الإسلاميون في السودان بعد التصنيف الأمريكي: نهاية مشروع أم بداية تحوّل؟

دكتور محمد عبدالله

في خضم الحرب السودانية المشتعلة، حيث تلتهم النيران المدن وتتناثر الجثث في الطرقات، وتعيش القرى تحت وطأة الحصار والتجويع، جاء قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية ضمن المنظمات الإرهابية ليضيف طبقة جديدة من الأسئلة إلى نقاش قديم لم يُحسم بعد. غير أن السودانيين الذين اختبروا عقودًا من حكم هؤلاء الإسلاميين، وتذوقوا مرارة تجاربهم، يعرفون أن التصنيف الأمريكي لا يقول لهم جديدًا عن حقيقة من سلبوا أرواحهم وأرزاقهم وأحلامهم.

في الذاكرة السودانية، الإسلاميون ليسوا مجرد فصيل سياسي اختلف الناس معه في الرأي أو تنافسوا معه على السلطة. إنها ذاكرة مثقلة بتفاصيل ثلاثة عقود من حكم امتزجت فيها الشعارات الدينية بالفساد السياسي. مليارات تدفقت من النفط والذهب والزراعة، لكن الحصيلة كانت أن أصبح السودان، الغني بموارده، واحدًا من أفقر بلدان الأرض. ولم تنس هذه الذاكرة أيضًا قصص القتل في المعتقلات والسجون، ولا الملاحقات الأمنية التي دفعت آلاف الشباب إلى منافي الاختيار القسري.

وتتذكر الخرطوم بمدنها الثلاثة كيف كان الإسلاميون يملأون شوارعها بمسيراتهم الحاشدة، ثم كيف اختفوا وكأن الأرض قد انشقت وابتلعتهم حين واجهت البلاد تحدياتها الحقيقية. وتتذكر مدن دارفور كيف أُشعلت حروب قبلية طويلة، كان وقودها أبناء القبائل المغلوب على أمرهم، بينما تُدار خيوط الصراع من غرف مكيّفة في الخرطوم. كما تتذكر مناطق الشرق والنيل الأزرق كيف تحولت إلى بؤر توتر متجددة كلما احتاج النظام السابق إلى تمديد عمره أو صرف الأنظار عن أزماته الداخلية.

سقوط النظام في أعقاب ثورة ديسمبر 2019 لم يكن مجرد انتقال سياسي عادي، بل انهيار لبنية كاملة كانت تمزج بين الحزب والدولة، بين الدعوي والسياسي، وبين العام والخاص. فعلى مدى ثلاثة عقود بنت الحركة شبكات واسعة داخل مؤسسات الحكم والاقتصاد والأمن. وحين سقطت السلطة لم تختف تلك الشبكات، بل تراجعت إلى الظل، وأعادت ترتيب أوراقها، منتظرة اللحظة المناسبة للعودة. وقد وجد بعضها تلك اللحظة في انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم في الفوضى التي خلفتها الحرب الدائرة اليوم.

ومع ذلك، لا يستطيع المراقب الموضوعي تجاهل أن الإسلاميين اليوم ليسوا كما كانوا قبل الثورة. فقد تراجع تنظيمهم، وانقسمت تياراتهم إلى جماعات متنافسة، يدّعي كل منها أنه الوريث الشرعي للمشروع. منهم من التحق بهذا الطرف العسكري، ومنهم من اقترب من ذاك، ومنهم من اكتفى بدور المتفرج الذي يوزع البيانات ويستعيد خطاب الماضي.

ولعل المفارقة اللافتة أن حضور الإسلاميين في الخطاب السياسي السوداني يبدو أحيانًا أكبر من حضورهم الفعلي في الواقع. فالحديث المتكرر عن “عودتهم الوشيكة” تحوّل في بعض الأحيان إلى تفسير سهل لكل تعقيدات المشهد، وربما إلى ذريعة تستخدمها قوى سياسية لتبرير إخفاقاتها أو عجزها عن فهم واقع أكثر تعقيدًا.

في هذا السياق جاء التصنيف الأمريكي ليعيد طرح السؤال: هل يستطيع مثل هذا القرار أن يغيّر موازين القوى داخل السودان؟

من الناحية العملية، لا تُسقط القرارات الدولية حركة سياسية بجرة قلم. فالتصنيف الأمريكي يترتب عليه أساساً تضييق مالي ودبلوماسي، من خلال تجميد أصول محتملة وتقييد التعاملات المالية الدولية ورفع كلفة أي علاقة رسمية مع الحركة أو الكيانات المرتبطة بها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة عزلة الإسلاميين دوليًا، كما قد يدفع أي سلطة سياسية يُشتبه في قربها منهم إلى قدر أكبر من الحذر في تعاملها مع الغرب.

لكن تأثير القرار داخل السودان نفسه يظل محدودًا نسبيًا. فمعظم الشبكات السياسية والاجتماعية للحركة تعمل داخل البلاد، أو ضمن اقتصاد غير رسمي يصعب إخضاعه للرقابة الدولية. بل إن بعض الإسلاميين وجدوا في القرار مادة جديدة لتغذية خطابهم التقليدي عن “المؤامرة الخارجية”، وهو خطاب اعتادوا استخدامه كلما ضاقت بهم الساحات السياسية.

لهذا لا يبدو أن التصنيف الأمريكي سيحسم مستقبل الإسلاميين في السودان، لكنه سيؤثر في البيئة التي يتحركون فيها، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقات الدولية وإمكانات العودة إلى السلطة عبر تحالفات سياسية أو عسكرية. وربما يدفعهم إلى مزيد من الحذر في تحركاتهم العلنية، وإلى العمل من خلف الكواليس حيث اعتادوا، في كثير من مراحل تاريخهم، أن يكونوا الفاعل الخفي في المشهد.

أما مستقبل المشروع الإسلامي نفسه، فيمكن النظر إليه من خلال ثلاثة سيناريوهات محتملة.

السيناريو الأول، الذي تراهن عليه قوى الثورة، يفترض أن تجربة الحكم الطويلة ألحقت بالمشروع الإسلامي ضررًا يصعب ترميمه. فثلاثون عامًا من السلطة تركت إرثًا ثقيلًا من الأزمات الاقتصادية والحروب والعزلة السياسية، وهو ما جعل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني تنظر بعين الريبة إلى أي خطاب يعيد إنتاج تلك التجربة.

أما السيناريو الثاني فينطلق من حقيقة تاريخية مفادها أن الحركات السياسية نادرًا ما تختفي تمامًا. فقد تعرضت حركات كثيرة لهزائم قاسية ثم عادت بأشكال مختلفة. وقد يظهر في السودان، مع مرور الوقت، جيل جديد من الإسلاميين يسعى إلى إعادة تعريف المشروع، متخليًا عن بعض ملامحه القديمة، ومقتربًا من نموذج الأحزاب المحافظة التقليدية.

أما السيناريو الثالث، وربما الأقرب إلى طبيعة السياسة السودانية، فيتمثل في تحول الحركة من تنظيم سياسي واضح إلى شبكة نفوذ غير مباشرة. أي أن تأثيرها قد يستمر عبر علاقات داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، حتى لو لم تظهر في صورة حزب قوي أو حركة جماهيرية واسعة.

في النهاية، لا يبدو أن مستقبل الإسلاميين في السودان سيتحدد بقرار أمريكي أو غيره، مهما كان ثقله. فالعامل الحاسم سيظل داخليًا: مآلات الحرب الجارية، وطبيعة الدولة التي ستنشأ بعدها، وقدرة السودانيين على بناء نظام سياسي جديد مع قطيعة كاملة مع الماضي بكل رموزه وأدواته.

المطلوب ليس مجرد تصنيف دولي لحركة بعينها، بل مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، ويحاسب كل من تورط في إراقة الدماء السودانية ونهب ثرواتها.

الذاكرة السودانية ليست صفحة بيضاء يمكن طمسها بسهولة. هي سجل مفتوح يحتفظ بكل التفاصيل، ركام من دماء وأحلام محروقة، لذا فإن مساعي أنصار المشروع الإسلامي داخل السودان، و محاولات تلميع صورته في المحيط الإقليمي، والقرارات الدولية مهما بلغت قوتها، كل ذلك يجب ألا يصرف القوى السياسية السودانية عن أولوياتها الحقيقية، ولا عن التخطيط الجاد لإنجازها، والانتصار لشعارات إحدى أكبر ثورات القرن الحادي والعشرين، المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة. ويجب أن تسعى هذه القوى إلى وحدة الصف، والتسامي عن خلافاتها الصغيرة، والانشغال بالقضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها وقف الحرب و عزل خطابها و فضح لورداتها ، واستئناف الانتقال الديمقراطي، والتأسيس لدولة القانون والمؤسسات التي يتساوى فيها كل السودانيين بغض النظر عن العرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو النوع. و المهم أيضاً انه لا ينبغي الانشغال بهذا القرار الدولي أو ذاك، لأن ما تقرره القوى الدولية سيكون في خاتمة المطاف و على احسن الفروض ، مجرد عامل مساعد للنصر في معركة الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، والتي سينجزها الشعب السوداني بسواعد رجاله ونسائه و طلائع شبابه.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

صراع الخطاب بين “الناجيان” والحكومة.. إلى أين يتجه السودان؟

دكتور محمد عبداللهحين تتكلم السياسة بصوتين، لا يكون السؤال عمّن رفع صوته أولاً، بل عمّن …