضمن بقاء المجتمعات واقفة. تجاهله يعني فقدان نصف طاقة المجتمع، بينما الاستثمار فيه يحوّل التضامن الإنساني إلى قوة إنتاجية مستدامة. إذا أرادت دول مثل السودان أن تحقق تنمية حقيقية، فعليها أن تعتبر اقتصاد العناية أصلًا استراتيجيًا، تمامًا كما تعتبر النفط أو الذهب، بل ربما أكثر استدامة منهما. موضوع المقال كبير وعميق مرتبط بنشاطات اقتصاديه أخرى ستكون بإذن الله في القريب موضوعات مقالات قادمه في منبر بنيان منها اولا ،، التأمين وهو مشروع مازال بكرا في السودان مع تاثره بالحرب وثانيا ، التعاونيات والتراث المنبثقه منه مثل النفير وثالثا،، الشتات السوداني عبر العالم واستخدم هذا الكلمه كبديل للمغتربين حيث ان هذا الكيان يشكل سندا اقتصاديا هاما استبان دوره أثناء الحرب،، وبالله التوفيق
مراجع مختارة
ILO (2018): Care Work and Care Jobs for the Future of Decent Work.
World Bank (2020): Women, Business and the Law.
UN Women (2022): The Care Economy in Africa.
Nancy Folbre, The Invisible Heart: Economics and Family Values (2001).
Shahra Razavi, The Political and Social Economy of Care in a Development Context (2007).
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم