م. هيثم عثمان إبراهيم
مدخل: حين يتكلم الجرح
الحرب في السودان لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل تجربة وجودية عميقة حفرت في الوعي الجمعي أخاديد لا تُمحى. إنها تلك اللحظة القاسية التي تتوقف فيها اللغة العادية عن التعبير، ويبدأ الجرح في الكلام. وحين يتكلم الجرح، فإنه لا يستخدم مفردات السياسة أو القانون، بل مفردات الألم والخوف والذاكرة. وفي قلب هذا المشهد، يظهر الشرخ المجتمعي كعلامة صارخة على أن الألم حين لا يجد طريقاً للمعنى، يتحول إلى انقسام في الرؤية، وفي الروح، وفي معنى الوطن ذاته.
هذا الشرخ ليس مجرد خلاف بين طرفين، بل هو انعكاس لأسئلة أعمق وأكثر إيلاماً، أسئلة لا تُطرح في المؤتمرات الصحفية، بل في صمت البيوت الحزينة وفي حوارات الإنسان مع ذاته. كيف يمكن لمجتمع جريح أن يوازن بين الحاجة الملحة إلى العدالة والحاجة الإنسانية إلى الشفاء؟ وكيف يمكن للإنسان أن يطالب بحقه المسلوب دون أن يقع في فخ الانتقام الذي يحرق الأخضر واليابس؟ هذه الأسئلة تكشف أن الأزمة التي نعيشها ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة وجودية تمس معنى أن تكون إنساناً في وطن يتألم.
أولاً: تعقيد اللحظة: بين وعي يريد بناء الدولة ووعي يريد ردّ الألم
في السودان اليوم، تتجاور رؤيتان متوترتان، لا كعدوين، بل كشقيقين يتألمان بطرق مختلفة. كلتاهما وليدة نفس الجرح، لكن كل واحدة منهما تنظر إلى الأفق من زاوية مختلفة.
الرؤية الأولى ترى أن الخلاص يبدأ من سلام مستدام، سلام يعيد بناء المؤسسات التي انهارت، ويؤسس لعدالة قانونية لا تميز بين المواطنين، عدالة تحمي الجميع لأنها لا تنتمي لأحد. أصحاب هذه الرؤية يراهنون على المستقبل، ويؤمنون بأن الدولة، رغم كل إخفاقاتها، هي الضمان الوحيد لئلا تتكرر المأساة. إنهم يدركون أن الطريق طويل، لكنهم يرفضون أن يكون البديل هو الفوضى أو حكم القوة.
أما الرؤية الأخرى، فتشعر أن العدالة لا معنى لها ما لم تُردّ المظالم فوراً، لأن الذاكرة مثقلة بالدم، ولأن الدولة التي يُفترض أن تحمي القانون كانت هي نفسها أداة للظلم أو غائبة عن المشهد حين كان الناس يُقتلون ويُشردون. أصحاب هذه الرؤية لا يثقون في الوعود، لأنهم لم يروا من المؤسسات إلا الغياب، ولم يسمعوا من السياسيين إلا الكلام الذي لا يغير شيئاً في حياتهم اليومية.
هذا التوتر ليس صراعاً بين الخير والشر، بل هو حوار مأساوي بين وعيَين متألمين يبحث كل منهما عن معنى في وسط الفوضى. وعي يراهن على المستقبل، ووعي أسير للحظة الجرح. وعي يريد دولة، ووعي يريد جبراً فورياً للضرر. إن الاعتراف بهذا التعقيد، وبهذا الألم المزدوج، هو الخطوة الأولى نحو خطاب مسؤول لا يختزل الناس في ثنائيات بسيطة، ولا يحاكم الألم بمنطق التجريد البارد.
ثانياً: جذور الانقسام: حين تتشقق الذاكرة وتغيب الحماية
الشرخ المجتمعي الذي نراه اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج مسارات تاريخية طويلة ومتداخلة.
العامل الأول هو انهيار فكرة المؤسسة ذاتها. على مدى عقود، تآكلت ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، من الجيش إلى الشرطة إلى القضاء. هذا الانهيار لم يكن مجرد فشل إداري يمكن إصلاحه بقرار، بل كان انهياراً لفكرة “الحماية” في وعي الإنسان السوداني. حين يشعر الإنسان بأنه مكشوف، بلا حماية، وبلا إطار قانوني يضمن حقه، فإنه يبدأ في البحث عن بدائل: القبيلة، المليشيا، أو أي شكل من أشكال القوة التي تمنحه شعوراً بالأمان، حتى لو كان هذا الأمان زائفاً ومؤقتاً.
العامل الثاني هو تراكم الذاكرة الجريحة التي لم تجد يوماً مساراً حقيقياً للشفاء. من حروب الجنوب إلى دارفور، ومن مجازر فض الاعتصام إلى انتهاكات الحرب الحالية، تراكمت الجراح في الذاكرة السودانية طبقة فوق طبقة. هذه الذاكرة المثقلة بالألم، حين لا تجد عدالة ناجزة أو اعترافاً صادقاً بما حدث، تتحول من مجرد سجل للماضي إلى دافع للانتقام في الحاضر. إنها تبحث عن رد فعل، لا عن حل.
أما العامل الثالث فهو الاستثمار السياسي في الغضب. في ظل غياب المشاريع الوطنية الجامعة، وجد بعض الفاعلين السياسيين في الغضب والخوف والاستقطاب أقصر الطرق إلى السلطة أو إلى البقاء فيها. هذا الخطاب السياسي المنفلت لا يبني وعياً جديداً، بل يعيد إنتاج الخوف بأشكال مختلفة، ويستثمر في الانقسامات، ويحول ألم الناس إلى وقود لمعاركه الخاصة، معارك لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
هذه العوامل مجتمعة جعلت المجتمع يعيش في حالة توتر دائم بين الرغبة في بناء مستقبل مختلف، والخوف العميق من تكرار الماضي الأليم.
ثالثاً: نحو أفق جديد: عدالة لا تُقصي، ومصالحة لا تُنكر الألم
الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر انتصار رؤية على أخرى، ولا عبر فرض حلول فوقية تتجاهل عمق الجرح. الطريق الممكن هو بناء مسار يضع الإنسان في المركز، ويعترف بأن الشفاء والعدالة ليسا نقيضين، بل هما وجهان لعملة واحدة اسمها “استعادة الكرامة الإنسانية”.
هذا المسار يقوم على أربع ركائز متكاملة، لا تنفصل إحداها عن الأخرى.
الركيزة الأولى هي عدالة انتقالية ذات رؤية، عدالة لا تكتفي بمحاسبة المسؤولين الكبار عن الجرائم، بل تفتح أيضاً باب الشفاء للضحايا عبر جبر الضرر المعنوي والمادي، وتكشف الحقيقة كاملة للأجيال القادمة. إنها عدالة هدفها كسر دائرة العنف، لا إشعالها من جديد. عدالة تقول للضحية: “نراك، ونعترف بما حدث لك”، وتقول للمجتمع: “هذا ما جرى، ولن نسمح بتكراره”.
الركيزة الثانية هي مصالحة اجتماعية شجاعة. والمصالحة هنا لا تعني النسيان أو التسامح القسري الذي يُفرض من أعلى، بل تعني إعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية عبر حوارات صريحة ومؤلمة أحياناً. حوارات لا تبرئ أحداً ولا تشيطن أحداً، بل تعترف بتعدد المظالم وتعقيد المسؤوليات. إن المصالحة الحقيقية تبدأ حين يستطيع كل طرف أن يسمع ألم الآخر، لا أن يوافق عليه بالضرورة، بل أن يعترف بوجوده.
الركيزة الثالثة هي مؤسسات مدنية قوية ومستقلة. إن القانون لا يصبح مرجعاً حقيقياً إلا حين تحميه مؤسسات يشعر المواطن أنها ملكه، لا ملك فئة أو حزب أو طائفة. مؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالولاء، وتخضع للمساءلة لا للأهواء. بناء هذه المؤسسات هو الضمان الوحيد لئلا يتكرر الظلم، ولئلا يضطر المواطن مرة أخرى إلى البحث عن الحماية خارج الدولة.
أما الركيزة الرابعة فهي خطاب وطني جديد، خطاب يعترف بالتنوع كقوة لا كضعف، ويحتضن التعقيد بدلاً من الهروب إلى التبسيط، ويعيد للإنسان مكانته كغاية لا كوسيلة. خطاب يذكرنا بأننا، رغم كل جراحنا وانقساماتنا، ننتمي إلى وطن واحد ومصير مشترك، وأن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، إن أحسنّا النظر.
هذا المسار لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى. ولا ينسى الماضي، لكنه يرفض أن يكون سجناً أبدياً. إنه يقول للإنسان السوداني: ألمك حقيقي، وحقك مشروع، لكن مستقبلك أكبر من جرحك.
خاتمة: الحكمة كفعل مقاومة
في النهاية، لا يُقاس نهوض المجتمعات الخارجة من الحرب بقدرتها على الانتقام، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والذاكرة إلى قوة دافعة للمستقبل، والعدالة إلى مشروع للشفاء لا للثأر. إن أعظم انتصار على الظلم ليس تقليده، بل تجاوزه.
الحكمة هنا ليست رفاهًا فكريًا، بل هي ضرورة وجودية، وفعل مقاومة ضد كل ما يدفعنا نحو الكراهية والانقسام. هي القدرة على رؤية الإنسان قبل الموقف، وعلى إدراك أن الشفاء ليس ضعفاً، وأن العدالة ليست ثأراً، وأن المستقبل لا يُبنى إلا حين نملك الشجاعة لنعترف بتعقيدنا كبشر، ونختار طريق البناء الصعب بدلاً من طريق الهدم السهل.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم