باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

«الاستشراق» لإدوارد سعيد، قراءةٌ سودانية

اخر تحديث: 13 أكتوبر, 2026 7:29 مساءً
شارك

«الاستشراق» لإدوارد سعيد، قراءةٌ سودانية
حين قرأ الموصوفُ دفاترَ واصفيه، من القاهرة إلى الخرطوم
د. الرشيد خليفة
كتابٌ يُستشهَد به أكثر مما يُقرأ
في سوق الأفكار كتبٌ تُقرأ، وكتبٌ تُقتنى، وكتبٌ ثالثة لا تُقرأ ولا تُقتنى وإنما تُرفَع في وجه الخصم كما يُرفَع المصحف على أسنّة الرماح يوم صفّين. وكتاب «الاستشراق» من هذا الصنف الثالث بامتياز. فإذا أراد مثقفٌ عربي أن يُسكت ناقدًا غربيًا رماه بأنه «مستشرق»، وإذا أراد الناقد الغربي أن يرد الصاع رمى المثقف العربي بأنه «سعيديّ»، ثم ينصرف الاثنان راضيَين، وكلاهما لم يتجاوز في الكتاب صفحات المقدمة، وربما لم يتجاوز الغلاف.
ويحاول هذا المقال أن يفعل ما لا يفعله أكثر المتخاصمين حول الكتاب، أي أن يقرأه. فيعرّف بالكتاب وصاحبه، ويقف عند ما يميّز الكتاب، وأثره في الفكر الإنساني، ومنهج صاحبه، ومصادره، والحقبة التي غطاها، ثم يحلل أطروحاته واحدةً واحدة، ويحدد موقف المؤلف منها، ويختم بنقدٍ يزن الإيجابيات والحدود، مع قراءةٍ سودانية مفصلة تربط أطروحات الكتاب بتاريخ السودان السياسي، من الحكم التركي المصري إلى الحرب الدائرة اليوم.
الكتاب وصاحبه، بطاقة تعريف
الكتاب هو «الاستشراق» (Orientalism)، ألّفه الناقد الفلسطيني الأمريكي إدوارد وديع سعيد (Edward W. Said)، وصدر عن دار بانثيون (Pantheon Books) في مدينة نيويورك عام 1978 [1]. ويقع الأصل الإنجليزي في نحو أربعمئة صفحة، تتوزع على مقدمةٍ وثلاثة فصول كبرى، ثم أُلحق به في الطبعات اللاحقة تعقيبٌ كتبه المؤلف عام 1995، وتصديرٌ كتبه في عام 2003، أي قبل أشهرٍ قليلة من رحيله.
وللكتاب بالعربية حكايةٌ تستحق أن تُروى. فقد نقله الناقد السوري كمال أبو ديب إلى العربية مبكرًا، فصدرت ترجمته في مدينة بيروت عام 1981 بعنوان «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» [2]. وهي ترجمةٌ رصينة، غير أن صاحبها نحت لها معجمًا خاصًا بلغ من الوعورة أن القارئ العربي صار يحتاج إلى مستشرقٍ يشرح له كتابًا أُلّف أصلًا في نقد المستشرقين. ثم جاءت بعد وفاة المؤلف ترجمة الأستاذ المصري محمد عناني، الصادرة في مدينة القاهرة عام 2006 بعنوان «الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق» [3]، بلغةٍ أيسر، فعاد الكتاب إلى أهله بعد ربع قرنٍ من الغربة في بلاغة الترجمة الأولى.
المؤلف، فلسطينيٌّ «خارج المكان»
وُلد إدوارد سعيد في مدينة القدس في الأول من نوفمبر 1935 لأسرةٍ فلسطينية مسيحية ميسورة، وكان أبوه وديع سعيد قد حمل الجنسية الأمريكية بعد أن خدم في الجيش الأمريكي إبان الحرب العالمية الأولى، ثم استقر في مدينة القاهرة تاجرًا للأدوات المكتبية. وقد سمّى الأبُ ابنَه «إدوارد» تيمّنًا بأمير ويلز، ولي عهد بريطانيا آنذاك [4]، فكان أول ما ورثه الصبي من الإمبراطورية اسمه، قبل أن يقضي عمره في محاسبة تلك الإمبراطورية على ما ورّثته للشرق.
تنقّل الصبي بين مدينة القدس، ومدينة القاهرة، وقرية ضهور الشوير في منطقة جبل لبنان حيث كانت الأسرة تصطاف، ودرس في كلية فكتوريا بالقاهرة، وهي مدرسةٌ إنجليزية الطابع كانت تعاقب التلاميذ على التحدث بالعربية، فتعلّم سعيد مبكرًا أن لسانه الأم تهمةٌ في حرمٍ يدرّس أبناء الشرق كيف يصيرون إنجليزًا من الدرجة الثانية [4]. ثم أُرسل إلى الولايات المتحدة، فتخرج في جامعة برنستون عام 1957، ونال الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1964 برسالةٍ عن الروائي جوزيف كونراد (Joseph Conrad)، والتحق بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك أستاذًا للأدب الإنجليزي والأدب المقارن، وظل فيها حتى وفاته في الخامس والعشرين من سبتمبر 2003، بعد صراعٍ طويل مع مرض اللوكيميا [5].
وكانت حرب يونيو 1967 نقطة التحول في حياة الأستاذ الهادئ المتخصص في الرواية الإنجليزية، إذ رأى صورة العرب في الصحافة الأمريكية بعد الهزيمة، فأدرك أن المعركة على الصورة لا تقل ضراوة عن المعركة على الأرض [5]. فانخرط في القضية الفلسطينية، وصار عضوًا مستقلًا في المجلس الوطني الفلسطيني بين عامي 1977 و1991، ثم استقال منه، وعارض اتفاق أوسلو عام 1993 معارضةً جعلته غير مرغوبٍ فيه في واشنطن وفي رام الله معًا، وهو إنجازٌ لم يُتح إلا لقلةٍ من المثقفين.
وقد اختار سعيد لسيرته الذاتية عنوانًا يختصر الرجل: «خارج المكان» (Out of Place) [4]. فهو عربيٌّ يحمل اسمًا أوّله إنجليزي وآخره عربي، ومسيحيٌّ يدافع عن ثقافةٍ أغلب أهلها مسلمون، وفلسطينيٌّ لا يملك من فلسطين إلا ذكرى بيتٍ في حي الطالبية بمدينة القدس، وأمريكيٌّ تتهمه الصحافة الأمريكية بالإرهاب، وعازف بيانو بارع أسس مع قائد الأوركسترا الإسرائيلي الأرجنتيني دانيال بارنبويم (Daniel Barenboim) عام 1999 «أوركسترا الديوان الغربي الشرقي» التي تجمع موسيقيين عربًا وإسرائيليين، فأغضب بها المتشددين من الجانبين في وقتٍ واحد. وفي صيف عام 2000 التُقطت له صورةٌ يرمي حجرًا عند الحدود اللبنانية الإسرائيلية، فقامت عليه قيامة الصحافة الأمريكية، ولم تقم يومًا على من رموا القرى نفسها بما هو أثقل من الحجارة.
ما يميّز الكتاب، حين تكلّم المفعولُ به
يتميز الكتاب عن غيره بخمس سمات. السمة الأولى أنه نقل السؤال من «هل صدق المستشرقون في وصف الشرق؟» إلى سؤالٍ أخطر: «كيف صنع المستشرقون الشرق الذي يصفونه، ولمصلحة من؟». فلم يعد الاستشراق في نظر سعيد مجموعة أخطاء علمية تُصحَّح بحاشيةٍ هنا وتعليقٍ هناك، بل، صار منظومةً معرفية متكاملة تنتج موضوعها وتحكمه في آنٍ واحد [1].
والسمة الثانية أن المؤلف جاء من خارج أهل الاختصاص، فلم يكن مستشرقًا، ولا مؤرخًا للشرق الأوسط، ولا عالمًا بفقه اللغات السامية، وإنما كان أستاذًا للأدب المقارن. ولذلك قرأ كتب المستشرقين كما يقرأ الناقد الرواية، فبحث فيها عن الراوي، والحبكة، والشخصيات، والمسكوت عنه، فاكتشف أن الشرق في تلك الكتب شخصيةٌ روائية أكثر منه بلدًا على الخريطة. وهذا ما أغاظ المختصين، إذ لا شيء يغيظ صاحب الصنعة أكثر من دخيلٍ يكشف عيوب البضاعة دون أن يحمل رخصة التجارة.
والسمة الثالثة أن الكتاب جمع في سلةٍ واحدة ما كان الناس يحسبونه متفرقًا، فوضع الشاعر إلى جوار المستعمِر، والروائي إلى جوار الوزير، والعالِم الزاهد في مكتبته إلى جوار الضابط في ميدانه، وزعم أنهم جميعًا يكتبون، كلٌّ بطريقته، فصلًا من كتابٍ واحد. والسمة الرابعة أن الكتاب كُتب بنثرٍ أدبي رفيع، فيه الغضب، والسخرية، والتحليل الدقيق، فخرج من قاعات الجامعات إلى المقاهي، وصار يُقرأ، أو يُدَّعى أنه يُقرأ، في دوائر لا تقرأ عادةً كتب النظرية النقدية.
أما السمة الخامسة فهي أن الكتاب كان أول عملٍ واسع الانتشار يكتبه «الموصوف» عن «الواصف» بلغة الواصف نفسه، ومن داخل مؤسساته، وبأدواته النظرية. فقد اعتاد الغرب قرنين كاملين أن يتكلم عن الشرق، فإذا بالشرق يتكلم عن الغرب من فوق منصة جامعة كولومبيا، فكان وقع ذلك على بعض المستشرقين كوقع تمثالٍ في متحف الشمع يلتفت فجأة إلى الزائر ويسأله عن مصدر معلوماته.
أثر الكتاب في الفكر الإنساني، وما كُتب بعده
قليلةٌ هي الكتب التي تؤسس حقلًا معرفيًا كاملًا، و«الاستشراق» واحدٌ منها. فقد صار حجر الأساس لما يُعرف اليوم بـ«دراسات ما بعد الاستعمار» (Postcolonial Studies)، التي سار فيها بعد سعيد نقادٌ بارزون، أشهرهم الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك (Gayatri Chakravorty Spivak) صاحبة المقالة الشهيرة «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» الصادرة عام 1988، والناقد الهندي هومي بابا (Homi K. Bhabha) صاحب كتاب «موقع الثقافة» الصادر عام 1994. وامتد أثر الكتاب إلى الأنثروبولوجيا، وتاريخ الفن، ودراسات الإعلام، والتاريخ الاستعماري، والأدب المقارن، حتى صار من أكثر الكتب استشهادًا في العلوم الإنسانية في الربع الأخير من القرن العشرين.
وفي تاريخ الفن مثلًا، نشرت مؤرخة الفن الأمريكية ليندا نوكلين (Linda Nochlin) عام 1983 مقالتها «الشرق المتخيَّل» (The Imaginary Orient)، فقرأت فيها لوحات المستشرقين الفرنسيين قراءةً سعيدية، وكشفت أن الحمّامات والأسواق والحريم في تلك اللوحات أقرب إلى خيال الرسام في مرسمه الباريسي منها إلى أي شارعٍ في القاهرة أو الجزائر. وصار نقاد السينما يطاردون «الاستشراق» في أفلام هوليوود، حيث العربي إما شيخٌ نفطي يشتري الشقراوات، أو إرهابيٌّ يصرخ قبل أن ينفجر، أو بائعٌ في سوقٍ لا يغادره أحد.
وكان للكتاب أثرٌ آخر لم يقصده صاحبه، وهو أنه أحرج كلمة «مستشرق» نفسها حتى كادت تخرج من الاستعمال. فقد قرر المؤتمر الدولي للمستشرقين، الذي ظل ينعقد بهذا الاسم منذ عام 1873، أن يغيّر اسمه عام 1973 إلى «المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا»، أي قبل صدور كتاب سعيد بخمس سنوات. فلما صدر الكتاب صار الهروب من الاسم جماعيًا، وتحولت أقسام «الدراسات الشرقية» في جامعاتٍ كثيرة إلى أقسام «دراسات الشرق الأوسط»، وهو تغييرٌ في اللافتة يذكّر بمن يغيّر اسم المطعم دون أن يغيّر الطبّاخ.
أما الكتابات التي تلت الكتاب فيمكن تصنيفها في ثلاث فئات. الفئة الأولى كتاباتٌ سارت على خطاه ووسّعته، ومنها كتاب سعيد نفسه «الثقافة والإمبريالية» الصادر عام 1993 [6]، وكتاب أستاذ القانون الإسلامي الفلسطيني الأصل في جامعة كولومبيا وائل حلاق «إعادة النظر في الاستشراق» (Restating Orientalism) الصادر عام 2018 [7]. والفئة الثانية كتاباتٌ ردّت عليه دفاعًا عن المستشرقين، أشهرها مقالات برنارد لويس (Bernard Lewis) [8]، وكتاب المؤرخ البريطاني روبرت إروين (Robert Irwin) «من أجل شهوة المعرفة» الصادر عام 2006 [9]، وكتاب الكاتب الذي يتسمّى «ابن ورّاق» (Ibn Warraq) «الدفاع عن الغرب» الصادر عام 2007. والفئة الثالثة كتاباتٌ نقدته من داخل معسكره، فقبلت سؤاله ورفضت بعض أجوبته، وأبرزها كتاب الفيلسوف السوري صادق جلال العظم [10]، وكتاب الناقد الماركسي الهندي إعجاز أحمد [11]، وكتاب الأنثروبولوجي الأمريكي دانيال مارتن فاريسكو (Daniel Martin Varisco) «قراءة الاستشراق: سعيد وما لم يقله» الصادر عام 2007 [12].
منهج المؤلف ومصادره، فوكو وقرامشي على مائدةٍ واحدة
استعار سعيد أدواته النظرية من موردين رئيسين. المورد الأول مفهوم «الخطاب» (Discourse) عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault)، أي ذلك النظام من الأقوال، والمؤسسات، والممارسات الذي لا يكتفي بوصف موضوعه، بل، ينتجه، ويحدد ما يجوز قوله عنه وما لا يجوز [13]. وبهذا المفهوم رأى سعيد أن المستشرق الفرد، مهما بلغت عبقريته، يكتب داخل أرشيفٍ سبقه، فيكرر صورًا وأحكامًا ورثها أكثر مما يكتشفها [1]. والمورد الثاني مفهوم «الهيمنة» (Hegemony) عند المفكر الإيطالي أنطونيو قرامشي (Antonio Gramsci)، وهو المفهوم الذي يفسر كيف تسود ثقافةٌ ما بالرضا والاقتناع لا بالقوة العارية وحدها [14].
غير أن سعيدًا لم يكن تلميذًا مطيعًا لفوكو، فالفيلسوف الفرنسي يرى المؤلف الفرد مجرد نقطة عبورٍ للخطاب، أما سعيد فظل يؤمن بأثر الفرد، ويحلل نصوص كُتّابٍ محدَّدين بأسمائهم تحليلًا أدبيًا دقيقًا، ويحاسبهم أفرادًا على ما كتبوا. فجلس فوكو وقرامشي إلى مائدةٍ واحدة في الكتاب، ومعهما ضيفٌ ثالث لم يدعُه أحدهما، هو النزعة الإنسانية الأوروبية التي تعلّمها سعيد في برنستون وهارفارد. وهذه المائدة الثلاثية ستصبح لاحقًا أحد أشد مواضع النقد على الكتاب، إذ لا يجتمع على مائدةٍ واحدة فيلسوفٌ يعلن «موت الإنسان» وناقدٌ يدافع عن «كرامة الإنسان» إلا ليتشاجرا قبل وصول تحلية السكريات.
ولعل أبسط ما يُقال في الفرق بين الرجلين أن فوكو محققٌ يفتّش دفاتر الحسابات ليعرف أين اختفت السلطة، وقرامشي محققٌ يفتّش رؤوس الناس ليعرف لماذا فتحوا الباب للص بأيديهم. فالسلطة عند فوكو تسكن شبكةً من الأقوال والمؤسسات لا مركز لها ولا صاحب، وعند قرامشي تسكن عقول المحكومين الذين أُقنعوا بأن مصلحة سادتهم هي «الحس المشترك» للجميع. فيمكن القول تقريبًا إن فوكو يقرأ السلطة في النصوص، وقرامشي يقرأها في العقول، لكن التشبيه يظل تقريبيًا، لأن خطاب فوكو ليس نصوصًا فقط، وهيمنة قرامشي ليست أفكارًا فقط. فالخطاب عند فوكو يضم المستشفى، والسجن، والمدرسة، وما يُكتب عنها، والهيمنة عند قرامشي تقوم على الصحيفة، والنقابة، والكنيسة، والجامعة، وما تنتجه من أفكار، أي أن كلًّا منهما يبدأ من مؤسساتٍ مادية ثم يصل إلى الفكرة، ويختلفان في المحطة التي يتوقفان عندها.
وأقرب إلى ذهن القارئ العربي ثنائيةٌ من تراثنا هي الجبر والاختيار. فمذهب فوكو أقرب إلى الجبر، إذ يصنع الخطابُ الفردَ صنعًا، ويحدد له ما يفكر فيه وما يقوله، حتى ليبدو الإنسان في كتبه ريشةً في ريحٍ اسمها الخطاب، وهو جبرٌ لا يحتاج إلى إله، يكفيه أرشيفٌ ومؤسسة. وفي هذا بعض الظلم لفوكو، فقد قال إن حيث توجد سلطةٌ توجد مقاومة، لكنها مقاومةٌ بلا قائد ولا مشروع، تنبت في الشقوق كما ينبت العشب. ومذهب قرامشي أقرب إلى الاختيار، إذ يبقى الإنسان عنده قادرًا على أن يعي حاله ويقاوم، وعلى أن يبني مع غيره «هيمنةً مضادة»، فالمثقف عنده يستطيع أن يقلب ميزان الرضا. ولهذا احتاج سعيد إلى الرجلين معًا، فأخذ من فوكو تفسير كيف صُنع الشرق، ومن قرامشي تفسير لماذا قبله الناس وكيف يمكن رفضه، فجمع جبريةً واختيارًا في كتابٍ واحد، وهو جمعٌ شبيه بما سيأخذه عليه الناقد إعجاز أحمد.
ثم إن ابن خلدون سبق قرامشي إلى فكرة الهيمنة بالرضا بأكثر من خمسة قرون، فقد عقد في «المقدمة» فصلًا عنوانه: «في أن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» [15]. فالمغلوب عنده لا يُجبَر على التقليد، بل، يقلّد راضيًا معجبًا، يرى في الغالب كمالًا لا يبلغه، وهذا بعينه ما سمّاه قرامشي «الهيمنة»: غالبٌ لا يحتاج إلى سوطٍ دائم ما دام المغلوب يمشي خلفه على قدميه. ولو قُدّر لابن خلدون أن يزور مدينة نيويورك لوجد أبناء «المغلوبين» يتسابقون إلى جامعاتها، يلبسون زيّها، ويتكلمون لسانها، ويكتبون في نقد الغالب بلغة الغالب ومن منابره، ولا عيب في ذلك، فالسلاح يُؤخذ أحيانًا من مخزن الخصم. غير أن ابن خلدون كان سيضيف إلى فصله حاشيةً صغيرة، هي أن المغلوب الذي يتقن لسان الغالب قد يقلب عليه سلاحه نفسه.
أما المنهج التطبيقي فهو منهج الناقد الأدبي: قراءةٌ متأنية للنصوص، وتتبّعٌ للصور المتكررة، والاستعارات، وأساليب الوصف، ثم ربطها بالسياق السياسي الذي كُتبت فيه. ويسمّي سعيد هذا المنهج «التحليل الاستراتيجي»، أي تحديد موقع المؤلف من موضوعه، و«التشكيل الاستراتيجي»، أي العلاقة بين النصوص وكيف يكتسب بعضها سلطةً تجعل اللاحقين يحيلون إليه [1].
وأما المصادر فهي من ثلاثة أنواع. النوع الأول نصوص المستشرقين الأكاديميين، مثل الفرنسي سلفستر دي ساسي (Silvestre de Sacy)، ومواطنه إرنست رينان (Ernest Renan)، والإنجليزي إدوارد وليم لين (Edward William Lane)، والبريطاني هاملتون جب (H. A. R. Gibb)، والفرنسي لويس ماسينيون (Louis Massignon). والنوع الثاني نصوص الأدباء والرحالة، مثل الفرنسيين شاتوبريان (Chateaubriand)، ولامارتين (Lamartine)، ونرفال (Nerval)، وفلوبير (Flaubert)، والإنجليزي ريتشارد بيرتون (Richard Burton). والنوع الثالث نصوص الساسة والإداريين، مثل آرثر جيمس بلفور (Arthur James Balfour)، واللورد كرومر (Lord Cromer)، وتوماس إدوارد لورنس (T. E. Lawrence). ويلاحظ القارئ أن المصادر كلها نصوصٌ غربية مكتوبة، فلم يستنطق سعيد وثيقةً واحدة كتبها شرقيٌّ عن نفسه في الحقبة نفسها، وهي مفارقةٌ لطيفة في كتابٍ يأخذ على المستشرقين أنهم لم يسمحوا للشرق بأن يتكلم.
الفترة والأحداث، من أسخيلوس إلى حرب أكتوبر
يمتد الكتاب زمنيًا امتدادًا مدهشًا، فيبدأ من مسرحية «الفُرْس» للشاعر الإغريقي أسخيلوس (Aeschylus) التي عُرضت في مدينة أثينا عام 472 قبل الميلاد، حيث تنوح ملكة الفُرْس على هزيمة جيش ابنها، فيتكلم الإغريقي بلسان الشرقي المهزوم، ويرى سعيد في ذلك أول «تمثيلٍ» للشرق في الأدب الأوروبي [1]. ثم يمر الكتاب على العصور الوسطى، فيقف عند «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري (Dante Alighieri) التي وضعت نبي الإسلام في الدائرة الثامنة من الجحيم، فكان الشرق في الخيال الأوروبي يُعاقَب في الآخرة قبل أن يُستعمَر في الدنيا.
ولم يكن اختيار دانتي للدائرة الثامنة اعتباطًا. فالجحيم في «الكوميديا الإلهية» تسع دوائر تنحدر طبقاتها بحسب جسامة الذنب، والدائرة الثامنة مخصصةٌ لأهل الغش والخداع، وتنقسم إلى عشرة خنادق، وضع دانتي نبي الإسلام في التاسع منها، وهو خندق «زارعي الفتنة والشقاق»، ومعه ابن عمه علي بن أبي طالب [1]. والسبب أن العقل المسيحي في العصور الوسطى لم يكن يرى الإسلام دينًا مستقلًا، بل، بدعةً خرجت من المسيحية وشقّت صفها، فصاحبها في نظره «منشقٌّ» لا نبي، ولذلك جعل دانتي عقابه أن يُشقّ جسده، جزاءً من جنس العمل كما تصوّر. ويلفت سعيد النظر إلى مفارقةٍ بليغة، هي أن دانتي نفسه وضع ابن سينا، وابن رشد، وصلاح الدين الأيوبي في «اللمبو» (Limbo)، أي الدائرة الأولى المخصصة للفضلاء من غير المسيحيين، فالفيلسوف الشرقي والفارس الشرقي مقبولان في جحيمٍ مخفف، أما صاحب الرسالة فمكانه في القاع. وهي القسمة نفسها التي سيعيدها المستشرقون بعد قرون: يُحتفى بالشرقي ما دام شارحًا لأرسطو أو خصمًا شريفًا في الميدان، ويُدان حين يصير صاحب مشروعٍ مستقل لا يحتاج إلى إذنٍ من أوروبا.
غير أن قلب الكتاب ينبض في الحقبة الممتدة من عام 1798 إلى أواخر سبعينيات القرن العشرين. فالمحطة الأولى حملة نابليون بونابرت (Napoleon Bonaparte) على مصر عام 1798، التي رافق فيها الجنودَ فريقٌ من العلماء خرجت من أعمالهم موسوعة «وصف مصر» (Description de l’Égypte)، فكان المدفع والقلم يسافران على ظهر السفينة نفسها، ويرى سعيد في هذه الحملة لحظة ميلاد الاستشراق الحديث [1]. والمحطة الثانية القرن التاسع عشر بكامله، حيث صار الاستشراق علمًا له كراسيه في الجامعات، وجمعياته، ومجلاته، وحيث امتد الاستعمار البريطاني والفرنسي من الجزائر عام 1830 إلى مصر عام 1882. والمحطة الثالثة افتتاح قناة السويس عام 1869، الذي يراه سعيد تجسيدًا ماديًا لحلم «إلغاء المسافة» بين الشرق والغرب لمصلحة الغرب.
والمحطة الرابعة الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو عام 1916، حيث صار المستشرقون أنفسهم ضباطًا ومستشارين يرسمون حدود الشرق بأقلام الرصاص على خرائط مكاتب لندن وباريس. والمحطة الخامسة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين انتقل مركز الثقل من باريس ولندن إلى الولايات المتحدة، ومن فقه اللغة إلى «دراسات المناطق» (Area Studies) والعلوم الاجتماعية الممولة من وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين. والمحطة السادسة حرب أكتوبر 1973 وأزمة النفط التي تلتها، حيث امتلأت الصحافة الأمريكية برسوم الشيخ العربي ذي الأنف المعقوف الواقف خلف مضخة البنزين، وهي الصورة التي يختم بها سعيد كتابه دليلًا على أن الاستشراق لم يمت، بل، غيّر ثيابه وانتقل إلى صفحات الكاريكاتير [1].
أطروحات المؤلف، تحليلٌ تفصيلي
يقوم الكتاب على اثنتي عشرة أطروحة متداخلة، هي: المعاني الثلاثة للاستشراق، والجغرافيا المتخيَّلة، والشرق بوصفه «آخر» أوروبا، وتلازم المعرفة والسلطة، والتفوق الموضعي، والموقف النصّي، والاستشراق الكامن والاستشراق الظاهر، وتأنيث الشرق، والاستشراق نظامًا للإحالة، وتواطؤ العالِم الفرد، وانتقال الاستشراق إلى أمريكا، واستحالة «الشرق الحقيقي». وفيما يلي تحليلٌ لكل أطروحة على حدة.
الأطروحة الأولى، المعاني الثلاثة للاستشراق. يرى سعيد أن الكلمة تحمل ثلاثة معانٍ. المعنى الأول أكاديمي، يشمل كل من يدرّس الشرق أو يكتب عنه أو يبحث فيه. والمعنى الثاني أسلوبٌ في التفكير يقوم على تمييزٍ وجودي ومعرفي بين «الشرق» و«الغرب»، تبنّاه شعراء، وروائيون، وفلاسفة، وإداريون استعماريون. والمعنى الثالث، وهو الأهم عند سعيد، مؤسسةٌ جماعية للتعامل مع الشرق منذ أواخر القرن الثامن عشر، تصفه، وتحكم عليه، وتدرّسه، وتحكمه [1]. والطريف أن هذه المعاني الثلاثة تتداخل في الكتاب تداخلًا يجعل القارئ لا يدري أحيانًا هل المتهم أستاذٌ في قاعة الدرس أم حاكمٌ في دار المعتمد البريطاني، وربما كان المقصود أن يُحاكَم الاثنان معًا.
الأطروحة الثانية، الجغرافيا المتخيَّلة. يرى سعيد أن «الشرق» و«الغرب» ليسا حقيقتين جغرافيتين، بل، هما بناءان ذهنيان صنعهما الإنسان، فالخط الذي يفصل «نحن» عن «هم» يُرسم في العقل قبل أن يُرسم على الخريطة [1]. ودليل ذلك أن «الشرق» عند الأوروبي يتمدد ويتقلص حسب الحاجة، فهو تارةً يبدأ من مدينة إسطنبول، وتارةً من مدينة القاهرة، ويشمل أحيانًا الهند والصين، وأحيانًا يقتصر على العالم العربي والإسلامي، أي أنه بلدٌ مطّاطي يتسع لكل ما يحتاج الأوروبي أن يراه مختلفًا عن نفسه.
ولعل أطرف شاهدٍ على هذا الشرق المطّاطي قطار «الشرق السريع» (Orient Express)، الذي انطلق عام 1883 من مدينة باريس، ثم بلغ مدينة إسطنبول بخطٍّ حديدي متصل عام 1889، فكان «الشرق» عند ركّابه ينتهي حيث تنتهي القضبان على ضفة البوسفور الأوروبية. وفي هذا القطار وضعت الروائية الإنجليزية أغاثا كريستي (Agatha Christie) روايتها «جريمة في قطار الشرق السريع» (Murder on the Orient Express) الصادرة عام 1934. والطريف أن الشرق الحقيقي لا يظهر في الرواية إلا في صفحاتها الأولى، في مدينة حلب السورية، حيث يركب المحقق البلجيكي هيركيول بوارو قطار طوروس إلى إسطنبول، ثم يركب «قطار الشرق» متجهًا غربًا نحو مدينة كاليه الفرنسية، فيعلق القطار في الثلوج وسط البلقان، وتقع الجريمة بين ركّابٍ أوروبيين وأمريكيين، ضحيتها أمريكي، والقاتلون من أهل الغرب جميعًا. أي أن «قطار الشرق» في الرواية يهرب من الشرق ولا يذهب إليه. ولو عاشت أغاثا كريستي، كاتبتي المفضلة في صباي، بيننا وقرأت إدوارد سعيد، لبدّلت عنوان روايتها إلى «جريمة في قطار الغرب السريع» (Murder on the Occident Express)، فالشرق فيها، كعادته في كتب الغرب، محطة انطلاقٍ لا يتوقف عندها أحد. وقد توقفت رحلات القطار المنتظمة إلى إسطنبول عام 1977، وصار الاسم اليوم لقطارٍ سياحي فاخر يحمل الأثرياء في أغلب رحلاته من مدينة لندن إلى مدينة البندقية الإيطالية، أي من الغرب إلى الغرب، وهي الرحلة التي كان ينبغي أن يحمل اسمها منذ البداية.
الأطروحة الثالثة، الشرق بوصفه «آخر» أوروبا. يرى سعيد أن أوروبا عرّفت نفسها بضدّها، فكان الشرق «الآخر» الذي تحتاجه لتعرف من هي [1]. فإذا كان الأوروبي عقلانيًا فلا بد أن يكون الشرقي عاطفيًا، وإذا كان الأوروبي ناضجًا فلا بد أن يكون الشرقي طفلًا، وإذا كان الأوروبي فاعلًا في التاريخ فلا بد أن يكون الشرقي ساكنًا خارجه. والشرق في هذه المعادلة مرآةٌ مقعّرة تُري أوروبا وجهها أجمل مما هو، ويدفع الشرق ثمن المرآة.
الأطروحة الرابعة، تلازم المعرفة والسلطة. هذه هي الأطروحة المركزية في الكتاب، ومفادها أن معرفة الغرب بالشرق لم تكن بريئة، بل، كانت جزءًا من السيطرة عليه، فمن يعرف يحكم، ومن يحكم يزداد معرفة. ويستشهد سعيد بخطبة بلفور أمام مجلس العموم البريطاني في الثالث عشر من يونيو 1910، التي دافع فيها عن بقاء بريطانيا في مصر بحجة أن الإنجليز «يعرفون» المصريين وحضارتهم أكثر مما يعرفها أي شعبٍ آخر، فالمعرفة عنده صك ملكية [1]. ويضع سعيد إلى جوارها كتاب اللورد كرومر «مصر الحديثة» (Modern Egypt) الصادر عام 1908، الذي يقرر فيه المعتمد البريطاني السابق في مصر أن الدقة مكروهةٌ عند العقل الشرقي، فيحكم على عقول ملايين المصريين وهو لم يتعلم لغتهم. وهكذا تدور الطاحونة: يكتب المستشرق، فيقرأ الحاكم، فيحكم، فيموّل الحاكم المستشرق ليكتب أكثر، ولا يسأل أحدٌ الحَبّ عن رأيه في الطحن.
الأطروحة الخامسة، التفوق الموضعي (Positional Superiority). يرى سعيد أن الغربي، مهما تنقّل في علاقته بالشرق، رحالةً أو تاجرًا أو جنديًا أو عالمًا، ظل يحتفظ بموقع الأعلى، فهو يرى ولا يُرى، ويصف ولا يُوصف، ويسأل ولا يُسأل [1]. فالشرقي في هذه العلاقة كالمريض على سرير الفحص، والمستشرق كالطبيب الذي يكتب التقرير، ولم يخطر ببال الطبيب أن المريض قد يقرأ التقرير يومًا فيعترض على التشخيص.
الأطروحة السادسة، الموقف النصّي (The Textual Attitude). يرى سعيد أن الأوروبي كان يفضّل الكتاب على الواقع، فإذا زار الشرق ووجده مخالفًا لما قرأه، صدّق الكتاب وكذّب عينيه [1]. ويضرب سعيد مثلًا بدان كيشوت (Don Quixote)، فارس سرفانتس الذي قرأ روايات الفروسية حتى صار يرى طواحين الهواء عمالقة. وقد كان كثيرٌ من الرحالة الأوروبيين دان كيشوتات في ثياب الاستكشاف، يحملون معهم كتاب لين في حقائبهم، فإذا لم يجدوا الشرق كما وصفه لين اتهموا الشرق بالتقصير في أداء دوره.
الأطروحة السابعة، الاستشراق الكامن والاستشراق الظاهر. يميّز سعيد بين مستويين. الاستشراق الكامن (Latent Orientalism) هو اليقين اللاواعي الثابت بأن الشرق متخلف، وغريب، ومختلف جوهريًا، وهذا اليقين لا يتغير عبر القرون. والاستشراق الظاهر (Manifest Orientalism) هو الآراء المعلنة في الكتب والنظريات، وهذه تتغير بتغير المدارس والأزياء الفكرية [1]. فقد يختلف المستشرقون في كل شيء ظاهر، لكنهم يتفقون في الكامن، كالأطباء الذين يختلفون في الدواء ويتفقون جميعًا على أن المريض مريض.
الأطروحة الثامنة، تأنيث الشرق. يرى سعيد أن الشرق صُوّر في الخيال الأوروبي أنثى، شهوانيةً، سلبيةً، تنتظر الفارس الغربي ليكتشفها ويمتلكها. ومثاله الأشهر الروائي الفرنسي فلوبير، الذي زار مصر بين عامي 1849 و1850، والتقى في بلدة إسنا على ضفة النيل في صعيد مصر راقصةً تُدعى كُتشُك هانم (Kuchuk Hanem)، فكتب عنها الكثير، ولم تكتب هي عنه حرفًا [1]. ويرى سعيد في هذه العلاقة صورةً مصغّرة لعلاقة الشرق بالغرب كلها، فالرجل الأوروبي الثري يتكلم عن المرأة الشرقية ويفسرها، والمرأة صامتةٌ لا يُسمع صوتها إلا عبر قلمه. ويكاد القارئ يتخيّل تلك الراقصة تُستدعى بعد قرنٍ وربع القرن شاهدةً في محكمةٍ أكاديمية لم تعلم بانعقادها، ولم يسألها أحدٌ عن أقوالها، ولم يُدفع لها أجر الشهادة.
الأطروحة التاسعة، الاستشراق نظامًا للإحالة. يرى سعيد أن المستشرقين يحيل بعضهم إلى بعض أكثر مما يحيلون إلى الشرق نفسه، فينشأ أرشيفٌ مغلق يغذي نفسه بنفسه، ويكتسب سلطته من كثرة التكرار لا من صحة المضمون [1]. فرينان يحيل إلى ساسي، ولين يُستشهد به عند الجميع، وكل جيلٍ يرث من الجيل السابق صورًا جاهزة يضيف إليها حاشيةً أو تعليقًا. وهو نظامٌ يشبه مجلس عزاءٍ طويل يتناقل فيه المعزّون أخبار المرحوم، ولم يره أحدٌ منهم حيًّا.
الأطروحة العاشرة، تواطؤ العالِم الفرد. يرى سعيد أن المستشرق، مهما كان صادقًا في ولعه بالشرق، لا يستطيع أن يفلت من موقعه داخل المنظومة، فهو أوروبي أولًا، وعالِمٌ ثانيًا [1]. ولذلك لم يستثنِ سعيد حتى المستشرقين الذين أحبوا الشرق، مثل ماسينيون الذي أفنى عمره في دراسة المتصوف الحلاج، وإن كان قد خصّه بإعجابٍ لم يخصّ به سواه. فالحب في نظر سعيد لا يُعفي من المسؤولية، كما لا يُعفي حبُّ صاحب المزرعة لخيوله من كونه يركبها.
الأطروحة الحادية عشرة، انتقال الاستشراق إلى أمريكا. يرى سعيد أن الولايات المتحدة ورثت الاستشراق بعد أفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، لكنها ورثته في ثوبٍ جديد، فاستبدلت بفقه اللغة العلوم الاجتماعية، وبالمستشرق «الخبير»، وبالمخطوطة الاستبانة، وصار الشرق موضوعًا لمراكز الأبحاث التي تقدم توصياتها لصنّاع القرار [1]. وقد اختار سعيد برنارد لويس نموذجًا لهذا الاستشراق الجديد، فاتهمه بأنه يكتب السياسة في ثوب التاريخ. والمفارقة أن لويس أثبت لاحقًا صحة التهمة بنفسه، كما سيأتي.
الأطروحة الثانية عشرة، استحالة «الشرق الحقيقي». وهذه أدق الأطروحات وأكثرها إثارةً لسوء الفهم. فسعيد لا يزعم أن هناك «شرقًا حقيقيًا» أخفاه المستشرقون وعلينا أن نكتشفه، بل، يقول إن كل تمثيلٍ هو بناءٌ لغوي وثقافي، وإن السؤال الصحيح ليس «هل هذا التمثيل صادق؟» وإنما «من يمثّل من، ولماذا، وبأي سلطة؟» [1]. ولهذا افتتح سعيد كتابه بعبارتين. الأولى لكارل ماركس (Karl Marx) في كتابه «الثامن عشر من برومير» ومفادها أن هؤلاء لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، فلا بد أن يمثّلهم غيرهم. والثانية لبنيامين دزرائيلي (Benjamin Disraeli) في روايته «تانكرد» (Tancred) ومفادها أن الشرق مهنة، أي سُلّمٌ وظيفي يصعد عليه الطامحون من الأوروبيين. وبين العبارتين يقع الكتاب كله: شعوبٌ لا يُسمح لها بالكلام، وموظفون يتكلمون عنها ويترقّون.
موقف المؤلف، ناقدٌ لا يعرف الحياد
لم يكن سعيد محايدًا في كتابه، ولم يدّعِ الحياد، فقد صرّح في المقدمة بأن تجربته الشخصية بوصفه عربيًا فلسطينيًا في الغرب هي دافع الكتاب، وأن «الاستشراق» في جانبٍ منه محاولةٌ لجرد الآثار التي تركها هذا الخطاب فيه هو نفسه [1]. فموقفه من الاستشراق موقف الناقد الصريح، ومن الاستعمار موقف الخصم المعلن، ومن الصورة الأمريكية للعرب بعد عام 1967 موقف المتضرر الذي يرفع الدعوى ويترافع فيها بنفسه.
لكن موقف سعيد ليس عداءً للغرب كما فهمه خصومه وبعض أنصاره. فهو لم يرفض المعرفة الغربية، ولم يدعُ إلى «استغرابٍ» مضاد، ولم يقل إن الشرق أفضل من الغرب، بل، دعا إلى معرفةٍ إنسانية تتجاوز ثنائية «نحن» و«هم». وقد كرر ذلك في تعقيبه عام 1995، حين رفض أن يُقرأ كتابه بيانًا معاديًا للغرب، أو دفاعًا عقائديًا عن الإسلام والعرب، ورأى أن من حوّلوه إلى ذلك أساؤوا فهمه كما أساء فهمه خصومه [16]. فكان سعيد كمن يصنع سيفًا لقطع الحبال التي تربط الأسرى، فإذا ببعض الأسرى يستعملونه لقطع رؤوس بعضهم.
أما موقفه من المستشرقين أفرادًا فكان متفاوتًا. فقد قسا على رينان، وكرومر، وبلفور، ولويس قسوةً شديدة، وأبدى تقديرًا مشوبًا بالتحفظ لماسينيون، وأقرّ في مواضع متفرقة بأن بعض المستشرقين قدموا أعمالًا علمية جليلة. غير أن هذا الإقرار جاء في الحواشي والجمل الاعتراضية، أما الإدانة فجاءت في المتن وبالخط العريض، فخرج القارئ من الكتاب وهو لا يذكر إلا الإدانة.
مساجلة نيويورك، حين تبارز الرجلان على صفحات المجلة
أشهر الخصومات حول الكتاب خصومة برنارد لويس، المؤرخ البريطاني الأمريكي في جامعة برنستون. فقد نشر لويس في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (The New York Review of Books) في الرابع والعشرين من يونيو 1982 مقالةً بعنوان «مسألة الاستشراق» [8]، اتهم فيها سعيدًا بأنه أفرغ كلمة «الاستشراق» من معناها العلمي القديم وحمّلها معنى العداء للشرقيين، وبأنه انتقائي في اختيار نماذجه، وبأنه أغفل المستشرقين الألمان، وبأنه يجهل اللغات والمصادر التي يحكم على دارسيها. وضرب لويس مثلًا ساخرًا: ماذا لو قام اليونانيون المعاصرون يتهمون علماء الدراسات الكلاسيكية بالإمبريالية لأنهم درسوا اليونان القديمة؟
فرد سعيد في المجلة نفسها في الثاني عشر من أغسطس 1982، في مساجلةٍ شارك فيها كذلك مؤرخ الفن الإسلامي أوليغ غرابار (Oleg Grabar)، وعقّب عليها لويس [17]. وقال سعيد إن المقارنة باطلة، لأن دارسي اليونان القديمة لم يكونوا جزءًا من جهازٍ يحكم اليونانيين المعاصرين. وكانت المساجلة من أعنف ما شهدته الصحافة الثقافية الأمريكية، وتبادل فيها الرجلان من التهم ما يكفي لملء ملف قضيةٍ جنائية.
والمفارقة التي لا يملك القارئ إلا أن يبتسم لها أن لويس، الذي أنكر أن الاستشراق خطابٌ يخدم السلطة، نشر عام 1990 مقالته «جذور الغضب الإسلامي» في مجلة «أتلانتيك» (The Atlantic)، وفيها استعمل عبارة «صدام الحضارات» [18]، فالتقطها عالم السياسة الأمريكي سامويل هانينقتون (Samuel Huntington) وبنى عليها مقالته الشهيرة عام 1993 ثم كتابه عام 1996. ثم صار لويس، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الأمريكية، حين هاجم تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن مدينتي نيويورك وواشنطن بطائراتٍ مدنية مخطوفة، من أكثر المؤرخين حضورًا في مجالس صنّاع القرار في واشنطن، ومن أبرز المنظّرين لغزو العراق عام 2003. فكأن لويس أراد أن يقدّم لخصمه الدليل على صحة الكتاب بنفسه، ومجانًا. وقد رد سعيد على هانينقتون ولويس معًا بعد أحداث سبتمبر بمقالته «صدام الجهالات» (The Clash of Ignorance) في مجلة «ذا نيشن» (The Nation) في الثاني والعشرين من أكتوبر 2001 [19]، فقال إن الحضارات ليست كتلًا صمّاء تتصادم، بل، هي أنهارٌ متداخلة، وإن من يتحدث عن «صدام الحضارات» يتحدث في الحقيقة عن جهله بكلتيهما.
