تقرير : أحمد عبدالعزيز الكاروري
من الظواهر التي انتشرت في النزوح ، التسول ، التسيب من المدارس ، الفاقد التربوي ، قلة الوعي داخل الأسر ، الفقر ، العنف بالمنزل أو بالمدرسة ، وغيرها كثير قد تعتبر من الأسباب أو الدوافع أو الموضوعات التي بينها وبين التشرد تقاطعات ، والتشرد كظاهرة اعتمدتها عدد من الدراسات طالت فئات مجتمعية مختلفة كالأطفال والشباب من الجنسين فتيان وفتيات ورجال ونساء أيضاً ، إلا أن المشكلة بحسب بعض الدراسات تكمن بشكل أكبر في تشرد الأطفال باعتبارهم معرضين للإنحراف مما قد يؤدي إلى إشكالات أكبر يتأثر بها كل المجتمع.
تحت اسم ظاهرة تشرد الأحداث في ولاية الخرطوم نظمت شعبة دراسات الجريمة والإنحراف بالدائرة الإجتماعية بركائز المعرفة للدراسات والبحوث ورشة عمل لمناقشة دراسة ميدانية أجراها بحاحثي الشعبة بذات العنوان للأطفال ( من 4 سنوات – 12 سنة ) بولاية الخرطوم وهم أيمن محمد الشيخ، رشا عبدالرحمن، هويدا بابكر وزاهر عبدالرحمن ، وتركزت محاورها حول المسببات – الآثار على المجتمع و دور المجتمع ومؤسسات الدولة في الحد من ظاهرة التشرد بالعام 2011م، تحت إشراف الأستاذ الدكتور / فريق أول شرطة عثمان جعفر عثمان ساتي ، مشرف الشعبة.
اقتحمت الدراسة عوالم مغلقة ولها وجود متزايد في الشارع السوداني وخاصة ولاية الخرطوم لما بها من عوامل جذب للنازحين من الولايات الأخرى وكذلك المشردين ، وقد شكلت هاجساً للمجتمع المتفرج ما عدا قلة قليلة من نفر ومؤسسات بقدرات محدودة ، وتميزت الدراسة بالعمل في فريق كما أوضحت بين طياتها إمكانية علاج المشكلة مع بعض الشروط ، وقد تم اختيار عينة الدراسة عشوائياً التي أبرزت أن من مظاهرها السالبة أنها تعتبر مظهراً اجتماعياً سيئاً ، وتساعد في انتشار الجريمة إضافة إلى أنها تعكس وجهاً غير مرضي للدولة والمجتمع.
تكمن أهمية الدراسة في أن التشرد ليس بجريمة يعاقب عليه القانون لكنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعملية التنشئة الإجتماعية ويمثل الطفل المشرد خطراً على نفسه وعلى حياة الآخرين عبر السلوك المنحرف من بعضهم، والطفل المشرد بحسب التعريفات التي طرحت بالورشة هو الذي لم يتجاوز عمره ثمانية عشر عامًا ، بلا مأوى، غير قادر على تحديد مكان سكنه ، وغير قادر على إرشاد الشرطة إلى من يتولى أمره ، أو لا يستطيع إعطاء معلومات عن نفسه ، ولا يمارس عملا يعيشه أو هو من يبيت بالطرقات بلا سكن يأويه ، يكون مارقًا عن سلطة أبويه أو من يتولى أمره ، يخالط المشبوهين والمنحرفين و المجرمين وقد يتعاطى المخدرات أو الكحول أو يستنشق البنزين ، ويكون عاطلا وليس له عائل ، وغالبيتهم إن لم يكن جميعهم تزيد عندهم الإضطرابات النفسية مما يجعل منهم لاحقاً شخصيات مضادة للمجتمع حاقدة عليه ، كما أنهم طاقات بشرية مقدره وقوى عاملة معطله.
وقد صنفت الدراسة مشكلة المشردين حسب فئات مختلفة كالأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، ومشردين بدون أهل ولا والدين ، مشردين أطفال تخلت عنهم أسرهم ومشردين لهم آباء وأمهات إضافة لأطفال متسكعين نهاراً ويعودون للمنازل ليلاً ولهم أهل أو والدين،
وقد عددت الدراسة بعض السمات والخصائص العامة للمشرد أبرزها الشغب والميول للعدواني كنتيجة طبيعية يصيب الطفل من جراء فقدانه الحب والرعاية الأسرية ، الإنفعال الشديد ، التمثيل كوسيلة دفاعية ضد أي خطر يواجههم كالقبض مثلاً ، التشتت العاطفي ، عدم التركيز ، انعدام مبدأ الصواب والخطأ لانعدام التوجيه ، حب التملك والمساواة مع الآخرين ، حب ألعاب القوة ، التسول كوسيلة لكسب العيش بالإضافة للمارسات الشاذة مثل شم المواد المخدرة والبنزين
واستعرضت الدراسة عدد من الإتفاقيات والقوانين الخاصة بالمشردين كإعلان جنيف لحقوق الطفل عام 1924م ثم الإعلان العالمي لحقوق الطفل الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1959م واتفاقية حقوق الطفل الدولية عام 1989م التي دخلت حيز التنفيذ مطلع العام 1999م ، أيضاً أوردت الدراسة الحقوق والواجبات للطفل في الشريعة الإسلامية بدايةً من اختيار كل من الزوجين للآخر مروراً بفترة الحمل وبعد الولادة حتي التمييز ثم البلوغ .. وهكذا ، كما أوردت القوانين والتشريعات السودانية الخاصة بحماية الطفل .
واستعرضت نتائج دراسة مائتي طفل بولاية الخرطوم شملت عدد 158 ذكر و42 أنثى بفئات عمرية مختلفة وديانات مختلفة ، حيث ظهر أن الفئة العمرية بين (5 – 10) تمثل 20% من العينة وهي أقل الفئات عدداً ومثلت الفئة العمرية ما بين (11 – 15) سنة نسبة 55,5% وهي النسب الأعلى بين الفئات الأخرى. كما أوضحت الدراسة أن نسبة 42,4 % يسكنون الشارع و 32% مع الأسره ونسبة 34% منهم أميين مما يشير إلى تدني التعليم ، كما أوردت إحصاءات مختلفة أخري عن نسب عمل الآباء والأمهات حيث اتضح أن نسبة الآباء العاملين 63,5% لكنهم في مهن هامشية ونسبة 35% لا يعملون مما يدل على أن دخل الآباء لا يكفي احتياجات الأسرة وقد تلاحظ أن نسبة 27% من الآباء يعملون في الجيش ، أما الأمهات فنسبة 40,2% لا يعملن ونسبة 19% غير معروف إن كانت الأم تعمل أم لا ونسبة 13,4% يعملن بائعات أطعمة ومشروبات ، وأظهرت أن المستوى التعليمي متدني حيث بلغت نسبة الأمهات الأميات 44% و 13% تعليم خلوة مما ساعد على تشرد الأطفال لأن الأباء والأمهات ليسوا على قدر من الوعي والإدراك لنتيجة تشرد أطفالهم.
وأوضح الباحث زاهر عبد الرحمن المتحدث باسم الفريق الذي أعد الدراسة في الورشة أن ما يميز المشردين أنهم كالعصابات الصغيرة وبينهم تلاحم كبير جداً كتعويض عن فقدهم للأسر التي كانوا يعيشون فيها. وأكدت الأخصائية الإجتماعية بمدرسة ثانوية بلقيس أحمد التجاني أن من خلال تجربتها يعود الكثيرين من المشردين إلى الشارع بعد إدخالهم لدور الرعاية مما يشير إلى افتقارها لعوامل الجذب المناسب للطفل المشرد، وقد عضد الباحث الإجتماعي بمركز الرشاد الحديث السابق إبراهيم موسي ضارباً المثل بذات المركز أنه لم تتم صيانته منذ العام 1997 معتبراً أنه يهدد سلامة الأطفال، مؤكداً أن الرعاية اللاحقة منعدمة تماماً ، وأوضح الأستاذ على عطا الله نائب منسق الشرطة الشعبية بولاية الخرطوم أن على المواطن أن يعرف أن خطورة هذه القضية قد تصله في بيته موضحاً أهمية تلاحم الأدوار بين المواطنين والدولة ومنظمات المجتمع المدني عبر خارطة طريق واضحة للخروج من هذه المشكلة.
وقد خرجت الدراسة بعدد من التوصيات منها تفعيل عمل اللجنة القومية للقضاء على ظاهرة الأطفال المشردين، العمل على دمج المشردين في المجتمع ، مع الإهتمام بالتدريب المهني لهم وتوفيره في دور الرعاية والإصلاحيات ، وتوفير فرص عمل للمشردين فوق سن ال18 سنه ، إضافة إلى نشر الوعي الثقافي والقانوني لحقوق الطفل للعام 2010م ، وأهمية توفير باحثين اجتماعيين بالمدارس أو على الأقل تدريب معلمين للقيام بالدور النفسي إلى حين توفير الباحثين.
وقد أضاف الحضور النوعي بالورشة عدد من التوصيات منها أهمية قيام مثل هذه الورش بولايات أخري تعاني من ذات المشكلة ، وقيام الإعلام بالدور الكامل للتعريف بالمشكلة وطرق الحل كتنوير الأسر بخطورة تشرد الأطفال. والعمل على تطور دور الرعاية بحيث توفر التعليم والتدريب المهني ، وأهمية بناء قاعدة بيانات ومعلومات أساسية لهذه الفئات تعين في المستقبل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم