الأبعاد السياسية في أمر توقيف الرئيس البشير

بقلم: ريتشارد جولدستون* (كبير مدعي المحاكم الجنائية الدولية السابقة الخاصة بجرائم يوغسلافيا ورواندا)
ترجمة: غانم سليمان غانم*  
 
اتخذ مدعى المحكمة الجنائية الدولية قراراً صعباً بسعيه لاستصدار أمر توقيف رئيس دولة في حالة حرب … ألا وهو الرئيس السوداني عمر حسن البشير، المتهم بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب خلال حرب الخمسة أعوام في دارفور.

عليّ الرجوع إلى حالات توقيف سلوبدان ميلسوفيتش الرئيس اليوغسلافي في عام 1999م وتشارلس تايلور الرئيس الليبيري في عام 2003م وهما آخر حالتان قام فيها مدعوا المحكمة الجنائية الدولية بتوجيه تهم لرؤساء دول في سدة الحكم. في ذلك الوقت – كما هو الآن – تم انتقاد المدعين بأنهم أخفقوا في أخذ “المعطيات السياسية” في الحسبان. لقد كانت هذه الانتقادات غير صائبة، نظراً لأن ميثاق روما لعام 1998م الذي بموجبه تم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية قد أزال حصانة رؤساء الدول فيما يتصل بالجرائم الوحشية البربرية. منذ عام 2005م، عندما قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإحالة قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية قام المدعي – لويس مورينو أوكامبو – بكل بساطة بأداء عمله الذي يتمثل في تقديم تهم ضد أولئك الذين يتحملون المسئولية الكبرى عن الجرائم.

يتوقع المنتقدون أن أمر التوقيف سيؤثر على الجهود المرتبطة بتقديم الإغاثة ونشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في دارفور ولكن مع ذلك فقد تم بالفعل تعويق هذه الجهود. إن حكومة البشير لها سجل طويل ومشهود في تعويق أعمال الإغاثة خاصة خلال مجاعة 1998م حتى قبل تأسيس المحكمة الجنائية الدولية. إن الحكومة السودانية المعوقة والدول التي من المفترض أن تساهم في قوات حفظ السلام ترددت كثيراً في ذلك وقد استغرق الأمر خمس سنوات لنشر تسعة آلاف (9,000) جندي فقط. وفى حالة قيام حكومة الخرطوم بالانتقام فيما يتعلق بأمر التوفيق بمهاجمة اللاجئين والنازحين وعمال الإغاثة وجنود قوات حفظ السلام فستقع المسئولية فقط على القادة الذين يصدرون هذه الأوامر.

كما أن بعض المنتقدين قلقون من أن الاتهامات قد تعيق عملية سلام دارفور باستبعاد مسألة مساومة جوهرية وهى تقديم عرض عفو للرئيس البشير وإمكانية تقاعد هادئ في دولة أخرى. لكنه في بعض الأحيان يمكن أن يساعد الغموض حول المحاسبة في تعزيز مفاوضات السلام كما حصل في جنوب أفريقيا عام 1991م، علاوة علي أن العفو بنفسه كان جزرة مساومة. وقد عززت أوامر التوقيف الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية كذلك عملية سلام البوسنة باستبعاد المتشددين من طاولة المفاوضات.

من المبكر جداً التحدث عن الآثار التي يمكن أن تحدثها الاتهامات على جهود السلام. وحتي الآن، لا توجد عملية سلام بخصوص دارفور يمكن التحدث عنها. لقد استقال مؤخراً وسطاء الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي – غير المتفرغين – وسط أجواء من الإحباط مما دعاهم للمطالبة بتبني نهج جديد للسلام.

وفى نفس الوقت، قد تؤدي الاتهامات إلى فقدان شرعية الحكومة في نظر الشعب السوداني؛ خاصة الصفوة في الخرطوم. في عام 1999م بعد قيام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برئيس يوغسلافيا السابق بإصدار أمر توقيف للرئيس سلوبدان ميلسوفيتش حولت مجموعة معارضة تسمى:”اوتبور” أمر التوقيف إلى سلاح سياسي بشعار “أنه قد انتهي”، وخسر ميلسوفيتش الانتخابات في عام 2000م، بالرغم من أن هناك عوامل أخري أسهمت في سقوطه والتي تشمل خسارة الحرب والفساد فقد أسهمت الاتهامات من جانبها في إظهار عزلته وعدم شعبيته.  

في انتخابات عام 2009م قد يقف بعض السودانيين خلف رئيسهم وقد لا يقف الآخرون خلفه، وكما في أسطورة “الفرعون وقلة عقله” فقد كان الولد الصغير البريء هو الذي أشار بان الفرعون عريان. إن أوامر توقيف الرئيس البشير تكشف للعالم أي نوع من الحكومات يسيطر على السلطة في الخرطوم ويجب أن تدفع مجلس الأمن لتطبيق ضغط حقيقي علي الحكومة السودانية. يجب على مجلس الأمن والدول الأعضاء أن تجعل حكومة الرئيس البشير حكومة منبوذة دولياً وذلك بفرض الحظر والمقاطعة على قادته والأمر المهم على صادرات البترول السوداني الذي أسهم بفعالية في تحصين النظام.

إن رسالة مدعى المحكمة الجنائية الدولي قد تؤدي إلي تضايق بعض الناس ولكن لا يعنى ذلك أننا يجب أن نقتل الرسول. هذه المسالة ينبغي أن تحرك مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات جادة.

* كبير مدعي المحاكم الجنائية الدولية السابقة الخاصة بجرائم يوغسلافيا ورواندا.

” ترجمة من جريدة نيويورك تايمز عدد 15/7/2008م.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

سودانايل تنشر توصيات ورشة الحوار حول الإطار الدستوري الانتقالي

بسم الله الرحمن الرحيم نقابة المحامين السودانيين لجنة التسيير ورشة عمل: الحوار حول الإطار الدستوري …

اترك تعليقاً