دكتور محمد عبدالله
في زاوية من زوايا الثقافة العربية، يجلس أربعة مفكرين كبار. لا يجمعهم مكان ولا زمن، لكنهم منشغلون بالسؤال نفسه: ماذا يحدث للدين حين يدخل الدولة؟ أو لعل السؤال الأدق: ماذا تفعل الدولة بالدين حين تحتك به؟
حسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي.
ثم محمود محمد طه… الذي دفع ثمن إجابته بحياته.
ثلاثة يأتون من ضفاف مختلفة، لكنهم يلتقون في بحر واحد من القلق المعرفي. تقرأ لهم فتسمع حوارًا صامتًا يمتد لعقود، كأن كل واحد يرد على الآخر من داخل كتبه. أما الرابع، فلم يكتفِ بالكتابة؛ بل عاش إجابته حتى نهايتها.
حنفي، صاحب “اليسار الإسلامي”، يتعامل مع العلمانية كما لو كان يروّض فكرة مشاكسة. لا يرفضها، لكنه لا يقبلها كما هي. في حواره مع الجابري ضمن “حوار المشرق والمغرب”، كان واضحًا: المشكلة ليست في المبدأ، بل في استيراده جاهزًا من سياق مختلف.
هو لا يريد صدامًا مع الدين، بل يسعى إلى تحرير مزدوج: تحرير الدولة من وصاية دينية، وتحرير الدين من قبضة الدولة. ويكاد يقول: دعوا الدين في مجاله الأخصب، في الضمير والأخلاق. فالإسلام، في نظره، يملك في مقاصده ما يكفي لتنظيم المجال العام دون حاجة إلى استعارة مكتملة من الخارج.
لكن الخلط يبدأ حين نُسقط تجربة على أخرى. فاستيراد العلمانية كما هي، في رأيه، استدعى رد فعل مضادًا تمثل في خطاب “الحاكمية”. وبين الموقفين تضيع المسألة.
أما الجابري، فيقف على مسافة من المصطلح نفسه. لا يثق في كلمة “علمانية”، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها محمّلة بتاريخ لم نعرفه. أوروبا عرفت صراعًا مع الكنيسة، أما نحن، فلم نعرف كنيسة أصلًا. فماذا نفصل عن ماذا؟
في “الدين والدولة وتطبيق الشريعة”، يذهب إلى أن السؤال ذاته قد يكون مضللًا. “الأسئلة المزيفة”، كما يقول، “تستدعي أجوبة مزيفة”. لذلك يقترح تجاوز المصطلح إلى ما هو أوضح: الديمقراطية لتنظيم السلطة، والعقلانية لضبطها.
كأن الجابري يهمس: لا تتوقف عند الاسم، انظر إلى المضمون. ما نحتاجه ليس شعارًا، بل عقل سياسي حديث، تكون فيه المؤسسات هي المرجع، لا التأويلات المتصارعة.
ثم يأتي العروي، بلا مقدمات. لا يلين الفكرة ولا يجامل القارئ. يتحدث ببرودة المؤرخ: العلمانية ليست خيارًا نناقشه، بل مسار تاريخي سلكه العالم، وسنجد أنفسنا فيه، عاجلًا أم آجلًا.
يفرق بين الدولة كسلطة، والدولة كفكرة. مشكلتنا، في نظره، أننا نخلط بين الاثنين. الدولة الحديثة تقوم على القانون والمؤسسات، وتفصل بين الديني والسياسي لا عداءً للدين، بل شرطًا لقيام مواطنة تتجاوز القبيلة والطائفة. إنها انتقال من “دولة الأشخاص” إلى “دولة القانون”.
هذه الرؤية لا تواسي، بل تُخبر.
ثم يأتي محمود محمد طه… مختلفًا.
لم يكن معنيًا بتلطيف المصطلح ولا بتفادي الصدام. كان مشغولًا بإعادة بناء الفكرة من داخل النص نفسه. قدّم قراءة تقوم على التمييز بين مستويين في الخطاب القرآني: مستوى تشريعي مرحلي، ارتبط بظروف مجتمع ناشئ، ومستوى قيمي أعلى، يقوم على الحرية والمساواة.
بهذا المعنى، لم يكن اعتراضه على تطبيق الشريعة في ذاته، بل على الصورة التي تُطبَّق بها. حين أُعلنت “قوانين سبتمبر” في السودان عام 1983، رفض تسميتها شريعة، ورأى فيها تشويهًا لها. كان موقفًا فكريًا، لكنه في سياق سياسي محتقن، تحوّل إلى مواجهة مفتوحة.
لم تكن المحاكمة سوى خاتمة معروفة لمسار كهذا. في يناير 1985، أُعدم الرجل. وبعد عام واحد فقط، أبطلت المحكمة العليا الحكم، لكن بعد فوات الأوان.
ما يلفت في هذا الحوار غير المرئي بين الأربعة أنك أمام نبرات، بقدر ما أنت أمام أطروحات.
حنفي يطمئنك: لا خوف على الدين.
الجابري يحاورك: لنبدأ بالعقل.
العروي يواجهك: هذا هو الطريق.
أما محمود محمد طه، فيترك لك الجملة الأصعب: الأفكار قد تكون مكلفة.
ربما يكون الخطأ أننا نسأل: من منهم على حق؟
السؤال الأجدر: كم منا مستعد لتحمّل تبعات ما يعتقد؟
لأن المشكلة، كما أدرك الأربعة، ليست في النص وحده، ولا في الغرب وحده، بل في تلك المنطقة الرمادية حيث تتقاطع مقاصد الدين مع ضرورات الدولة، وتتصادم تأويلات الماضي مع أسئلة الحاضر. وحين تتكفل الدولة بتفسير الدين، لا يضيق المجال العام فحسب، بل يضيق الدين نفسه.
يبقى السؤال مفتوحًا.
وربما تبقى الإجابة مكلفة.
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم