بقلم صلاح الباشا
الاستاذ حسن الباشا ٢٩ عام علي الرحيل المرير :
كان تاريخ ١٤ مايو ١٩٩٧م هو الرحيل المرير لأخي الكبير الاستاذ حسن الباشا الذي كان نجما مضيئا بولاية الجزيرة وحاضرتها ودمدني وواسطة عقدها بركات حيث توجد رئاسة مشروع الجزيرة.
فقد كان حسن حسنا فعلا حيث بدأ حياته العملية منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي موظفا بالمشروع كأمينا للمخازن في العصر الذهبي للمشروع .
وحين صدر قانون يسمح للعاملين بالقطاع العام ان يستقيلوا عن الخدمة بالمعاش الاختياري بعد بلوغ ٢٥ سنة في الخدمة المتصلة فقد إختبار فقيدنا الاستقالة في العام ١٩٨٠م ليعمل بمصنع النيل الازرق للنسيج بمنطقة الصناعات بودمدني( مارنجان ) والذي يتبع لشركة شرف العالمية ومؤسسها رجل الاعمال الراحل فتح الرحمن البشير ابن منطقة البرياب بالجزيرة شارع سنار . فعمل بالنسبج كمدير للمشتريات والمخازن حتي بلوغه السن القانونية للمعاش بالقطاع الخاص . ولكنه لم يهدأ له بال فسرعان ماوجد وظيفة مدير تجاري لمصنع البان الجزيرة ببركات حتي رحيله عن الدنيا وقد كان يرأس مجلس إدارته طيب الذكر السيد الزين احمد الفكي من ام سنط وهو صديق شخصي للمرحوم حسن الباشا حيث ضمهما العمل بمشروع الجزيرة معا في ذات المجال ولسنوات طوال.
وما كان يميز فقيدنا الاستاذ حسن الباشا هو نشاطه الاجتماعي الكبير طوال حياته .. فقد شغل منصب سكرتير عام نادي بركات الرياضي الثقافي ولمدة ٢٥ سنة متصلة ثم رئيسا للنادي لاحقا. حيث كان يعمل علي تطوير هذا النادي العريق واحداث حركة فنية وثقافة ورياضية فيه.
فقد أحضر الفنان الكبير محمد وردي لإحياء حفل تجاري لصالح النادي في العام ١٩٦٠م ومرة اخري في العام ١٩٦١م في بدايات محمد وردي الاولي في دنيا الغناء. وقد اقيم الحفلين بحوش مدرسة البنات الابتدائية انذاك .. وايضا تعاقد مع الفنان الكبير عبدالكريم الكابلي في العام ١٩٦٥م لذات الغرض . ومرة اخري تعاقد مع ثنائي النغم وعوض الكريم عبدالله لإحياء حفل واحد لصالح نادي بركات.
وبخلاف ذلك فقد كان ينعش النادي بقيام برامج ندوات ومحاضرات ثقافية وليالي شعرية وفنية من فناني ومثقفي وشعراء الجزيرة وعلي رأسهم الأديب الراحل الاستاذ الشاعر الهادي احمد يوسف عساكر والأستاذ والرياضي المطبوع الخبير الكروي هاشم ضيف الله ناظر مدرسة ودمدني الثانوية ثم حنتوب في ستينات القرن الماضي. وفناني ودمدني في ذلك الزمان مثل محمد مسكين وعلي ابراهيم علي وإبراهيم عوض طه وعبدالرحمن خواجه ورمضان زايد وعبدالعزيز المبارك ومحمد الأمين وابوعركي البخيت والرصيد كسلا ومحمد الحردلو ومحمود ابو الكيلك وعباس جزيرة وحيدر الرفاعي وعلي وفتاح السقيد وغيرهم والموسيقيين وهم كثر .
ثم كان الباشا يترأس ايضا مجلس آباء مدارس بركات وايضا مجلس إدارة مسجد بركات العتيق حتي رحيله عن الدنيا حينما كان يؤم المصلين فيه لصلاة العشاء كآخر صلاة له فوقع بعدها في البيت مغشيا عليه بسبب جلطة في المخ وقد اصبح بسببها طريح الفراش بالمستشفي وفارق بسببها الدنيا الي رحاب الله خلال ثلاثة أسابيع فقط.
أما في الجانب الفني فإنه كان كما يعلم الناس بالجزيرة انه كان يهوي فن الغناء منذ شبابه الباكر ويعشق الفن الرفيع .
وقد أسس دار اتحاد فناني الجزيرة للغناء والموسيقى في موقعه الحالي بشارع الجمهورية بودمدني في العام ١٩٧٦م وترأس مجلس إدارته ولمدة ٢١ سنة بالتزكية وبلا منافس حيث كانت تلك الدار منحة من صديقه حاكم الاقليم الأوسط وقتذاك طيب الذكر المرحوم السيد عبدالرحيم محمود .
كان حسن الباشا صديقا شخصيا لمعظم فناني العاصمة وبصفة خاصة الفنان الراحل الملك صلاح ابن البادية والذي يؤدي حسن الباشا كل غنائه وبذات طبقة الصوت لدرجة انك لا تستطيع التمييز بين صوت الاثنين وباعتراف ابن البادية نفسه والذي كان هو فنان زواجي ببركات في العام ١٩٧٨م حينما كنت محاسبا مغتربا بالسعودية وقتذاك . وأذكر ان صلاح بن البادية بعد إنتهاء الحفل في الواحدة صباحا قد قال لي : يا عريس لماذا اتعبتنا بالحضور من الخرطوم لبركات.. مش كان احسن يغني اخوك حسن الباشا اغتياتي بدلا عني؟؟ فضحكنا سويا.
وحين رحل حسن الباشا فإن عمره لم يتجاوز ٦١ سنة. ولذلك فان ودمدني وبركات وماجاورها من مناطق قد حزنوا عليه حزنا كبيرا لانه كان صاحب علاقات اجتماعية في كل تلك المناطق.. لذلك كان سرادق عزائه كبيرا وضخما شغل كل الميدان الذي يقع أمام منزلنا بل حتي ساحة مسجد بركات قد إمتلأت بافواج المعزين ولمدة ثلاثه ايام بلياليها.
ونحن إذ نستعيد ذكري رحيله عن الدنيا فإننا نسأل الله تعالي ان يغفر له ويرحمه ويكرمه بأعالي الجنان بقدر ما كان يقدمه من خدمات جليلة لمجتمعه بالجزيرة وبقدر تمدد وتعدد علاقاته مع الناس في ذلك الزمان. ولابد من ان نشير الي ان مكانته لا تزال شاغرة بيننا.
ولكن لانقول الا مايرضي الله .
إنا لله وإنا اليه راجعون.
والحمد لله علي ما اراد ؛؛
صلاح الباشا… القاهرة
abulbasha009@gmail.com
