aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
يمثل مشروع الجزيرة واحدة من أعظم التجارب الزراعية في تاريخ السودان الحديث، ليس فقط بوصفه مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا، بل باعتباره قصة حياة ارتبطت بالإنسان والأرض والدولة. يقع المشروع في سهل طيني منبسط بين النيلين الأبيض والأزرق، ممتدًا من منطقة سنار جنوبًا حتى مشارف الخرطوم شمالًا، وتُقدَّر الأراضي الصالحة للزراعة في هذه المنطقة بأكثر من خمسة ملايين فدان، ما جعلها من أخصب وأوسع السهول الزراعية في إفريقيا.
تعود أولى الإشارات الموثقة إلى خصوبة أرض الجزيرة إلى عام 1839م، عندما عبر الرحالة (أن هولرويد) هذه المنطقة في طريقه إلى إقليم كردفان، ولاحظ طبيعتها الطينية المنبسطة وإمكاناتها الزراعية العالية. غير أن الاكتشاف الفعلي، بمعناه الفني، جاء لاحقًا على يد (وليم جارستن)، الموظف بوزارة الأشغال المصرية، الذي أعد تقريرًا مهمًا عام 1904م أشار فيه إلى إمكانية استغلال هذه الأراضي عبر الري الصناعي، من خلال رفع منسوب مياه النيل الأزرق بإنشاء خزان بين الروصيرص وسنار.
وجد هذا التقرير اهتمامًا كبيرًا لدى الرأسمالية البريطانية، خاصة جمعية مزارعي القطن، التي رأت في السودان موردًا استراتيجيًا لتوفير القطن الخام لمصانع لانكشير ومانشستر، في ظل تنامي الطلب العالمي على هذه السلعة الحيوية. وعلى إثر ذلك، طُلب من الحكومة البريطانية الموافقة على تمويل مشروع زراعي ضخم لزراعة القطن في السودان.
قبل قيام مشروع الجزيرة بصورته المعروفة، شهد السودان عدة تجارب ناجحة في زراعة القطن في مناطق متفرقة. وتعد تجربة مشروع الزيداب بولاية نهر النيل عام 1905م من أبرز هذه التجارب، حيث أُنشئ المشروع خلال فترة الحكم البريطاني على مساحة بلغت نحو عشرة آلاف فدان، بمبادرة من رجل الأعمال الأمريكي (مستر هنت) عبر شركة السودان الزراعية، وهي شركة قطاع خاص تأسست في لندن في مطلع القرن العشرين، ومتخصصة في الاستثمار الزراعي وزراعة القطن في السودان.
ويُعد مشروع الزيداب أول مشروع زراعي في القارة الإفريقية يعتمد على الري بالطلمبات، إذ استُخدمت فيه خمس طلمبات ضخمة، إلى جانب تشييد ورش لتصنيع قطع الغيار، وإنشاء محلج للقطن، ومد خط سكة حديد لنقل المحصول إلى المحالج ثم إلى موانئ التصدير. وقد أسهم النجاح الكبير لهذه التجربة، إلى جانب ازدياد الطلب الخارجي على القطن، في تعزيز فكرة نقل التجربة إلى سهول الجزيرة.
في عام 1911م بدأت أول تجربة فعلية لزراعة القطن في الجزيرة، وتحديدًا في منطقة طيبة شمال مدينة ود مدني، على مساحة تُقدَّر بنحو 250 فدانًا تُروى بالطلمبات. ومع نجاح التجربة، توسعت المساحات المزروعة تدريجيًا حتى بلغت نحو 22 ألف فدان بحلول عام 1924م.
وبالتوازي مع نجاح الزراعة، بدأت السلطات في اتخاذ إجراءات تسوية الأراضي وتسجيلها لصالح ملاكها في منطقة الجزيرة خلال الفترة ما بين 1907م و1910م، وبحلول عام 1911م تم مسح وتسجيل مساحة بلغت نحو 944 ألف فدان بأسماء أصحابها.
تجدر الإشارة إلى أن ملكية الأرض في السودان، قبل ظهور الملكية الفردية الخاصة، كانت في الغالب ملكية عامة ومشاعة بين السكان الأصليين، حيث يتم الانتفاع بخيرات الأرض وريعها بصورة جماعية. ومع قيام الممالك والسلطنات، وظهور نفوذ رجال الدين، بدأ التحول التدريجي نحو أنماط من الملكية الفردية.
ومع دخول السودان في طور الدولة الحديثة في بدايات القرن التاسع عشر، خلال فترة الحكم التركي–المصري (1821م–1885م)، وظهور الأسواق واستجلاب المحاصيل النقدية، ساد اعتبار أن كل الأراضي التي لا تُزرع بواسطة الري بالساقية أو الجرف تُعد أراضي حكومية (ميري). واستمر هذا الوضع حتى صدور اللائحة السعيدية للأطيان عام 1857م، والتي شكّلت أول تقنين قانوني لملكية الأرض في السودان، ونصّت على سقوط حق المزارع في الأرض إذا تركها دون زراعة لمدة ثلاث سنوات، مع إمكانية تمديد المدة لسنتين وفقًا لما يجيزه العرف.
كما نصّت اللائحة على أن كل من يضع يده على أرض لمدة خمس سنوات أو أكثر، ويقوم بدفع الضرائب المستحقة عليها، لا تُنزع منه الأرض ولا تُقبل فيها أي دعوى، وذلك في إطار تشجيع الزراعة والاستقرار.
وخلال فترة الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري (1898م–1956م)، وُضعت الأسس القانونية الحديثة لملكية الأرض في السودان. ففي عام 1899م صدرت لوائح إثبات ملكية الأراضي، ونصّت على أن إثبات الملكية يتم عبر عنصرين أساسيين:
- وجود مستند قانوني مؤيد للحق.
- إثبات زراعة الأرض خلال السنوات الخمس السابقة.
وتطورت هذه القوانين لاحقًا إلى أن صدر قانون تحديد الأراضي ومسحها عام 1905م، ثم قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م، وهو القانون الذي لا يزال ساريًا حتى اليوم دون تعديل، رغم ما طرأ على البلاد من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.
وهكذا، لم يكن مشروع الجزيرة مجرد مشروع زراعي لزراعة القطن، بل كان نتاجًا لتفاعل معقّد بين الطبيعة، والاستعمار، والرأسمالية العالمية، وتطور الدولة والقانون، وتحولات ملكية الأرض في السودان. وهو ما يجعل دراسة تاريخه مدخلًا أساسيًا لفهم الاقتصاد الزراعي، والبنية الاجتماعية، وصياغة قوانين الأراضي، مع الوضع في الاعتبار هذا الإرث التاريخي، وبأن مسألة الأرض ما زالت تشكّل إحدى أكثر القضايا حساسية في السودان حتى اليوم
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم