الأمم بين الحكاية والمؤسسة: لماذا ينجح البعض ويتعثر آخرون؟

دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk

ليست الأمم أشجارا تنمو وحدها في البرية، ولا آلات تدار بزر واحد. هي في جوهرها حكاية كبرى يتفق الناس على تصديقها، ثم يبنون لها بيتا من مؤسسات وقوانين. منذ أن وصف أرسطو الإنسان بأنه “حيوان سياسي”، والبحث لا ينقطع: لماذا تزدهر جماعات وتتراجع أخرى، مع أن البشر هم البشر؟

الانتماء حاجة قديمة، ولدت مع أول صياد أدرك أن البقاء في جماعة أضمن من العيش وحيدا. لكن “الشعب” بصورته الحديثة – حدود مرسومة، علم مرفوع، دستور مكتوب – تشكل تاريخيا مع الدولة القومية بعد معاهدة وستفاليا. يذكرنا بندكت أندرسون في كتابه “الجماعات المتخيلة” بأن الأمة “خيال مشترك”: ملايين لا يعرف بعضهم بعضا، لكنهم يتخيلون أنفسهم “نحن” واحدة. هكذا تلتقي الطبيعة بالسياسة: غريزة الانتماء تتخذ شكلا مؤسسيا، وتصبح وطنا.

لماذا تنجح أمم؟ لأن الحكاية وحدها لا تكفي. لا بد من بيت يحميها. البيت هو المؤسسة: قانون يحترم، سلطة تقيد، إدارة تكافئ الكفاءة لا الولاء. حين تتراكم الثقة، ينمو الاقتصاد كما تنمو الأشجار في تربة صالحة. تجربة كوريا الجنوبية تظهر كيف يمكن لإصلاح مؤسسي وتعليم واسع أن يحولا بلدا خرج من الحرب إلى اقتصاد متقدم خلال عقود. وفي سنغافورة صيغ عقد مدني يوازن بين أعراق وأديان مختلفة تحت مظلة قانون صارم واقتصاد منفتح. أما بلدان الشمال الاوروبي، مثل النرويج، فبنت ازدهارها على رأس مال بشري وثقة اجتماعية عالية، حيث لا يشعر المواطن أنه ضيف على دولته.

في المقابل، تتعثر أمم حين تتصدع روايتها المشتركة أو تضعف مؤسساتها. تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن عسكريا فحسب، بل كان انهيارا في الثقة والجدوى. الدولة التي تختزل في أشخاص أو شبكات ولاء تتآكل من الداخل. والاقتصاد الريعي، حين يعتمد على مورد واحد، يغري بالصراع حول توزيعه ويؤجل الاصلاح. أما عسكرة السياسة فتجعل تداول السلطة معركة لا عملية سلمية، فتتراجع الشرعية ويتسع الشرخ.

في السودان تبدو القصة اكثر تعقيدا واشد الحاحا. ليس البلد فقيرا بالموارد ولا بالطاقات؛ هو فسيفساء من اعراق ولغات واقاليم، وموقعه جسر بين افريقيا والعالم العربي. غير ان المشكلة لم تكن يوما في التنوع، بل في ادارة هذا التنوع. لم تصغ سردية وطنية جامعة تعترف بكل المكونات بالتساوي، وتحول الاختلاف من وقود صراع الى مصدر ثراء. تواتر الانقلابات قطع استمرارية البناء، واضعف الثقة في الدولة بوصفها حكما بين الجميع. والاقتصاد ظل اسير مواسم وموارد اولية، بلا تنويع عميق يخلق طبقة وسطى واسعة.

ومع ذلك، يكشف المجتمع السوداني – كلما غابت الدولة – عن طاقة تضامن لافتة: مبادرات اهلية، شبكات مساندة، وقدرة على التنظيم تحت الضغط. هذا رأس مال اجتماعي لا يستهان به. لكنه يحتاج الى اطار مؤسسي يحوله من فعل اسعافي الى مشروع دائم.

ما المخرج؟ ليس وصفة سحرية، بل مسار شاق وواضح. اولا، عقد وطني جديد يقر بالتعدد ويؤسس لمواطنة متساوية، مع فصل حقيقي بين السلطات وضمانات للحقوق. ثانيا، اعادة بناء المؤسسات: قضاء مستقل، خدمة مدنية قائمة على الكفاءة، واجهزة امنية مهنية خاضعة لرقابة مدنية. ثالثا، تنويع اقتصادي ينقل البلاد من تصدير الخام الى سلاسل قيمة مضافة – في الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة – مع شفافية مالية صارمة. رابعا، مصالحة وعدالة انتقالية تعالج ارث العنف؛ فالعدالة ليست انتقاما بل استعادة ثقة. واخيرا، استثمار جاد في الانسان: تعليم نوعي، تمكين المرأة، ودعم ريادة الاعمال للشباب.

الامم لا تنجح لانها “افضل” جوهريا، ولا تفشل لانها “ناقصة” بطبيعتها. النجاح حصيلة مؤسسات عادلة، وسردية جامعة، واقتصاد منتج. والسودان، بما يملكه من تنوع ثري ومجتمع حي، ليس محكوما بالتعثر. حين تتفق الجماعة على “نحن” اوسع من القبيلة واعمق من الحزب، وتدار هذه الـ”نحن” بقواعد واضحة، يبدأ الوطن في التعافي – لا كشعار عابر، بل كمشروع قابل للحياة.
muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

هل يعني تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً نهاية نفوذها؟

دكتور محمد عبدالله يثير الحديث المتزايد في واشنطن عن تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً …