الإعلام الإنتقالي
مُعضلات التّحرر ومعركة التّحرير – د. وجدي كامل
كتب د. النور حمد في مقدمة هذا الكتاب :
من أهم مميزات هذا الكتاب تتبُّعُه النقدي الدقيق للأساليب التي استخدمها جهاز الأمن عبر سنوات حكومة الإنقاذ في سنواتها الثلاثين ونيف. فقد مثل نظام الأنقاذ أكبر مثالٍ حيٍّ في عالم اليوم لما يسمى الأمنوقراطية، وهي الحالة التي يصبح فيها كل شيء في الدولة تحت سيطرة جهاز الأمن، بما في ذلك القيادات السياسية التي وصلت إلى السلطة وصنعت جهاز الأمن نفسه. وقد شهدنا في هذه السنوات الثلاثين كيف أصبحت غالبية الصحف وكثيرٌ من الصحفيين تحت قبضة جهاز الأمن. وكيف ابتعدت الصحافة عن دورها الرقابي الناقد، لتتحول تدريجيًا لتصبح أداةً للتضليل والتَّعْمِيَة وإهدار الحقوق ومحق الشفافية. وشهدنا أيضًا كيف عمل جهاز الأمن على محاربة منظمات المجتمع المدني، وكيف تغلغل في الوسط الفني والرياضي. وكيف أعلى من شأن التفاهات والضحالة في الإنتاج الغنائي. وكيف عمل على خلق الكثير من الظواهر الاجتماعية السالبة؛ كالتفاخر في مناسبات الأفراح، والتباهي بالمسكن والمظهر والمأكل. وأسوأ من ذلك، قيام جهاز الأمن وملحقاته العديدة بوضع العقل الجمعي للعامة، تحت قبضة رجال الدين، الذين ظلوا عبر التاريخ الإسلامي أدواتٍ في أيدي الطغاة يستخدمونهم في بثِّ خطابِ التحذيرِ من مغبة الاعتراض على الحاكم. كما كان جهاز الأمن هو خالق وراعي المنصات الإعلامية السرية المؤججة لخطاب الكراهية والمنخرطة بدأبٍ شديد، في تفتيت الوحدة الوجدانية للشعب.

أيضًا، تأتي أهمية هذا الكتاب في صدوره في فترة الحرب الجارية الآن. وهي فترةً اتسمت، بسبب ثورة المعلومات والانفجار المتزايد في وسائل الاتصال، واتساع آفاقها، بأن أصبح الإعلام مجالًا بلا ضفاف. ففي وسع كل فردٍ يملك هاتفًا ذكيًا أن يصبح منصةً إعلامية ذات شأن. ففي الوقت الذي كسرت فيه ثورة المعلومات سيطرة السلطات على المجال الإعلامي، لكنها، في نفس الوقت، فتحت المجال، بصورةٍ غير مسبوقةٍ، لنشوء النزعات الإعلامية الشعبوية. وقد اتسع بهذا الانفجار مجال التضليل الإعلامي اتساعًا لا حدود له. وقد أدركت السلطات الاستبدادية في جميع أركان الأرض مزايا هذا التحول، فجعلت من الأفراد عبر الاستئجار وإتاحة فرص الشهرة، أدواتٍ إعلاميةً وظيفتها الأساسية التضليل، وبلبلة الرأي العام، وخنق فرص الوعي الثوري الديمقراطي. وقد عرفت الأجهزة الأمنية في الأنظمة الاستبدادية هذه الفرص الجديدة، فشرعت في استخدام هذه المزايا التقنية الجديدة، وأصبحت ترصد لها الميزانيات وتعقد ورش التدريب للقابلين للاستخدام في هذه الوجهة.
ختامًا، يأتي هذا الكتاب، كما سلفت الإشارة، ونحن نستقبل فترةً انتقاليةً يُنتظر لها أن تعقب هذه الحرب، بعد أن تضع أوزارها بإذن الله. فقد عالج هذا الكتاب النقدي المتميز تحديات الإعلام الانتقالي. وعالج قضية وضع سياساتٍ إعلامية تخدم فترة الانتقال على الوجه الصحيح والأكمل. فالفترة الانتقالية المقبلة فترةٌ برزخيةٌ بين وعي مشوَّشٍ ينبغي أن تبرأ منه القاعدة الجماهيرية العريضة، ووعيٍ جديد معافى، لم يتبلور بعد، يُرجى له أن يصبح حارسًا للديموقراطية المستدامة المقبلة. أتركك عزيز القارئ مع صفحات هذا الكتاب المهم.
د. النور حمد