نقدنا للكتاب، الإيجابيات أولًا
للكتاب إيجابياتٌ لا ينكرها إلا مكابر، أبرزها ست. الإيجابية الأولى أنه كسر احتكار الغرب لحق الكلام عن الشرق، وفتح الباب لأجيالٍ من الباحثين من آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية ليقرؤوا تاريخهم بعيونهم. والإيجابية الثانية أنه علّم القارئ، أيًّا كان، أن يسأل عن كل نص: من كتبه؟ ولمن؟ ومن أي موقع سلطة؟ وعمّ سكت؟ وهذا السؤال وحده يكفي لتبرير وجود الكتاب. والإيجابية الثالثة أنه كشف العلاقة بين الأدب والسياسة، وبين القصيدة والمدفع، في وقتٍ كان فيه الأدب يُدرّس في الجامعات الغربية كأنه يُكتب في الفراغ.
والإيجابية الرابعة أنه أسس حقلًا معرفيًا كاملًا هو دراسات ما بعد الاستعمار، وأثّر في عشرات التخصصات. والإيجابية الخامسة أنه أحرج المؤسسة الاستشراقية فأجبرها على مراجعة نفسها، فصار المستشرقون اللاحقون أكثر حذرًا في التعميم، وأكثر وعيًا بمواقعهم، وهذا في حد ذاته مكسبٌ للمعرفة الإنسانية. والإيجابية السادسة أنه كُتب بنثرٍ أدبي رفيع جعل النظرية النقدية في متناول القارئ المثقف غير المتخصص، وهو أمرٌ نادر في كتبٍ هذا شأنها، فأكثر كتب النظرية تُكتب كأن مؤلفيها يخشون أن يفهمهم أحد.
نقدنا للكتاب، الحدود وما لم يستطعه
وللكتاب حدودٌ لا يستطيع المعجب المنصف أن يتجاهلها، أبرزها ثمانٍ. الحد الأول التعميم، فقد صنع سعيد «استشراقًا» واحدًا متجانسًا يمتد من أسخيلوس إلى كيسنجر، فوقع فيما عابه على المستشرقين. وهذا ما لاحظه المستشرق الأمريكي مالكوم كير (Malcolm Kerr) في مراجعته المبكرة للكتاب عام 1980، حين قال إن الكتاب ضروري وغني بالمادة، لكنه يحمل نزعة الادعاء العام المتحمس الذي يقفز إلى النتائج، وإن سعيدًا يرتكب الاختزال والكاريكاتير نفسيهما اللذين ينسبهما إلى خصومه [20].
والحد الثاني ما سمّاه الفيلسوف السوري صادق جلال العظم «الاستشراق معكوسًا»، في مقالته التي كتبها في مدينة بيروت خريف عام 1980 ونُشرت عام 1981 [10]. فقد أثنى العظم على الكتاب، لكنه رأى أن سعيدًا حين ردّ الاستشراق إلى هوميروس ودانتي جعله جوهرًا ثابتًا في العقل الأوروبي، فناقض بذلك رفضه للجوهرانية (Essentialism).
والجوهرانية مصطلحٌ يستحق وقفة، لأن نقد الكتاب كله يكاد يدور حوله. فالجوهرانية هي الاعتقاد بأن لكل شعبٍ أو حضارةٍ «جوهرًا» ثابتًا، أي طبيعةً داخلية لا تتغير بتغير الزمان والمكان والظروف، وأن هذا الجوهر هو الذي يفسّر سلوك أبنائها في كل عصر. فحين يقرر اللورد كرومر أن «العقل الشرقي» يكره الدقة، فهو لا يصف موظفًا مصريًا بعينه في مكتبٍ بعينه، بل، يزعم أن في الشرقي، أينما كان ومتى كان، صفةً مغروسةً فيه كما يُغرس اللون في الحجر. وقد رفض سعيد هذه النظرة حين طُبّقت على الشرق، وقال إن «الشرق» ليس جوهرًا، بل، صناعةٌ تاريخية. غير أن العظم لاحظ أن سعيدًا حين مدّ الاستشراق من أسخيلوس وهوميروس إلى دانتي، ثم إلى كرومر وكيسنجر، أوحى بأن في «العقل الأوروبي» جوهرًا ثابتًا من العداء للشرق، يتوارثه الأوروبيون منذ خمسة وعشرين قرنًا كما يُتوارث لون العينين. فنقل سعيد الجوهرانية من الشرق إلى الغرب ولم يُلغِها، كمن يهدم صنمًا في ساحة القرية ثم يقيم مثله في الساحة المقابلة. والصحيح عند العظم أن الاستشراق الحديث ظاهرةٌ تاريخية لها تاريخ ميلاد، هو التوسع الاستعماري الأوروبي منذ أواخر القرن الثامن عشر، وما وُلد في التاريخ يمكن أن يموت في التاريخ، أما الجوهر فلا يموت، ولذلك كانت الجوهرانية، شرقيةً كانت أو غربية، طريقًا مسدودًا لا يفضي إلى تغيير.
ثم وجّه العظم نقده الأحدّ إلى طائفةٍ من الكتّاب العرب قلبوا المعادلة فحسب، فجعلوا الشرق جوهرًا روحانيًا متفوقًا والغرب جوهرًا ماديًا منحطًا، وسمّى صنيعهم «الاستشراق معكوسًا»، وقال إنه لا يقل عن الاستشراق الأصلي رجعيةً وتجهيلًا ومعاداةً للتاريخ. وهذا كمن يشكو من جاره الذي يرمي القمامة في حديقته، ثم يحل المشكلة برمي القمامة نفسها في حديقة الجار.
والحد الثالث التنازع المنهجي، الذي كشفه الناقد الماركسي الهندي إعجاز أحمد في كتابه «في النظرية» الصادر عام 1992 [11]، إذ رأى أن سعيدًا جمع منهج فوكو الرافض للنزعة الإنسانية، والنزعة الإنسانية الأوروبية التي يحتفي بها في الوقت نفسه، فجاء الكتاب متنازعًا بين منهجين لا يجتمعان.
ولتوضيح هذا التنازع لا بد من تعريف طرفيه. فالنزعة الإنسانية (Humanism) تقليدٌ أوروبي يمتد من عصر النهضة إلى عصر التنوير، يضع الإنسان الفرد في مركز الكون، ويؤمن بأنه كائنٌ حرٌّ عاقل يصنع المعنى ويتحمل مسؤولية أفعاله، وبأن هناك قيمًا إنسانية كونية، كالعدل، والكرامة، والحقيقة، يُحتكم إليها فوق اختلاف الثقافات، وبأن الأدب الرفيع يهذّب الإنسان ويرتقي به. أما فوكو فيقف من هذا كله على الضفة الأخرى، فهو يرى أن «الإنسان» نفسه فكرةٌ حديثة صنعتها المعارف الأوروبية منذ أواخر القرن الثامن عشر، وأن الفرد لا يصنع الخطاب، بل، الخطاب هو الذي يصنع الفرد، فيحدد له ما يفكر فيه وما يقوله، وأنه لا توجد حقيقةٌ أو قيمٌ كونية تقف خارج علاقات السلطة ليُحتكم إليها.
والمشكلة أن سعيدًا احتاج إلى المنهجين معًا، فأخذ من كلٍّ منهما ما يخدمه. فهو فوكوي حين يدين الاستشراق منظومةً لا يفلت منها أحد، وإنساني حين يحاسب رينان، وكرومر، ولويس أفرادًا مسؤولين عن أقوالهم. وهو فوكوي حين يقرر أن كل تمثيلٍ للشرق مشبعٌ بالسلطة، وإنساني حين يدين هذا التمثيل باسم قيمٍ كونية، كالعدل والكرامة، لا مكان لها في عالم فوكو. ثم إنه يحتفي بالأدب الأوروبي الرفيع، ويتخذ الناقد الألماني إريك أورباخ (Erich Auerbach)، صاحب كتاب «المحاكاة» (Mimesis)، قدوةً له في النقد، وهو الأدب نفسه الذي كشف تواطؤه مع الإمبراطورية. فإذا كان الخطاب هو الذي يصنع الأفراد، فلماذا يُلام المستشرق الفرد؟ وإذا كانت كل معرفةٍ سلطة، فمن أي أرضٍ محايدة يتكلم سعيد نفسه؟ وكأن سعيدًا استعار من فوكو مطرقته ليهدم بيت الاستشراق، ثم استعار من النزعة الإنسانية ميزانها ليزن الأنقاض، وصاحبا المطرقة والميزان، لو اجتمعا، لاختلفا على الأداتين معًا. وقد شعر سعيد بهذا الحرج، فابتعد عن فوكو في كتاباته اللاحقة، وجاء آخر كتبه، الصادر بعد وفاته عام 2004، بعنوانٍ يحسم الخلاف لمصلحة النزعة الإنسانية: «الإنسانية والنقد الديمقراطي» (Humanism and Democratic Criticism).
كما رأى أحمد أن سعيدًا حين ردّ الاستشراق إلى أصلٍ إغريقي قديم حوّل نقد الاستعمار، وهو ظاهرةٌ حديثة مرتبطة بالرأسمالية، إلى نقدٍ لحضارةٍ بأكملها، فضاعت الرأسمالية في الزحام.
والحد الرابع إغفال الاستشراق الألماني، الذي كان في القرن التاسع عشر أعظم مدارس الاستشراق وأرسخها علمًا، بحجة أن ألمانيا لم تكن لها مستعمراتٌ في الشرق الأوسط. وقد نبّه المؤرخ البريطاني روبرت إروين إلى أن كثيرًا من أعظم إنجازات الاستشراق جاء من الألمان، ومن بلدانٍ لا مستعمرات لها في الشرق، كالمجر التي أنجبت إغناتس غولدتسيهر (Ignaz Goldziher)، بل، وصف إروين كتاب سعيد بأنه عملٌ يصعب فيه التمييز بين الأخطاء البريئة والتحريف المتعمد [9]. وإغفال الألمان في كتابٍ عن الاستشراق يشبه تأليف كتابٍ عن الموسيقى الكلاسيكية يُسقط منه بيتهوفن لأنه لم يكن يملك مستعمرات.
والحد الخامس الأخطاء التاريخية والوقائعية، التي تتبّعها الأنثروبولوجي الأمريكي دانيال مارتن فاريسكو في كتابه «قراءة الاستشراق» [12]، فوجد فيها ما يكفي لإحراج أي مؤلف، وانتهى إلى أن الكتاب أطلق نقاشًا ضروريًا، لكنه أطلقه بلغة المرافعة لا بلغة البحث. والحد السادس صمت الشرق في الكتاب نفسه، فسعيد لم يستنطق نصًا شرقيًا واحدًا من الحقبة التي درسها، ولم يُرِنا كيف قاوم الشرقيون الصور المفروضة عليهم، ولم يُسمِعنا صوت رفاعة الطهطاوي، أو محمد عبده، أو أي شيخٍ أزهري جادل المستشرقين في عصرهم. فجاء الكتاب الذي يأخذ على الغرب إسكات الشرق كتابًا لا يتكلم فيه إلا الغرب، والشرق فيه يُدافَع عنه كما يُدافَع عن قاصرٍ في محكمة، لا يُسمح له بالجلوس على منصة الشهود.
والحد السابع إغفال المقاومة والتبادل، فقد صوّر سعيد العلاقة بين الشرق والغرب طريقًا ذا اتجاهٍ واحد، يكتب فيه الغرب ويتلقى الشرق، وأغفل أن الشرقيين أنفسهم استعملوا الاستشراق، وتعاونوا مع المستشرقين، وحققوا بفضلهم مخطوطاتٍ ما زالوا يعتمدون عليها. وقد اعترف سعيد بهذا القصور لاحقًا، فخصص له جانبًا كبيرًا من كتابه «الثقافة والإمبريالية» [6]. والحد الثامن أن الكتاب، كما يرى وائل حلاق، لم يذهب بعيدًا بما يكفي [7]. فقد حاصر سعيد الاستشراق وحده بالاتهام، وترك البنية الأوسع للمعرفة الحديثة، من القانون، إلى الاقتصاد، إلى الفلسفة، طليقةً بلا محاكمة، بل، ظل هو نفسه متمسكًا بنزعةٍ إنسانية ليبرالية يراها حلاق جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.
والمقصود بالنزعة الإنسانية الليبرالية الصيغة التي استقرت عليها النزعة الإنسانية في أوروبا الحديثة منذ عصر التنوير، وهي تقوم على تقديس الفرد المستقل صاحب الحقوق، والثقة المطلقة في العقل العلماني، والفصل بين الدين والمعرفة، وبين «ما هو كائن» و«ما ينبغي أن يكون»، والإيمان بالتقدم، وبأن الإنسان سيدٌ على الطبيعة يسخّرها لمصلحته، وبأن الدولة الحديثة ذات السيادة هي الإطار الطبيعي للحياة. وقد انتقد سعيد المستشرقين لأنهم خانوا هذه القيم، أي لأنهم لم يكونوا إنسانيين بما يكفي حين نظروا إلى الشرقي نظرةً دونية، فكان العلاج الذي اقترحه سعيد مزيدًا من الإنسانية، ومزيدًا من «النقد العلماني».
أما حلاق فيرى أن الداء ليس في خيانة هذه القيم، بل، في هذه القيم نفسها. فالاستشراق عنده ليس انحرافًا عارضًا في معرفةٍ حديثة سليمة، وإنما هو عَرَضٌ من أعراض بنيةٍ معرفية حديثة كاملة، يشترك فيها القانون، والاقتصاد، والعلوم الطبيعية، والفلسفة، وهي البنية التي فصلت المعرفة عن الأخلاق، وجعلت السيطرة، على الطبيعة وعلى الشعوب معًا، غايتها الضمنية [7]. فالعقل الذي «يعرف» الطبيعة ليسخّرها هو العقل نفسه الذي «يعرف» الشرق ليحكمه، و«الإنسان السيد» الذي تحتفي به النزعة الإنسانية الليبرالية هو الأوروبي نفسه الذي نصّب نفسه سيدًا على غيره. ومن هنا كان الاستعمار، ثم الإبادات، ثم تدمير البيئة، عند حلاق نتائج منطقية لهذا المشروع لا خروجًا عليه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاحتكام إلى النزعة الإنسانية الليبرالية لعلاج الاستشراق يشبه أن تطلب من الطبيب الذي سبّب المرض أن يصرف لك الدواء من الصيدلية التي باعته السم. ويرى حلاق، في كتاباته عمومًا، أن البديل يُلتمس في تقاليد أخلاقية لم تفصل المعرفة عن القيمة، ومنها التراث الإسلامي في الفقه والأخلاق، وهو تراثٌ لم يلتفت إليه سعيد، العلماني المتمسك بعلمانيته، التفاتًا يُذكر.
وهكذا يُنتقد الكتاب من اليمين لأنه ذهب بعيدًا، ومن اليسار لأنه لم يذهب بعيدًا بما يكفي، وهو حظ الكتب العظيمة دائمًا، يطلقون عليها النار من الجهتين.
حقائق واستنتاجات إضافية، ما لم يُقَل في الكتاب
ثمة حقائق واستنتاجات أخرى تُكمل الصورة. الحقيقة الأولى أن سعيدًا لم يكن أول من رفع الصوت. فقد سبقه عالم الاجتماع المصري أنور عبد الملك (Anouar Abdel-Malek) بخمسة عشر عامًا، حين نشر في مجلة «ديوجين» (Diogène) الفرنسية عام 1963 مقالته «الاستشراق في أزمة»، ناقدًا نظرة المستشرقين إلى الشرق بوصفه موضوعًا ثابتًا خارج التاريخ، ومطالبًا بأن يصبح أهل الشرق ذواتًا فاعلة في دراسة أنفسهم لا مادةً تُدرس [21]. وقد أشار سعيد إلى مقالة عبد الملك في كتابه، غير أن الشهرة، كعادتها، لم تعترف بأسبقية السابق، بل، منحت اللاحق اللقب والجائزة معًا، وهي سنّةٌ في عالم الأفكار كما في عالم الاختراعات، حيث يُنسب الاختراع لمن سجّله لا لمن اخترعه.
والحقيقة الثانية أن سعيدًا أتبع «الاستشراق» بكتابين يكمّلان ثلاثيته الأولى، هما «مسألة فلسطين» الصادر عام 1979، و«تغطية الإسلام» الصادر عام 1981، الذي درس فيه صورة الإسلام في الإعلام الأمريكي بعد الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن. ثم كتب عام 1985 مقالته «إعادة النظر في الاستشراق» في مجلة «كلتشرال كريتيك» (Cultural Critique)، فأوضح أنه لم يزعم وجود «شرقٍ حقيقي» يُخفيه المستشرقون، وإنما كانت غايته نقد عملية التمثيل نفسها وعلاقتها بالسلطة [22]. ثم وسّع أطروحته في «الثقافة والإمبريالية» فخرج بها من الشرق الأوسط إلى الإمبراطوريات كلها، وقرأ روايات جين أوستن (Jane Austen)، وجوزيف كونراد، ورديارد كبلنغ (Rudyard Kipling)، وألبير كامو (Albert Camus) قراءةً تكشف حضور المستعمرات في خلفية الأدب الأوروبي [6].
والحقيقة الثالثة أن الكتاب تُرجم إلى عشرات اللغات، وأن سعيدًا لاحظ في تصديره لطبعة عام 2003 مفارقةً مريرة، هي أنه كتب ذلك التصدير بعد أسابيع من سقوط بغداد في يد القوات الأمريكية، وأن الخطاب الذي فضحه قبل خمسةٍ وعشرين عامًا كان يُستعمل بحذافيره لتبرير الحرب، فالعراقيون «لا يستطيعون تمثيل أنفسهم» فجاءت الدبابات لتمثّلهم. وكأن ربع قرنٍ من الجدل الأكاديمي لم يغيّر شيئًا في غرف القرار، وهي نتيجةٌ تجعل الناقد يتساءل: هل الكتب تغيّر العالم، أم أنها تشرح فقط كيف يرفض العالم أن يتغير؟
والاستنتاج الأول أن قيمة الكتاب في سؤاله لا في أجوبته. فقد أخطأ سعيد في تفاصيل كثيرة، لكن السؤال الذي طرحه صار جزءًا من العُدّة الذهنية لكل باحثٍ جاد، حتى خصومه صاروا يكتبون وهم يتحسسون مواقعهم خوفًا من أن يُتهموا بما اتهم به سعيد أسلافهم. والاستنتاج الثاني أن أخطر ما يواجه القارئ العربي ليس الاستشراق الغربي، بل، الاستشراق المعكوس الذي حذّر منه العظم، أي أن نستبدل بالشرق المصنوع في باريس شرقًا آخر مصنوعًا في عواصمنا، لا يقل عنه أسطورية، وإن كان أكثر منه تملقًا لنا. والاستنتاج الثالث أن الكتاب، الذي أراد صاحبه أن يكون دعوةً إلى معرفةٍ إنسانية مشتركة، تحوّل في أيدي كثيرين إلى خندق، يحتمي به الشرقي من كل نقد، ويهاجمه الغربي دفاعًا عن كل امتياز، وكلاهما بعيدٌ عن مقصد المؤلف بُعدَ مدينة القدس عن حي مانهاتن.
قراءةٌ سودانية، السودان في مرآة الاستشراق
لم يُفرد إدوارد سعيد للسودان مكانًا في كتابه، فقد انشغل بالقاهرة، وبيروت، والقدس، وترك السودان على هامش الخريطة كما تركه أكثر المستشرقين من قبله. غير أن قارئ تاريخ السودان السياسي يجد في أطروحات الكتاب مفتاحًا يكاد يفتح كل أبواب ذلك التاريخ، من الحكم التركي المصري، إلى المهدية، إلى الحكم الثنائي، إلى الاستقلال وحروبه، إلى دارفور وقوائم الإرهاب، بل، يمكن القول إن السودان هو «شرق الشرق»، أي البلد الذي وقع عليه الاستشراق مرتين: مرةً بعين الجغرافي العربي الذي سمّاه، ومرةً بعين الضابط الأوروبي الذي حكمه.
فاسم «السودان» نفسه تمثيلٌ صنعه الآخرون، فهو اختصارٌ لعبارة «بلاد السودان» التي أطلقها الجغرافيون والرحالة العرب على الأرض الممتدة جنوب الصحراء الكبرى، أي «بلاد السود»، فكان أهل البلد يُعرَّفون بلون بشرتهم في عين الناظر إليهم من الشمال.
وأعني بكلمة «تمثيلٌ» (Representation) ما أراده سعيد بها، وهي كلمةٌ تحمل في العربية معنيين تلتقي عندهما أطروحات الكتاب. المعنى الأول «النيابة»، أي أن يتكلم أحدٌ بلسان غيره ويقرر عنه ما يريد، كما يمثّل النائبُ ناخبيه في البرلمان، ويمثّل المحامي موكّله في المحكمة. والمعنى الثاني «التصوير والوصف»، أي أن يرسم أحدٌ صورةً لغيره، كما يمثّل الممثل دورًا على المسرح، ويمثّل الرسام شخصًا في لوحة. وكلا المعنيين حاضرٌ في العبارة التي افتتح بها سعيد كتابه، وهي قول ماركس إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم فلا بد أن يمثّلهم غيرهم، فالتمثيل هنا نيابةٌ وتصوير معًا: غيرُهم يتكلم باسمهم، وغيرُهم يرسم صورتهم. واسم «السودان» تمثيلٌ بالمعنيين. فهو تصويرٌ، لأنه وصفٌ لأهل الأرض بلون جلودهم كما يراه ناظرٌ من الشمال، لا كما يصفون به أنفسهم، فهم لا يقولون عن أنفسهم «سود»، بل، يقولون أسماء شعوبهم وممالكهم ولغاتهم. وهو نيابةٌ، لأن الاسم صار ينوب عنهم في الخرائط والمعاهدات والكتب، فلما رُسمت حدود الدولة ووُقّعت الاتفاقيات استُعمل الاسم الخارجي عنوانًا لشعوبٍ كثيرة لم يُسأل أحدٌ منها هل يرضى به. أما «الآخرون» الذين صنعوه فهم الجغرافيون والرحالة العرب القادمون من شمال الصحراء، ثم الأوروبيون الذين ورثوا الاسم عنهم وثبّتوه في خرائطهم وإدارتهم، ثم السودانيون أنفسهم الذين تبنّوه بعد قرون، فصار اسمهم، كما يصير الاسم الذي يُنادى به الطفل اسمه.
ولكي تتضح هذه الجغرافيا للقارئ، فالصحراء الكبرى (Sahara) هي أكبر صحراءٍ حارة في العالم، تبلغ مساحتها نحو تسعة ملايين كيلومتر مربع، أي ما يقارب مساحة الولايات المتحدة، وتمتد نحو أربعة آلاف وثمانمئة كيلومتر طولًا ونحو ألف وثمانمئة كيلومتر عرضًا [23]. ويحدّها من الغرب المحيط الأطلسي، ومن الشرق البحر الأحمر. أما حدّها الشمالي فتحدّه جبال الأطلس (Atlas Mountains)، وهي سلسلة جبلية في المغرب والجزائر وتونس، ويحدّه البحر الأبيض المتوسط نفسه في مصر وفي بعض مواضع ليبيا، حيث تنزل الرمال إلى الساحل مباشرة. وأما حدّها الجنوبي فهو «الساحل» (Sahel)، وهو حزامٌ من السافانا شبه الجافة، أي الأراضي العشبية المدارية قليلة المطر، يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، ويُحدَّد في بعض التعريفات بخط المطر السنوي البالغ نحو مئة وخمسين ملّيمترًا، في حين يُحدَّد الحد الشمالي بخط المئة ملّيمتر. وتقع أراضي الصحراء في أحد عشر بلدًا أو إقليمًا، هي: الجزائر، وتشاد، ومصر، وليبيا، ومالي، وموريتانيا، والمغرب، والنيجر، والسودان، وتونس، والصحراء الغربية. وفي شمال السودان قسمان منها، هما الصحراء النوبية (Nubian Desert)، وهي صحراءٌ شرق النيل تمتد إلى البحر الأحمر، والصحراء الليبية (Libyan Desert)، وهي صحراءٌ غرب النيل تمتد إلى ليبيا ومصر. ولم يكن الجغرافيون العرب أهل أرقامٍ في هذا الباب، بل، أهل استعارات، فسمّوا الرمال «بحرًا»، والجمال «سفنًا»، والواحات «جزرًا»، وحافتها الجنوبية «ساحلًا»، وهي كلمةٌ عربية صارت اسمًا جغرافيًا عالميًا. فإذا رست القافلة على الشاطئ الجنوبي نظر ركّابها حولهم وقالوا: هذه بلاد السودان، كما يسمّي القادم من البحر الأرضَ التي هبط عليها بما يراه فيها، لا بما يسمّيها به أهلها. وهنا مفارقةٌ صغيرة، فقد كانت «بلاد السودان» عند الجغرافيين العرب حزامًا قاريًا يمتد جنوب الصحراء من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، فهي أوسع كثيرًا من الدولة الحالية التي ليست إلا طرفه الشرقي، فتقلّص الاسم من حزامٍ قاري إلى بلدٍ واحد، وصارت الدولة تضم في شمالها قطعةً من الصحراء التي كانت تحدّ الاسم من الشمال.
وقد ذهب ابن خلدون في «المقدمة» إلى أن حرارة الإقليم تورث أهل السودان الخفة والطيش والولع بالرقص [15]، فسبق بخمسة قرون نظرية اللورد كرومر في أن العقل الشرقي يكره الدقة، مع فارقٍ بسيط هو أن ابن خلدون ألقى اللوم على الشمس، وكرومر ألقاه على الشرقي نفسه. وهكذا ورث السودانيون اسمًا لم يختاروه، وصورةً لم يرسموها، قبل أن يصل أول مستشرقٍ أوروبي إلى الخرطوم بقرون.
التركية، رحّالةٌ يكتشفون ما يعرفه أهله
منذ الغزو التركي المصري عام 1821، صار السودان مسرحًا لجيشٍ من الرحالة، والمستكشفين، والمبشّرين الأوروبيين، يجوبون النيل الأبيض والنيل الأزرق بحثًا عن منابع النيل، فيكتشفون بحيراتٍ يعرفها صيادوها منذ آلاف السنين، ويسمّونها بأسماء ملوكهم وملكاتهم، كبحيرة فكتوريا وبحيرة ألبرت. وفي كتب هؤلاء الرحالة تتجلى أطروحة «التفوق الموضعي» في أوضح صورها، فالأوروبي يرى ولا يُرى، ويصف ولا يُوصف، ويسمّي ولا يُسمّى.
وأشهر هؤلاء صمويل بيكر (Samuel Baker)، الذي وصل إلى بحيرة ألبرت عام 1864، ونشر عن رحلته كتابه «ألبرت نيانزا» (The Albert N’yanza) عام 1866، وفيه من الأحكام القاطعة على الأفارقة وعقولهم وأخلاقهم ما يجعل كرومر يبدو بجانبه متسامحًا. ثم حدث ما يجسّد معادلة «من يعرف يحكم» حرفيًا، إذ عيّنه الخديوي إسماعيل عام 1869 حاكمًا على المديرية الاستوائية في جنوب السودان بحجة القضاء على تجارة الرقيق، فصار مؤلف الكتاب حاكمًا على من وصفهم في الكتاب. ثم خلفه شارل غوردون (Charles Gordon) في المنصب نفسه، ثم صار حكمدارًا للسودان كله. فكانت تجارة الرقيق، وهي جريمةٌ حقيقية، الذريعةَ الأخلاقية التي تُبرّر بها السيطرة، كما صارت «حماية الأقليات» و«نشر الديمقراطية» ذرائع القرون اللاحقة. وظل السوداني في هذه الحكاية إما نخّاسًا يجب أن يُعاقَب، أو رقيقًا يجب أن يُنقَذ، ولم يُتح له أن يكون شيئًا ثالثًا.
المهدية في دفاتر الاستخبارات، صناعة «الدراويش»
حين قامت الثورة المهدية وسقطت الخرطوم في يناير 1885 وقُتل غوردون، احتاجت بريطانيا إلى رواية تفسّر الهزيمة وتمهّد للعودة، فتولّى صناعتها قسم الاستخبارات بالجيش المصري تحت إدارة ريجينالد وينجت (Reginald Wingate). وأول ما أصدره وينجت كتابه «المهدية والسودان المصري» (Mahdiism and the Egyptian Sudan) عام 1891 [24]، وهو تقرير استخبارات في ثوب كتاب تاريخ. ثم تولّى وينجت تحرير كتاب القس النمساوي جوزيف أُروالدر (Joseph Ohrwalder)، الذي أسره المهدويون في مدينة الدلنج بمنطقة جبال النوبة عام 1882، وفرّ من أسره عام 1891، فصدر كتابه «عشر سنوات من الأسر في معسكر المهدي» في مدينة لندن عام 1892 «من مخطوطات الأب أُروالدر الأصلية» بتحرير وينجت وصياغته الإنجليزية [25]. ثم تكرر الأمر مع النمساوي رودولف سلاطين (Rudolf Slatin) في كتابه «السيف والنار في السودان» (Fire and Sword in the Sudan) الصادر عام 1896 بترجمة وينجت أيضًا [26].
وفي هذه الكتب الثلاثة وُلد «الدرويش» السوداني بصورته التي عاشت قرنًا كاملًا: متعصبٌ، دمويٌّ، لا يعقل، يندفع إلى الموت بلا سبب، يقوده «مهديٌّ زائف» وخليفةٌ طاغية. فصار أنصار المهدي يُسمَّون في الكتب الإنجليزية «الدراويش» (Dervishes)، وهو اسمٌ لم يطلقوه على أنفسهم، كما سُمّي البجا في قصيدة رديارد كبلنغ «فزي وزي» (Fuzzy-Wuzzy) عام 1892 باسمٍ مأخوذٍ من شعر رؤوسهم. ولم يكن ما كتبه أُروالدر وسلاطين كذبًا محضًا، فمعاناة الأسرى حقيقية، وعنف الدولة المهدية حقيقي، لكنه انتقاءٌ يخدم غاية، وهذا بالضبط ما سمّاه سعيد «الخطاب» الذي يحدد ما يمكن قوله عن موضوعه، فلا مكان فيه لسؤال: لماذا ثار السودانيون على الحكم التركي أصلًا، دراويشَ كانوا أم عباقرةً؟
ثم جاء ونستون تشرشل (Winston Churchill)، الضابط الشاب والمراسل الحربي، فكتب «حرب النهر» (The River War) عام 1899 [27]، وفيه يتعجب من «اللعنات الرهيبة التي يُنزلها الإسلام بأتباعه»، في عبارةٍ حُذفت من الطبعات المختصرة اللاحقة. غير أن تشرشل نفسه، وهنا تتعقد الصورة على طريقة سعيد، أدان نبش كتشنر قبر المهدي في مدينة أم درمان بعد معركة كرري عام 1898، وانتقد قتل الجرحى في الميدان. فالمستشرق ليس شيطانًا بسيطًا، بل، هو أحيانًا شاهدٌ أمين على جرائم معسكره، وإن ظل يرى المهزوم من فوق ظهر حصانه.
ويبلغ المشهد ذروته حين تتحقق معادلة بلفور «من يعرف يحكم» حرفيًا لا مجازًا. فوينجت، صاحب «المهدية والسودان المصري» ومحرّر أُروالدر ومترجم سلاطين، صار حاكمًا عامًا للسودان من عام 1899 إلى عام 1916، وسلاطين، صاحب «السيف والنار»، صار مفتشًا عامًا للسودان من عام 1900 إلى عام 1914. فالرجلان اللذان كتبا السودان صارا يحكمانه، والكتابان اللذان ألّفاهما، أي «المهدية والسودان المصري» لوينجت، و«السيف والنار في السودان» لسلاطين، صارا دستورًا غير مكتوب للإدارة، والأسير السابق صار السجّان اللاحق. ولا يُقصد بـ«الدستور غير المكتوب» هنا نصٌّ قانوني، وإنما الصورة الذهنية التي استقرت في الكتابين ثم حكم بها الرجلان السودان، ومفادها أن المهدية تعصبٌ أعمى قد يعود في أي لحظة، وأن السوداني لا يُؤمَن جانبه إذا اجتمع حول داعيةٍ ديني. ولذلك تعاملت حكومة الحكم الثنائي في عهد وينجت مع كل حركةٍ دينية بوصفها «مهديةً جديدة» محتملة، فراقبت الطرق الصوفية والدعاة، وأعدمت قادة الانتفاضات الصغيرة التي رفعت شعار المهدية، مثل عبد القادر ود حبوبة عام 1908، وأبقت الإمام عبد الرحمن المهدي، ابن المهدي، تحت المراقبة سنواتٍ طويلة. فكان الكتابان يُقرآن في مدينة لندن تاريخًا، ويُطبَّقان في مدينة الخرطوم سياسة. ولو بحث سعيد عن مثالٍ يلخص أطروحته الرابعة في صفحةٍ واحدة لما وجد أبلغ من هذا. وظلت الصورة حيةً حتى عام 1966، حين أنتجت هوليوود فيلم «الخرطوم» (Khartoum)، فلعب تشارلتون هستون (Charlton Heston) دور غوردون البطل، ولعب لورنس أوليفييه (Laurence Olivier) دور المهدي بوجهٍ مطليٍّ بالصبغة الداكنة، فكان المهدي، بعد ثمانين عامًا على وفاته، لا يزال يُمثَّل ولا يُمثِّل نفسه، وبممثلٍ إنجليزي هذه المرة.
