الإدارة بالأوهام

الإدارة بالأوهام
مضاعفات ازمة الديون في بداية الألفية الثالثة
ناجي شريف بابكر، السادس من ابريل، ٢٠٢٦
.
في وقت ما عقب إندلاع الأزمة الإقتصادية التي بدأت بالولايات المتحدة في الأعوام ٢٠٠٧ – ٢٠١٠ بما عرف وقتها بأزمة الديون أو الصب برايم مورغيج كرايسيس، والتي تسببت في إفلاس ٣٤٥ مؤسسة بعجز إجمالي في حدود الستماية مليار دولار، كان من أبرزها مؤسسات عملاقة كليمان بروزرس، وترانس وورلد أفييشان أو التي دبليو إيه وميري لينش..

في الخرطوم أعلن مسئولون كبار هنا، على راسهم وزير المالية السوداني، في وقت كان فيه أكثر من ثلثي دخل البلاد القومي يعتمد على إيرادات صادر النفط الخام، أنهم لا يحتاجون لإتخاذ أي تحوطات في مواجهة الأزمة لأن اقتصاد البلاد وفق قولهم مُحصّن بالشريعة الإسلامية. لكن الحقائق كعادتها لا تمهلُ الأوهام طويلا، فقد أتت الضربة قاضية على الإقتصاد السوداني أكثر من غيره من الدول، حينما اكتسح الكساد العالمي أسواق الطاقة فانخفض سعر برميل النفط من ثمانين إلى أقل من ٣٤ دولارا بسبب الصدمة التي خلفتها أزمة الديون العالمية.

أزمة التعثّر المصرفي:
إنكمش إقتصاد البلاد الريعي، وتضاءل بالتالي الإنفاق العام.. وعجزت وزارة المالية في مقابلة إلتزاماتها وتعهداتها تجاه المقاولين من القطاع الخاص، حدا دفع إدارة الضرائب لعدم قبول السندات والتعهدات الحكومية التي حل أجلها كمقابل لألتزامات الممولين، وصارت السندات الحكومية كبضاعة كاسدة، يطرحها السماسرة في الأسواق مقابل ما يقل عن أربعين بالمائة من قيمتها الإسمية.. دفعت تلك العوامل والمتغيرات مجتمعة، لاندلاع أزمة مواقتة في أداء القطاع المصرفي في السودان، حيث بدأت تتراكم الإلتزامات المؤجلة في المصارف السودانية مما زاد من تكرار ظاهرة التعثُّر المصرفي والديون المشكوك في تحصيلها، على مستوى واسع أو ما يعرف بال(نون بيرفورمينغ ديتس)، فما كان من محافظ بنك السودان إلا أن ابتدر حملة تشهير وشيطنة ضد كافة رواد القطاع الخاص الوطني بلغت درجة أن إستدعى لجنة من جهاز الأمن والنيابة والجهاز القضائي واتحاد اصحاب العمل، ثم أرسل في المدائن حاشرين.

في ليلة واحدة قام جهاز أمن النظام بالقبض على معظم رموز الرأسمالية الوطنية بالبلاد، بالتحديد أولئك الذين لا يوالونه سياسيا، وإيداعهم المعتقلات في شهر رمضان في ظروف قاسية ومرعبة. تم ذلك عقب تحشيد إعلامي وندوات مفتوحة أقامها له للغرابة إتحاد أصحاب العمل الذي كان حريّا به حماية عضويته، لا التنكيل بها لمصلحة نظام شموليّ مستبد. خلال تلك الندوات تم تنميط المصنعين والتجار والمستثمرين وتقديمهم لجمهور من الهتيفة والسوَقة والعوام على أنهم شياطين مُقرنين ومتآمرين مأجورين يهدفون لتدمير الإقتصاد السوداني ويتوجب التنكيل بهم. حالة إنكار رسميّ واسع ومتعمد لعلاقة العليّة التي تربط منطقا بين ماحدث من إنكماش وصدمة في اقتصاد البلاد ونفقاتها العامة، والتباطؤ والإنكماش الإقتصادي الذي خلّفته الأزمة العالمية على إقتصاديات كل دول العالم مجتمعة..

مذبحة الأصول:
صاحب تلك الحملات الإنتقامية تعديلات قانونية جائرة أولها تولي المحافظ بنفسه لرئاسة مجلس إدارة المصرف المركزي، ثم نجاحه في إطلاق سلطات المجلس ليكون مقررا لدى رئاسة الجمهورية. فأصبحت قرارات المحافظ لا مراجعة فنية لها لأنها غير خاضعة لمجلس إستشاري مختص.. ثم تعديل آخر في قانون الأموال المرهونة للمصارف، أشرف على تمريره بنفسه، عبر برلمان النظام، أعطى المصارف الحق في التصرف في الأموال المرهونة على طريقتها دون حاجة للرجوع للقضاء. فانتقلت جراء ذلك، بسبب حمى الديون، مقادير ضخمة من الأصول وثروات القطاع الخاص، من أصحابها لتؤول إلى قطاعات طفيلية.. سماسرة ودلالين وإلى حفنة من مرابين ملتحين بكروش عظيمة.. تم عرض وسائل النقل والماكينات، والآليات الزراعية في مزادات صورية انتظمت كل القطاعات بأسعار وضيعة، وتم إعادة تصديرها بواسطة وكلاء لشركات أجنبية، بإرساليات عبر الحدود.
دفع الأمر بالدكتور الراحل عبد الرحيم حمدي، كشاهد من النظام، دفعه لإطلاق الدعوة لإنقاذ الأصول وذلك بإقامة شركة عامة قابضة تطرح أسهمها للجمهور عبر سوق الأوراق المالية. على أن تستولى على الأصول والمنقولات مقابل شراء ما يقابلها من ديون المصارف، وقد كان لعمري حلا ذكيا وبارا بأهله، يحفظ أصول البلاد وثرواتها من الدمار، لكن الأطماع الخفية والحسد والتباغض حالت جميعها دون تبني تلك الوصفة الناجعة.

ثمار الأزمة:
في ذلك الوقت قام محافظ بنك السودان بحصاد ثمار الأزمة وتوظيفها من خلال إبتزاز المؤسسات الوطنية بعجوزاتها الطارئة في السيولة، وبالتحديد قطاع المصارف. وما نحن بصدده هنا هو ما فعله محافظ البنك المركزي وقتها من التشَفّي والتنكيل باحد المصارف، الذي كان يناصب إدارته عداء قديما.. فحينما بدأت العجوزات تشتد على المصرف المذكور وبدأت الشيكات واوامر الدفع المسحوبة عليه في غرفة المقاصة ترتدّ وتتراكم بصفة يومية.. قام المحافظ بالإيحاء بنصيحة مسمومة لمدير المصرف يعلمه فيها بإستعداده للمساندة.. ظن المدير أن المحافظ قد نسي أو هداه الله فتخلى فجأة عن كل أضغانه ومرائره القديمة تجاه المصرف. شأنه شأن الحَجّاج الذي حينما ولاه الأمويون أمر العراق، خطب في أهله قائلا “أيها الناس أعلم أن بيني وبين بعضكم إحن وضغائن كثيرة، لكني تركت ذلك وراء ظهري ودُبرَ أُذنيّ.. والله لو بلغَني أن أحدَكم قد قتله السلُّ من بُغضي ما هتكتُ له سِرا”..

أسرّ المحافظ للمدير بأنه على إستعداد لتغطية عجوزات المصرف في غرفة المقاصة بصفة يومية، بشرط أن يقوم المدير بكتابة ورقة بخط يده ويوقع عليها، طالبا مبلغ العجز.. فانفرجت اسارير المدير المغلوب على أمره، رغم أنه لم يصدق ذلك الإنقلاب العاطفي المفاجئ في سلوك المحافظ. وبدأ بالفعل يرسل مبعوثا بورقة ممهورة بتوقيعه صباح كل يوم للمحافظ بمقدار عجز المقاصة، فيقوم المصرف المركزي بتغطية العجز بصفة يومية دون أن يقيد مقابل ذلك قيدا مماثلا في حساب الإحتياطي الخاص بالمصرف لدى بنك السودان.. لم يشأ المدير أن يسأل أين يذهب الخصم المقابل للعجوزات، فلا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم..
تراكم العجز وتراكمت مبالغ التغطية وسارت الأمور على هذا النحو وسط دهشة إدارة المصرف، من الكرم الحاتمي الذي يعاملهم به محافظ المصرف المركزي.. حتى أتي اليوم الذي فوجئوا فيه بالمحافظ وهو يتربع على طاولة رئيس مجلس الإدارة.. طرّح المحافظ بغلظة معتادة شروطه وخياراته الجائرة؛ إما أن يقوم بتقييد مبلغ العجز دفعةً واحدة على حساب المصرف ببنك السودان.. بما سيتجاوز بمراحل، إجمالي الأصول الثابتة والسائلة والمنقولة ويضطر بموجبه المصرف لإعلان التصفية، وإما أن يوافق مجلس الإدارة على إجازة قرار في الجمعية العمومية يقوم بإصدار وتخصيص أسهم بمقدار العجز، لصالح البنك المركزي محسوبة بالقيمة الدفترية لسهم البنك لحظة تأسيسه في العام ١٩٩٣.

