الاختبارات المدرسية: أداة لقياس التحصيل العلمي وضبط جودة التعليم

اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري

الحلقة (22)

تأثير نوع الاختبار في طريقة التعليم والتعلم

المقدمة

يُعد التقويم عنصرًا أساسيًا في العملية التربوية، إذ يساعد المعلمين على قياس معارف الطلاب ومهاراتهم وتقدمهم، كما يوفّر تغذية راجعة حول فاعلية أساليب التدريس. غير أن التقويم لا يقتصر على تقييم التعلم فحسب، بل يؤثر أيضًا في كيفية حدوث عمليتي التعليم والتعلم. فنوع الاختبار المستخدم في النظام التربوي يمكن أن يؤثر بشكل كبير في ممارسات الصف، واستراتيجيات التدريس، وأساليب تعلم الطلاب. وغالبًا ما يكيّف المعلمون طرق تدريسهم وفقًا لطبيعة الاختبارات التي يتوقع أن يخضع لها طلابهم.

تكييف المدرسين لطرق التدريس وفقاً لاختبار القدرات

ويُعرف هذا التأثير في مجال التربية بمصطلح “تأثير الاختبار الارتجاعي” (Washback Effect) أو “التأثير العكسي للاختبارات”، وهو يشير إلى تأثير الاختبارات في عمليتي التعليم والتعلم. فعندما يركز نوع معين من الاختبارات على مهارات محددة، يميل المعلمون إلى تركيز تدريسهم على تلك المهارات. ونتيجة لذلك يمكن أن يحدد تصميم الاختبارات وشكلها محتوى الدروس، وأساليب التدريس، واستراتيجيات التعلم التي يتبعها الطلاب.

وتؤثر أنواع الاختبارات المختلفة – مثل اختبارات التحصيل، واختبارات القدرات، والاختبارات الموضوعية، والاختبارات المقالية، والاختبارات المعيارية، والتقويم القائم على الأداء – في التدريس بطرق مختلفة. فبعض الاختبارات تشجّع على الحفظ والاستظهار، بينما تعزز اختبارات أخرى التفكير النقدي والمهارات العملية.

لذلك فإن فهم تأثير أنواع الاختبارات في التدريس والتعلم يعد أمرًا ضروريًا للمعلمين ومخططي المناهج وصانعي السياسات التربوية. ويتناول هذا المقال كيف تؤثر طبيعة الاختبارات في طرق التدريس، والممارسات الصفية، ودافعية الطلاب، والتفاعل داخل الصف، ونتائج التعلم بشكل عام.

تحديد تأثير المردود (Washback Effect) للاختبار

يُعد (المردود) أو (التأثير الرجعي للاختبار) مفهوماً مهماً في مجال التقويم التربوي واختبارات اللغة بالتحديد. ويشير هذا المفهوم إلى التأثير الذي يحدثه الاختبار في عمليتي التدريس – من جانب المعلم – والتعلم من جانب الدارس -. وبعبارة أخرى، يصف المردود الكيفية التي يؤثر بها وجود الاختبار وطبيعته فيما يدرسه المعلمون وكيف يتعلم الطلاب. فالاختبارات ليست مجرد أدوات لقياس نواتج التعلم، بل إنها تشكّل أيضاً ممارسات الصف الدراسي وعادات الدراسة والأولويات التربوية. وبسبب هذا التأثير القوي، يهتم التربويون والباحثون بتحديد ما إذا كان تأثير المردود للاختبار إيجابياً أم سلبياً. ويتطلب تحديد تأثير المردود دراسة عدة جوانب من ممارسات التدريس والتعلم والتقويم قبل إدخال الاختبار وبعده.

في البداية، يعد فهم هدف الاختبار وتصميمه أمراً أساسياً عند محاولة تحديد تأثير المردود. فبنية الاختبار وأنواع الأسئلة التي يتضمنها والمهارات التي يقيسها كلها عوامل تؤثر في كيفية استجابة المعلمين والطلاب له. فعلى سبيل المثال، إذا كان الاختبار يركز أساساً على الحفظ وأسئلة الاختيار من متعدد، فقد يقضي المعلمون وقتاً أطول في التدريبات القائمة على التكرار واسترجاع المعلومات. أما إذا كان الاختبار يتضمن مهام تتطلب التحليل أو حل المشكلات أو التواصل، فقد يركز المعلمون على تنمية التفكير النقدي والمهارات العملية في دروسهم. لذلك فإن دراسة شكل الاختبار وأهدافه تُعد الخطوة الأولى في تقييم تأثيره الرجعي.

وتُعد الملاحظة الصفية من أكثر الطرق شيوعاً لتحديد تأثير المردود. إذ يمكن للباحثين أو المشرفين التربويين ملاحظة كيفية إدارة المعلمين لدروسهم والتعرف على أي تغييرات في أساليب التدريس ناتجة عن الاختبار. فعلى سبيل المثال، قد يلاحظون ما إذا كان المعلمون يقضون وقتاً أطول في التدريب على أسئلة الامتحان أو مراجعة نماذج اختبارات سابقة أو التركيز على موضوعات معينة يُتوقع ظهورها في الاختبار. وإذا كان الاختبار يشجع المعلمين على استخدام استراتيجيات تدريس أكثر فاعلية، مثل الأنشطة التفاعلية ومهام التعلم ذات المعنى، فيمكن اعتبار تأثير المردود إيجابياً. أما إذا أدى الاختبار إلى تضييق المنهج أو الاعتماد المفرط على الحفظ، فقد يكون تأثير المردود سلبياً.

ومن الطرق المهمة الأخرى لتحديد تأثير المردود تحليل المواد التربوية والأنشطة الصفية. فكثيراً ما يعدّل المعلمون خطط دروسهم والمواد التربوية وفق متطلبات الاختبار. ويمكن للباحثين فحص الكتب الدراسية وأوراق العمل والواجبات المنزلية والاختبارات التدريبية المستخدمة في الصف لمعرفة مدى تأثيرها بمحتوى الاختبار. فعلى سبيل المثال، إذا كانت معظم الأنشطة الصفية تشبه شكل الاختبار، فإن ذلك يدل على أن للاختبار تأثيراً قوياً في عملية التدريس.

كما يقدم سلوك الطلاب وعاداتهم الدراسية أدلة مهمة على تأثير المردود. فالطلاب عادة ينظمون استراتيجيات تعلمهم وفق متطلبات الاختبار. ويمكن استخدام الاستبانات أو المقابلات أو الاستبيانات لجمع معلومات حول كيفية استعداد الطلاب للامتحان. فقد يُسأل الطلاب عن الوقت الذي يقضونه في الدراسة والمواد التي يستخدمونها والمهارات التي يركزون عليها أثناء التحضير للاختبار. وإذا كان الطلاب يركزون فقط على استراتيجيات اجتياز الاختبار بدلاً من فهم المادة بعمق، فقد يكون تأثير المردود سلبياً. أما إذا شجع الاختبار الطلاب على تنمية مجموعة واسعة من المعارف والمهارات، فمن المرجح أن يكون تأثير المردود إيجابياً.

ومن الأساليب الأخرى لتحديد تأثير المردود إجراء مقابلات مع المعلمين والطلاب حول تصوراتهم عن الاختبار. إذ يمكن للمعلمين تقديم رؤى حول كيفية تأثير الاختبار في ممارساتهم التدريسية وتخطيط الدروس وطرق التقويم التي يستخدمونها. أما الطلاب فيمكنهم توضيح كيف يؤثر الاختبار في دافعيتهم واستراتيجيات تعلمهم ومواقفهم تجاه المادة الدراسية. وتساعد هذه البيانات النوعية الباحثين على فهم التأثير التربوي الأوسع للاختبار بما يتجاوز نتائج الأداء القابلة للقياس.

وإلى جانب الأساليب النوعية، يمكن استخدام البيانات الكمية لتحديد تأثير المردود. فقد يقوم الباحثون بتحليل درجات الاختبارات واتجاهات أداء الطلاب والنتائج الأكاديمية عبر الزمن. فإذا أدى إدخال اختبار معين إلى تحسن في أداء الطلاب أو تنمية مهاراتهم، فقد يشير ذلك إلى وجود تأثير غسل إيجابي. أما إذا انخفض الأداء أو أصبح مقتصراً على مهارات مرتبطة بالاختبار فقط، فقد يكون التأثير سلبياً.

ويُعد توافق الاختبار مع المنهج الدراسي عاملاً مهماً آخر في تحديد تأثير المردود. إذ يجب على الباحثين فحص ما إذا كان الاختبار يعكس أهداف المنهج ومحتوى المقرر الدراسي. فعندما تكون الاختبارات متوافقة جيداً مع أهداف المنهج، فإنها غالباً ما تؤدي إلى تأثير غسل إيجابي لأنها تشجع المعلمين والطلاب على التركيز على نواتج تعلم ذات معنى. أما إذا ركز الاختبار على جزء صغير فقط من المنهج، فقد يهمل المعلمون موضوعات مهمة أخرى من أجل إعداد الطلاب للامتحان، وهو ما يؤدي إلى تأثير غسل سلبي لأنه يضيق نطاق التدريس والتعلم.

