الإدارة بالمقلوب! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
3 يوليو, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
41 زيارة
أحياناً تبدو تعليقاتنا على مجريات الأوضاع وكأنها تتناول بعض الأمور التي يراها البعض أهون من مصائبنا الكبرى في الإقتصاد والنزاعات والحروب واللجوء وأزمة الحكم وإستشراء الفساد مما يجعل بعض الغرائب اليومية من (السفاسف) التي لا ينبغي الإشتغال بها! ولكن أحوال السودان تدفعنا إلى تناول بعض المفارقات قد يراها البعض من (الأمورالهيّنة) وهي ليست كذلك عندما تنظر إليها مليّاً، لأنها تريك ما وصل إليه الحال في إدارة الشأن العام، ومن جهة آخرى تكشف لك عن درجة التسلّط الذي بلغه بعض البشر الذين أصبحوا يديرون شؤون الدولة والمدن والبشر!
والغريب أن يجد هذا المستوى المتدنّي من الإدارة الإعجاب والإشادة من الذين لا يرون حتى الآن ما وصل إليه الوطن من إنهيار في كافة المجالات والقطاعات والمرافق؛ وقد لفت نظري في صحيفة لا تستطيع أن تنظر إلى عنوانها إلا وتوقن أن الأشياء عندنا أصبحت (ضد مسمياتها)؛ الأحرار خائنو،ن والحرامية شرفاء، واللاغفون أذكياء، والأذناب وجهاء، والمشعوذون (مباريك) وهلمجرا..!
قالت كاتبة المقال (الذي لن تسامحنا مراجع البلاغة في تسميته بالمقال) ما معناه أنها معجبة غاية الإعجاب بما راج عن قرار منسوب إلى معتمد الخرطوم يقضي بـمصادرة (العناقريب) من أمام دكاكين أحياء الولاية حتى لا يتجمع فيها العاطلون والفارغون..! وقالت إن مثل هذا القرار يضع الولاية (في المسار السليم) وأنها تناشد المعتمدين الآخرين أن يحذو حذو هذه القرارات! نعوذ بالله مما وصل إليه الحال! ولو صح هذا القرار فإنه يشير إلى درجة بعيدة من تسلط منسوبي السلطة وتابعيهم من المطبلاتية حاملي صاجات (مزيكة حسب الله) ؛ فبالله عليك على ماذا يُشكر الذين دفعوا الشباب إلى محرقة العطالة عبر هذه السياسات التمكينية العرجاء التي لا تنظر إلى تأهيل من يتولون خدمة الشعب دافع المرتبات والمخصصات، فأصبحت إدارة الشأن العام تجري على نهج (البصيرة أم حمد)؟!.. والسؤال هو: هل من واجب السلطة أن تبحث عن عمل للعاطلين أم يتمثل الحل الناجع في (مطاردة العناقريب)؟ وهل يملك المعتمد إذا أصدر هذا القرار أو لم يصدره أن يحدد للناس أين يجلسون؟ وكيف يجلسون؟ وماذا يقولون في أسمارهم الخاصة؟! وتحت أي بند في الدستور يمنع المعتمد (الونسة) ويصادر عناقريب الدكاكين؟ وماذا ستفعل المعتمدية بهذه العناقريب المُصادرة؟!
هذا الأمر كله على ما فيه من جهالة وتسلّط وانسداد أفق وعقل (وثناء أخرق) لو حوّلناه إلى ملهاه لكانت ملهاة سوداء لم يحلم بها (إرستوفان وموليير) فهذه الحلول العبقرية لا مثيل لها حتى في القصص التي تروي منسوبة إلى “الحاكم بامر الله الفاطمي”! وسواء كانت حقيقة صادرة منه أو كانت مثالاً لإرتباط الجهل بالتسلط ومعالجة الأمور (بالمقلوب)، فإن فيها حكاية لا تقل عن “مصادرة العناقريب” وهي أنه عندما كان حاكماً في مصر أو(معتمدا للقاهرة) أراد منع النساء من الخروج إلى الأسواق.. فأصدر أمراً بمنع صناعة (النعال الحريمي)!
murtadamore@yahoo.com