أحمد إبراهيم أبوشوك
خلفية تاريخية
ترجع بدايات الصلة الإدارية بين دولة قطر والسودان إلى مطلع خمسينيات القرن العشرين، عندما اختارت الحكومة البريطانية السير جورج م. هانكوك (George M. Hancock) مستشارًا للشيخ علي بن عبد الله آل ثاني (1948–1960)، حاكم قطر آنذاك، مستندةً إلى الخبرة الإدارية الواسعة التي اكتسبها في السودان الإنجليزي–المصري (1898–1956). فقد التحق هانكوك بخدمة السودان السياسية عام 1925، وعمل في مديريات النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وأعالي النيل، ثم في مكتب السكرتير الإداري بالخرطوم، قبل أن يُعيَّن مديرًا لمديرية كسلا (1946-1950). وتقديرًا لهذه الخبرة المتراكمة، وافق الشيخ علي بن عبد الله على تعيين هانكوك مستشارًا لحكومة قطر خلال الفترة (1952–1960)، للإشراف على تطوير الجهاز الإداري للدولة. وقد أسهم هانكوك في إعادة تنظيم الدوائر الحكومية، وإرساء نظم أكثر انتظامًا للإدارة المالية والإدارية، وتطوير أجهزة الشرطة والقضاء، وتعزيز الهياكل المؤسسية اللازمة لإدارة الموارد النفطية المتنامية. كما اضطلع بدور استشاري في مجالات التنمية الاقتصادية، والأشغال العامة، والعلاقات بين حكومة قطر وشركات النفط العاملة في البلاد، وعمل بالتنسيق مع الوكالة السياسية البريطانية في الدوحة، جامعًا بين خدمة حكومة قطر ومراعاة المصالح الاستراتيجية البريطانية في منطقة الخليج. وتزامنت فترة عمله مع اتساع نطاق الإصلاح الإداري وبروز اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة الحديثة في قطر. ومع نهاية خمسينيات القرن العشرين، أدى تزايد الخبرة الإدارية الوطنية، وارتفاع الإيرادات النفطية، وبروز دور الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في إدارة الشؤون الداخلية، إلى تراجع الحاجة إلى المستشار البريطاني. فتقاعد هانكوك في يونيو/حزيران 1960، وأُلغي المنصب لاحقًا بعد انتقال مسؤوليات التخطيط والإدارة إلى الكوادر القطرية، في خطوة عكست تنامي الاستقلال الإداري للدولة قبل استقلالها في 3 سبتمبر/أيلول 1971، عقب إنهاء معاهدة الحماية البريطانية (1916-1971).
وبعد عام من الاستقلال، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين قطر والسودان، فافتتحت جمهورية السودان سفارة لها في الدوحة، كما افتتحت دولة قطر سفارتها في الخرطوم. وفي مطلع عهد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (1972–1995)، استعانت دولة قطر بنخبة من الكفاءات السودانية للإسهام في بناء مؤسساتها الحديثة، فعمل السفير محجوب مكاوي بابكر في رئاسة وزارة الخارجية بالدوحة، والسفير جمال محمد أحمد خبيرًا دبلوماسياً في سفارة دولة قطر بواشنطن، والسفير خليفة عباس العبيد خبيرًا دبلوماسياً في سفارة قطر بلندن، والسفير يعقوب عثمان يعقوب خبيرًا دبلوماسياً في سفارة قطر باسلام آباد في باكستان. كما أُعير عدد من رجال القضاء والقانون والشرطة والجيش، من بينهم القاضي الفاتح عووضة، والقاضي صلاح حسن عبد الرحمن، والقاضي محمد أحمد عبد الرحمن، والضابط عبد الرحمن حسن سوار الذهب (الذي أصبح لاحقًا مشيرًا ورئيسًا للمجلس العسكري الانتقالي في السودان)، إلى جانب عدد كبير من الكفاءات السودانية التي عملت في السلك الإداري والمالي والكتابي، والقطاع الصحي والتعليمي والقانوني والرياضي، وفي أجهزة الشرطة والقوات المسلحة.