كما يُعد الوقت المخصص للتحضير للاختبار مؤشراً آخر على تأثير المردود. ففي كثير من الأنظمة التربوية قد تهيمن الاختبارات عالية الأهمية على الأنشطة الصفية. وقد يخصص المعلمون جزءاً كبيراً من الوقت للتدريب على الاختبارات وإجراء اختبارات تجريبية وجلسات مراجعة. وعلى الرغم من أن قدراً معيناً من الاستعداد للاختبار ضروري، فإن التركيز المفرط على التدريب على الامتحان – كما هو ملاحظ في الشهادة السودانية – قد يقلل من فرص التعلم الإبداعي والفهم العميق. ومن خلال تحليل مقدار الوقت المخصص لأنشطة مرتبطة بالاختبار يمكن للباحثين تقييم قوة واتجاه تأثير المردود.

ومن الطرق الأخرى لتحديد تأثير المردود دراسة التغيرات في السياسات التربوية وممارسات المدارس. ففي بعض الأحيان يؤدي إدخال اختبار جديد إلى قيام المدارس بتعديل جداول التدريس أو أنظمة التقويم أو توزيع الموارد. فعلى سبيل المثال، قد تقدم المدارس دروساً إضافية للتقوية أو برامج تدريب خاصة أو مواد تعليمية إضافية مخصصة للتحضير للاختبار. ويمكن أن تشير هذه التغيرات المؤسسية إلى التأثير الأوسع للاختبار في البيئة التربوية.

وتُعد الدراسات الطولية مفيدة بشكل خاص في تحديد تأثير المردود. إذ تتابع هذه الدراسات العملية التربوية على مدى فترة زمنية طويلة. ومن خلال مقارنة ممارسات التدريس والتعلم قبل إدخال الاختبار وبعده يمكن للباحثين تحديد التغيرات المهمة في سلوك الصف الدراسي ومشاركة الطلاب والنتائج الأكاديمية. ويساعد هذا النوع من الدراسات في تقديم فهم أكثر دقة لتأثير الاختبار.

ومن المهم أيضاً التمييز بين تأثير المردود الإيجابي وتأثير المردود السلبي. فالتأثير الإيجابي يحدث عندما يشجع الاختبار على استخدام أساليب تدريس فعالة ويعزز التعلم العميق ويحفز الطلاب على تنمية مهارات مفيدة. فعلى سبيل المثال، قد يشجع اختبار يتضمن مهام كتابية وأنشطة حل مشكلات وأسئلة تفكير نقدي المعلمين على تبني أساليب تدريس تواصلية تتمحور حول الطالب. أما التأثير السلبي فيحدث عندما يؤدي الاختبار إلى ممارسات تعليمية غير مرغوبة مثل التدريس من أجل الامتحان أو الحفظ دون فهم أو إهمال جوانب مهمة من المنهج الدراسي.

وفي النهاية، يتطلب تحديد تأثير المردود تقييماً شاملاً يجمع بين عدة أساليب بحثية. فلا يمكن لطريقة واحدة أن تقدم صورة كاملة عن كيفية تأثير الاختبار في عمليتي التدريس والتعلم. ومن خلال استخدام الملاحظة والاستبانات والمقابلات وتحليل الوثائق والبيانات المتعلقة بالأداء يمكن للباحثين الوصول إلى فهم أعمق للآثار التربوية للاختبارات.

وخلاصة القول إن تحديد تأثير المردود لأي اختبار يتطلب دراسة تأثيره في أساليب التدريس واستراتيجيات التعلم والأنشطة الصفية والسياسات التربوية. ومن خلال الملاحظة والاستبانات والمقابلات وتحليل المنهج وبيانات الأداء يمكن للمربين تحديد ما إذا كان الاختبار يحقق آثاراً إيجابية أم سلبية في عملية التعلم. إن فهم تأثير المردود يعد أمراً أساسياً لتصميم اختبارات تدعم التدريس الفعال والتعلم الهادف. فعندما تكون الاختبارات متوافقة بعناية مع الأهداف التربوية ونواتج التعلم، فإنها لا تكون مجرد أدوات للتقويم، بل يمكن أن تصبح أيضاً وسائل قوية لتحسين جودة التعليم. يتبع>>>

aahmedgumaa@yahoo.com

عن د. أحمد جمعة صديق

شاهد أيضاً

الاختبارات المدرسية: أداة لقياس التحصيل العلمي وضبط جودة التعليم

اعدادد. أحمد جمعة صديقجامعة الزعيم الأزهري الحلقة (18) المعيار الأفضل للقبول الجامعي: اختبارات التحصيل أم …