شكّلَ هذا المقترح أكبر عملية نصب واحتيال تحدث لمؤسسة خاصة على حساب مساهميها من الجمهور والمؤسسات العامة في السودان. فقد كان القرار بمثابة إهدار متعمد لحقوقهم التاريخية والمكتسبة، فقد صادر لأمر المصرف المركزي الفوائض الرأسمالية المقابلة للتدهور في القيمة الإسمية للأسهم المصادرة. ما كان من إدارة البنك إلا الخضوع لشروط المحافظ الجائرة، فدعا بعدها المحافظ كمالك لأكثر من ثلثي قيمة الأسهم إجتماعا للجمعية العمومية أطاح فيه بمجلس إدارة المصرف، وعين المحافظ نفسه رئيسا لمجلس الإدارة فكان أول قرار إتخذه مجلس الإدارة الجديد فصل المدير العام ونوابه ومساعديه، لينفرد المحافظ بإدارة المصرف وملكيته معا.. كانت العملية برمتها نموذجا لما كان يحدث وقتها بصورة واسعة من إدارة الصراعات والغبائن الشخصية وتصفيتها بقوة النفوذ، عبر مواعين الدولة وعلى حسابها، دون اعتبار للمظالم التي قد يحدثها هذا النهج..

خاتمة:
كنت منفعلا بهذه المظلمة الجائرة ومظالم أخرى كثيرة. شملت مصارف ورجال أعمال كالنهج الذي تم اتباعه في وقت مبكّر نسبيا تجاه مؤسسات أخرى، كمظالم حملة الأسهم والدائنين في التصفية الإختيارية لشركة مواشينا التابعة لبنك الثروة الحيوانية، ومظالم إستيلاء المحافظ على أصول وعقارات رجل أعمال رحل مؤخرا، وتمليكها لجهاز الأمن وشخصيات نافذة في النظام دون أوامر قضائية، وماكان يحدث من مطاردة الغرماء لدرجة تدخل المحافظ السافر في غرف المقاصة لقطع الطريق على شيكات مستحقة لبعض خصومه ومستهدَفيه من رجال الأعمال، وما حدث من تواطؤ مريع في مظلمة المزارعين في مواجهة بنك الثروة الحيوانية بالسوق العربي والتي حسمتها المحكمة الدستورية لترفع عنهم مظلمتهم ولكن بعد فوات الأوان.. ومظالم أخرى كثيرة لا يتسع المجال لتفصيلها، لكن سطوة النظام ومكائده تلك الأيام كانت على أشدّها، فكان عليّ أن أتبنى نهج كليلة ودمنة في وصف هذه المآسي والمظالم التاريخية.. ومما كتبته عن أزمة المصرف وقتها تمثل في حكاية قصيرة عن الدجاجات والفلاح البخيل.. لكي أنفّس شيئا من الهواء الساخن الذي كان يخنق صدري.. سأقوم بإدراج القصة في منشور منفصل.. وهي باللغتين العربية والإنجليزية.
مودتي واحترامي..

عن ناجي شريف بابكر

ناجي شريف بابكر

شاهد أيضاً

معارضو الحرب مختلفون.. لكنهم ليسوا خونة

الخونة الحقيقيون هم من يخبزون طحينهم بالدماء والدموع، ومن تتعاظم ثرواتهم من مآسي شعوبهم وويلاتها …