ومنذ ذلك التاريخ، اتسمت العلاقات السودانية–القطرية بالتعاون الوثيق والتفاهم المتبادل، وشهدت تطورًا مطردًا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وخلال عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (1995–2013)، دخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة اتسمت بعمق الشراكة واتساع مجالاتها، من خلال إطلاق عدد من المشروعات السياسية والاقتصادية والثقافية الرائدة، التي أسهمت في ترسيخ الروابط الاستراتيجية بين البلدين. وفي هذه الكلمة، التي مقصدها وفاءً وعرفانًا للأمير الوالد الذي انتقل إلى جوار ربه في 12 يوليو/تموز 2026، سأركز على أبرز وجوه هذا التعاون الثقافي، فأولها المشروع القطري–السوداني للآثار، الذي يُعدُّ نموذجًا رائدًا للشراكة الثقافية والحضارية بين البلدين، وإسهامًا كبيرًا في حماية التراث الأثري السوداني وصونه والتعريف به على المستويين الإقليمي والدولي؛ وثانيها المركز الثقافي السوداني، الذي أُسس في الدوحة عام 2007؛ وثالثها طباعة أثني عشر ديوانًا لشعراء سودانيين في إطار الاحتفالات بالدوحة عاصمة للثقافة العربية لسنة 2010.
التعاون الثقافي: المشروع القطري-السُّوداني للآثار
بمبادرة كريمة من الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أُطلق المشروع القطري–السوداني للآثار عام 2012، بهدف دعم أعمال التنقيب الأثري في الولاية الشمالية وولاية نهر النيل، وترميم الآثار المكتشفة وصيانتها، إلى جانب إعداد برامج تدريبية لتأهيل الكوادر السودانية العاملة في مجالي الآثار والسياحة. وسُجِّل المشروع في السودان ضمن سجل المنظمات غير الحكومية تحت اسم منظمة تنمية آثار النوبة (نادو)، لتعمل بالتعاون مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف في السودان، وبالشراكة مع هيئة متاحف قطر. وقد خصصت دولة قطر للمشروع تمويلًا بلغ 135 مليون دولار أمريكي على مدى خمس سنوات، وهو ما أتاح تشكيل إحدى وأربعين بعثة أثرية وطنية ودولية للعمل في الكشف عن المواقع الأثرية، وترميم المكتشف منها والمحافظة عليه، ودراسة اللغة المروية القديمة ومحاولة فك رموزها، وإنشاء مراكز لخدمة الزائرين في عدد من المواقع الأثرية، فضلًا عن تطوير البنية التحتية الداعمة للسياحة الثقافية، من خلال إنشاء متاحف واستراحات ومرافق خدمية.
ومن أبرز المواقع التي حظيت بعناية المشروع موقعا جزيرة مروي (البجراوية) وجبل البركل، وكلاهما مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما يمثّلانه من أهمية استثنائية في تاريخ الحضارة الكوشية وممالك وادي النيل القديمة. ولم يقتصر المشروع على التعاون الثنائي بين السودان وقطر، بل شاركت فيه أيضًا بعثات علمية من عدد من الدول، منها فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبولندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، تحت مظلة منظمة تنمية آثار النوبة (نادو).
ويُعد المشروع القطري–السوداني للآثار من أكبر المشروعات الدولية التي نُفِّذت في مجال الآثار والتراث الثقافي في السودان، سواء من حيث حجم التمويل أو اتساع نطاق أعماله وتعدد المؤسسات والبعثات المشاركة فيه. وإلى جانب أنشطة التنقيب والترميم والبحث العلمي، موّل المشروع إنشاء معسكرين متكاملين لإقامة الباحثين والخبراء والزائرين، أحدهما في منطقة مروي (البجراوية)، والآخر في جبل البركل، لتوفير الدعم اللوجستي للبعثات الأثرية والعاملين في المشروع. وقد تقرر أن تؤول هذه المنشآت إلى الحكومة السودانية بعد انتهاء المشروع، لتُستخدم في خدمة زائري المواقع الأثرية، أو تُحوَّل إلى مراكز تدريب ميداني لطلاب أقسام الآثار في الجامعات السودانية في مجالات الحفريات، والترميم، والإرشاد السياحي. وللإشراف على تنفيذ المشروع، شُكِّلت لجنة توجيهية عليا مشتركة ضمت نخبة من علماء الآثار والخبراء الدوليين المشهود لهم بالكفاءة في دراسة التراث الحضاري السوداني والعمل الأثري الميداني، إلى جانب ممثلين إداريين من السودان ودولة قطر، بما ضمن حسن إدارة المشروع وتحقيق أهدافه العلمية والتنموية.
المركز الثقافي السودان بالدوحة
في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أُنشئ المركز الثقافي السوداني في دولة قطر بموجب مرسوم وزاري، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والتبادل الثقافي بين دولة قطر وجمهورية السودان. وافتُتح المركز رسميًا في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، في احتفال حضره مسؤولون من وزارة الثقافة القطرية، وأعضاء السفارة السودانية في الدوحة، وعدد من السفراء والدبلوماسيين والمثقفين العرب. ونصَّ المرسوم التأسيسي على أن يكون المركز منبرًا رئيسًا لنشر الثقافة السودانية، وفضاءً لاستيعاب الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية والأدبية، التي تُسهم في التعريف بالموروث الحضاري السوداني وتعزيز العلاقات الثقافية بين السودان وقطر. كما استهدف توثيق الروابط الفكرية والإبداعية بين المثقفين والفنانين والأدباء السودانيين المقيمين في دولة قطر، وتشجيع التواصل بين الأجيال، وترسيخ قيم العمل الثقافي المؤسسي. ومنذ تأسيسه، اضطلع المركز بدور بارز في تنشيط الحركة الثقافية السودانية في دولة قطر، من خلال تنظيم الندوات والمحاضرات والأمسيات الأدبية والفنية، وإقامة المعارض والاحتفالات الوطنية، واستضافة الفعاليات التي تعكس التنوع الثقافي السوداني. كما وفر فضاءً للحوار والتبادل الثقافي بين السودانيين والمجتمع القطري، وأسهم في تعزيز الوعي بالتراث السوداني والتعريف بإسهاماته الحضارية. وإلى جانب ذلك، اهتم المركز بتأهيل المبدعين السودانيين من الشباب والشابات عبر تنظيم الدورات التدريبية والورش المتخصصة، بما يعزز التواصل بين الأجيال، ويربط الطاقات الإبداعية الجديدة بحواضن الفكر والثقافة السودانية، فضلاً عن دعمه للتعاون الثقافي والفني والأدبي بين السودان وقطر، وتوثيق صلاته بالمؤسسات الثقافية والبعثات الدبلوماسية العاملة في الدولة.
طباعة دواوين شعراء سودانيين
المشروع الثالث الذي أنجز في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، تمثّل في طباعة اثني عشر ديوانًا لشعراء سودانيين في العام 2011، وذلك في إطار مبادرات الاحتفال بالدوحة عاصمةً للثقافة العربية عام 2010. وتشمل هذه الدواوين: “غارة وغروب” (محمد المهدي المجذوب)، و “من وادي عبقر” (الدكتور سعد الدين فوزي)، و “المجموعة الشعرية الكاملة” (محمد محمد علي)، و “في مرايا الحقول” (محمد عثمان كجراي)، و “في ميزان قيم الرجال” (محمد عثمان عبد الرحمن)، و “من التراب” (الدكتور محيي الدين صابر)، و”المغاني” (مصطفى طيب الأسماء)، و”على شاطئ السراب” (أبو القاسم عثمان)، و “الوحي الثائر” (فضل الحاج علي)، و “شيء من التقوى” (الجيلي صلاح الدين)، و”ديوان أم القرى” (الشيخ عثمان محمد أونسة)، و “شبّابتي” (حسين محمد حمدنا).
وفي تقديمه لطبعة هذه الدواوين، كتب الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزير الثقافة والفنون والتراث آنذاك:
“إن وزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر، إذ تنجز هذا المشروع وتقدمه هديةً لأبناء السودان وللمثقفين العرب في كل مكان، ترى أن ذلك من صلب مسؤولياتها للارتقاء بالثقافة العربية، وتفعيل دورها في بناء مجتمع عربي متسامح يجد في الثقافة مرتكزاته الحقيقية. ويعد هذا المشروع واحدًا من المشروعات التي تعمل الوزارة على إنجازها في المرحلة القادمة، التي تزدحم بكثير من المشروعات الثقافية والفنية.”
وتكشف هذه المبادرة عن إدراكٍ عميق لأهمية الأدب السوداني بوصفه جزءًا أصيلًا من المشهد الثقافي العربي، كما تعكس حرص دولة قطر على دعم حركة النشر، وإبراز الأصوات الإبداعية السودانية، وتعزيز جسور التواصل الثقافي بين السودان ومحيطه العربي من خلال مشروع نوعي ترك أثرًا ملموسًا في المشهد الثقافي.
خاتمة
لقد قصدت بهذه الكلمة إلقاء الضوء على جانبٍ من المبادرات الثقافية والحضارية التي ارتبطت بعهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيَّب الله ثراه، والتي تركت أثرًا عميقًا في مسيرة العلاقات السودانية–القطرية. فقد تجاوزت هذه المبادرات حدود الدعم التقليدي لتؤسس لشراكةٍ ثقافيةٍ وتنمويةٍ مستدامة، تجلت بوضوح في المشروع القطري–السوداني للآثار، الذي أسهم في حماية وصون جانبٍ مهم من التراث الحضاري السوداني، وحفظه للأجيال القادمة، وتعريف العالم بإرث حضارة السودان وممالك كوش ونبتة ومروي، فضلاً عن دعم البحث العلمي، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتعزيز السياحة الثقافية في السودان.
وفي السياق نفسه، مثّل إنشاء المركز الثقافي السوداني في الدوحة ترجمةً عمليةً لإيمان القيادة القطرية بأن الثقافة تشكل أحد أهم جسور التواصل بين الشعوب. فقد أتاح المركز للجالية السودانية فضاءً رحبًا لممارسة أنشطتها الثقافية والفكرية والفنية، والمحافظة على هويتها الوطنية، وتعريف المجتمع القطري بثراء الثقافة السودانية وتنوعها، بما عزز التفاهم المتبادل ورسخ أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرات لا تكمن في حجم التمويل الذي خُصص لها، ولا في عدد المشروعات التي أُنجزت في إطارها فحسب، وإنما في الرؤية التي انطلقت منها؛ وهي رؤية جعلت من الثقافة والتراث والمعرفة أدواتٍ فاعلةً في بناء العلاقات الدولية وتعميقها. وقد أدرك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن الاستثمار في الإنسان وتراثه الحضاري لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية، وأن صون ذاكرة الأمم جزءٌ أصيل من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الحضارة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، سيظل اسم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة كثير من السودانيين، ليس بوصفه قائدًا أسهم في توثيق العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين فحسب، بل باعتباره راعيًا لمشروعات ثقافية وحضارية تركت آثارًا باقية تتجاوز حدود الزمن والمكان. وإن هذه المشروعات تمثل شاهدًا على مرحلةٍ متميزةٍ من التعاون السوداني–القطري، ونموذجًا لما يمكن أن تحققه الشراكات العربية عندما تُبنى على رؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان، وتحافظ على التراث، وتؤمن بأن الثقافة إحدى الركائز الأساسية للتنمية المستدامة وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من مبادراتٍ وإنجازاتٍ أسهمت في خدمة السودان وقطر، وفي ترسيخ نموذجٍ عربيٍّ رائدٍ للتعاون الثقافي والحضاري، سيظل أثره ممتدًا ما بقيت تلك المؤسسات والمشروعات تؤدي رسالتها في حفظ التراث وبناء جسور المعرفة والتواصل بين الأجيال.
ahmedabushouk62@hotmail.com
