الإدارة والسلطة: متى تتحول الوظيفة إلى عبء؟

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون كتب

ليست السلطة في ذاتها شرًّا،
كما أن غيابها ليس فضيلة.
لكن المأساة تبدأ
حين تُمنح السلطة بلا وعي إداري،
وحين تتحول الوظيفة من تكليف إلى امتياز.
في تلك اللحظة، لا تعود الإدارة أداة تنظيم،
بل تصبح عبئًا ثقيلًا على المؤسسة،
وأحيانًا على الدولة بأكملها.

الوظيفة العامة: من خدمة إلى غنيمة

في أصلها، الوظيفة موقع لخدمة غاية أكبر:
مؤسسة، مجتمع، وطن.
لكن في كثير من واقعنا العربي
انقلب المفهوم:
المنصب يُطلب لا ليُنجز،
والسلطة تُمارس لا لتُحاسَب،
والقرار يُتخذ لا ليُصيب، بل ليُظهر الهيبة.
فتتحول الوظيفة إلى غنيمة إدارية،
ويتحول المدير إلى حارس كرسي،
لا حارس أداء.

حين تتقدم السلطة على الإدارة

الإدارة علم،

والسلطة أداة.

وحين تنقلب المعادلة،
فتقود الأداةُ العلمَ،
تظهر الأعراض سريعًا:

قرارات ارتجالية،

خوف في الصفوف الأدنى،

تملق في التقارير،

غياب المبادرة،

وموت المسؤولية الفردية.

والمؤسسة التي تخاف لا تُبدع،

والموظف الذي يُهان لا يُنتج.
والإدارة — في جوهرها
ليست رأيًا شخصيًا،
بل منظومة تبدأ بالتخطيط،
وتستقيم بالتنظيم،
وتنجح بالتفويض،
وتُصحَّح بالرقابة،
وتُحاسَب بالتقييم.
وكل سلطة لا تمر بهذه السلسلة
هي سلطة مرتجلة،
مهما بدت قوية في ظاهرها.

المدير المتسلّط: فشل مقنّع بالهيبة
أخطر المديرين ليس الجاهل،
بل المتوهم.
ذلك الذي
يخلط بين الحزم والقسوة،
وبين الانضباط والإذلال،
وبين القيادة ورفع الصوت.
فيصنع حوله صمتًا كثيفًا،
ويحسبه احترامًا.
والصمت الإداري
ليس دليل نظام،
بل علامة اختناق.
السلطة التي لا تُراجع تُفسد

لا توجد سلطة إدارية معصومة.
كل سلطة بلا:
توصيف وظيفي دقيق،
صلاحيات محددة،
مساءلة واضحة،
مؤشرات أداء قابلة للقياس،
هي سلطة مرشحة للانحراف،
ولو حسنت النيات.

وهنا يظهر الفرق بين:
مدير قوي
ومدير مُفوَّض
الأول يحكم،
والثاني يُدار ويُحاسَب.

متى تصبح الوظيفة عبئًا؟
تصبح الوظيفة عبئًا حين:
تُشغل بلا كفاءة،
تُحمى بلا محاسبة،
تُكافأ بلا أداء،
تُمدَّد بلا تقييم،
وتُمارَس كسلطة لا كمسؤولية.
عندها لا تخسر المؤسسة المال فقط،
بل تخسر الزمن،
والثقة،
وأحيانًا سمعتها التاريخية.

والتجربة العملية تُثبت أن معظم أزمات المؤسسات
لا تبدأ من نقص الميزانيات،
بل من قرارات سيئة اتُّخذت بلا بيانات،
أو صُدّقت بلا نقاش،
أو حُميت بلا مساءلة.
وهنا يتحول الخطأ الإداري الصغير
إلى عبءٍ مزمن.

الإدارة الرشيدة: سلطة تخدم لا تُهيمن
الإدارة السليمة لا تلغي السلطة،
بل تؤدبها بالنظام.
سلطة
تستمد مشروعيتها من النتائج،
وتُقاس بآثارها لا بمظاهرها،
وتخضع للمراجعة قبل أن تُراجع الآخرين.
وهنا فقط
تتحول الوظيفة من عبء
إلى قيمة مضافة.

خاتمة

ليست مشكلتنا في قلة القوانين،
بل في غياب الإدارة العادلة لتطبيقها.
وليست أزمتنا في ضعف الموارد،
بل في سوء استخدام السلطة الإدارية.
ومن لا يُحسن إدارة موقعه،
مهما علا،
فهو عبء…
ولو بدا في أعين الناس رمزًا.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

نظم الأجور وتقييم الوظائف قلب العدالة الإدارية

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ليست العدالة الإدارية شعارًا يُرفع ولا نيةً …