الحكم الثنائي، الأنثروبولوجيا في خدمة الإدارة
في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، من عام 1899 إلى عام 1956، انتقلت المعرفة بالسودان من دفاتر الاستخبارات إلى مجلات العلم، دون أن تغادر مكاتب الحكومة. ففي عام 1918 صدرت مجلة «السودان في رسائل ومدونات» (Sudan Notes and Records)، وكان أكثر كتّابها من الإداريين البريطانيين الذين يحكمون القبائل نهارًا ويكتبون عنها ليلًا. وأبرز هؤلاء هارولد ماكمايكل (Harold MacMichael)، الذي أصدر عام 1922 كتابه الضخم «تاريخ العرب في السودان» (A History of the Arabs in the Sudan) [28]، ثم صار السكرتير الإداري لحكومة السودان من عام 1926 إلى عام 1933، أي الرجل الثاني في الإدارة الاستعمارية. فمؤرخ الأنساب صار مهندس السياسات، وشجرة النسب صارت خريطة الحكم.
وقد احتاجت الإدارة البريطانية في عشرينيات القرن العشرين إلى معرفة «القبيلة» معرفةً دقيقة، فصادق إداريوها النظار، وهم كبار زعماء القبائل، وافترشوا الأرض، وأكلوا العصيدة وفتّة الثريد (بالخضار واللحمة) بأيديهم، وبشهيةٍ مفتوحة وصادقة، مع الناظر علي التوم، من أجل جلالة الإمبراطورية. وذلك لأن الإدارة اعتمدت سياسة «الإدارة الأهلية»، أي الحكم غير المباشر عبر زعماء القبائل. فصارت الأنثروبولوجيا علمًا تطبيقيًا بامتياز. وأوضح الأمثلة كتاب الأنثروبولوجي البريطاني إدوارد إيفانز بريتشارد (E. E. Evans-Pritchard) «النوير» (The Nuer) الصادر عام 1940، الذي يعترف مؤلفه في التصدير بأن دراسته أُجريت بطلبٍ من حكومة السودان الإنجليزي المصري، وبتمويلٍ أغلبه منها [29]. وقد وصل الباحث إلى أرض النوير في أوائل عام 1930، بعد هزيمتهم أمام القوات الحكومية في ثورةٍ قادها أنبياؤهم، فكان يجري مقابلاته وجنود الحكومة يحاصرون معسكره بحثًا عن نبيّين من قادة الثورة، ويأخذون الرهائن.
والمقصود بالأنبياء هنا ليس الأنبياء بالمعنى الإسلامي، بل، زعماءٌ روحيون يعتقد النوير أن روحًا من أرواح السماء قد حلّت فيهم وصارت تتكلم على ألسنتهم، فيصيرون وسطاء بين الإله والناس، يتنبؤون، ويفصلون في النزاعات، ويقودون القبيلة في الحرب. وكان أشهرهم نقونديق بونق (Ngundeng Bong) من فرع «اللو» من النوير، الذي أعلن أن روح «دينق»، إله السماء، قد حلّت فيه، وبنى هرمًا ترابيًا ضخمًا صار مزارًا مقدسًا، وتوفي عام 1906. ثم ورث ابنه قويك نقونديق (Guek Ngundeng) المكانة الروحية نفسها، فرأت فيه الإدارة البريطانية «ساحرًا» يهدد الأمن، فقصفت الطائرات البريطانية هرم أبيه عام 1928، ثم قُتل قويك برصاص القوات الحكومية عند قاعدة الهرم في يناير 1929، ووُجدت جثته إلى جوار ثورٍ أبيض مذبوح. فوصل الأنثروبولوجي إلى أرض النوير بعد عامٍ واحد من مقتل نبيّهم، أي أن العلم جاء ليدرس ما تركه الرصاص. وهو مشهدٌ يكاد يكون رسمًا توضيحيًا لأطروحة سعيد: العالِم يسأل، والجندي يحرس، والحكومة تدفع، والنوير يُجيبون لأن البنادق موجّهة إليهم.
والطريف أن النقد الجذري لهذه الأنثروبولوجيا الاستعمارية خرج من السودان نفسه، وقبل كتاب سعيد بخمس سنوات. فقد عمل الأنثروبولوجي طلال أسد (Talal Asad) محاضرًا في جامعة الخرطوم، ودرس قبيلة الكبابيش في شمال كردفان، ونشر عنها كتابه «عرب الكبابيش: السلطة والنفوذ والرضا في قبيلة رحّالة» عام 1970. ثم حرّر عام 1973 كتاب «الأنثروبولوجيا واللقاء الاستعماري» (Anthropology and the Colonial Encounter) [30]، الذي كشف كيف نشأ علم الأنثروبولوجيا البريطاني في ظل الإمبراطورية وخدمتها. فكانت بادية كردفان، لا مكتبات نيويورك، من أوائل المواقع التي تعلّم فيها النقد أن يسأل عن العلاقة بين المعرفة والسلطة.
الجغرافيا المتخيَّلة داخل السودان، خطٌّ رُسم في الأرشيف فصار حدودًا على الخريطة
إذا كانت أطروحة سعيد الثانية تقول إن الخط بين «الشرق» و«الغرب» يُرسم في العقل قبل أن يُرسم على الخريطة، فإن السودان يقدم أوضح برهانٍ على صحتها، لأن الخط رُسم هنا داخل البلد الواحد. ففي عشرينيات القرن العشرين أصدرت الإدارة البريطانية قوانين «المناطق المقفولة»، ومنها قانون الجوازات والتصاريح عام 1922، فمُنع الشماليون من دخول الجنوب، ومنطقة جبال النوبة، وأجزاء من دارفور إلا بإذن. ثم جاءت «السياسة الجنوبية» عام 1930، التي صاغها ماكمايكل نفسه، فقررت معاملة أهل الجنوب بوصفهم شعبًا «أفريقيًا» مختلفًا عن الشمال «العربي المسلم»، وشجّعت الإنجليزية والتبشير المسيحي والأعراف القبلية، وحاربت العربية، والجلباب، والأسماء العربية، وأعدّت الجنوب لاحتمال ضمّه إلى مستعمرات شرق أفريقيا البريطانية [31].
وهكذا صُنع داخل السودان «شرقٌ» و«غرب» صغيران، فصار الشمال «عربيًا» والجنوب «أفريقيًا»، وكأن الهوية تُحسم بقرارٍ إداري يصدر من مكتب السكرتير الإداري في مدينة الخرطوم. ولم يكن التنوع مختلقًا، فالفوارق اللغوية والدينية والثقافية حقيقية، لكن تحويلها إلى جوهرين متقابلين، لا يلتقيان إلا بإذنٍ مكتوب، هو صنيع «الجغرافيا المتخيَّلة» بعينه. ثم دفع السودان ثمن هذا الخيال دمًا حقيقيًا، فاندلع تمرد مدينة توريت في جنوب السودان في أغسطس 1955 قبل الاستقلال بأشهر، ثم الحرب الأهلية الأولى، ثم الثانية، حتى انفصل الجنوب في يوليو 2011. فالخط الذي رُسم في أرشيف الإدارة عام 1930 صار، بعد ثمانين عامًا، حدودًا دوليةً عليها نقاط تفتيش. ولعل هذا أبلغ ما يقدمه السودان لأطروحة سعيد: أن الخطاب لا يصف الواقع فحسب، بل، قد يصنعه، ثم يقف متفرجًا عليه يقول: ألم أقل لكم إنهما مختلفان؟
حين ردّ السودانيون، من أرشيف المهدية إلى «موسم الهجرة إلى الشمال»
لم يبقَ السودان صامتًا إلى الأبد. ففي منتصف القرن العشرين بدأت عملية «استرداد الصوت» من الأرشيف. وكان من مفارقاتها أن المؤرخ البريطاني بيتر هولت (P. M. Holt) كان من أوائل من قرؤوا المهدية بعيدًا عن رواية وينجت، فاعتمد في كتابه «الدولة المهدية في السودان» الصادر عام 1958 على وثائق المهدية نفسها، فقرأ منشورات المهدي ورسائل الخليفة بوصفها نصوص حركةٍ سياسية ودينية لها منطقها، لا هذيان «دراويش» متعصبين [32]. ثم جاء المؤرخون السودانيون، وفي مقدمتهم محمد إبراهيم أبو سليم، الذي جمع وثائق المهدية وحققها ونشرها في دار الوثائق المركزية بمدينة الخرطوم، فصار المهدي والخليفة يتكلمان بلسانيهما بعد أن ظلا قرابة قرنٍ يتكلمان بلسان وينجت وترجمته.
أما الرد الأبلغ فجاء من الأدب. ففي عام 1966 نشر الروائي السوداني الطيب صالح روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» في مجلة «حوار» البيروتية، ثم في كتابٍ في العام نفسه [33]. وبطلها مصطفى سعيد، المثقف السوداني الذي يرحل إلى مدينة لندن، فيقلب رحلة كونراد في «قلب الظلام» رأسًا على عقب، إذ لم يعد الأوروبي هو الذي يبحر جنوبًا إلى قلب أفريقيا، بل، صار الأفريقي هو الذي يبحر شمالًا إلى قلب أوروبا. والأدهى أن مصطفى سعيد يتقن الاستشراق أكثر من المستشرقين، فيلبس لنساء لندن قناع الشرقي الغامض الذي صنعته كتبهم، ويحكي لهن عن صحارى وأسود وتماسيح لم يرها، فيستعمل الصورة النمطية سلاحًا ضد صانعيها. وقد احتفى إدوارد سعيد بالرواية، وعدّها من أعظم الروايات العربية، ورأى فيها نموذجًا لما سمّاه «الرحلة إلى الداخل»، أي عودة المستعمَر إلى عاصمة المستعمِر ليكتب عنها [6]. والمفارقة السودانية الخالصة أن الرواية التي احتفى بها ناقد الاستشراق في نيويورك، مُنعت في السودان نفسه عام 1983، فكان الطيب صالح يُقرأ في جامعات العالم ويُحجب في بلده، وكأن السودان قرر أن يمارس على أبنائه ما مارسه وينجت على آبائهم.
أما سبب المنع فهو ما في الرواية من مشاهد جنسية صريحة، في علاقات مصطفى سعيد بنساء لندن، وفي أحاديث بنت مجذوب الجريئة في مجالس القرية، وفي قصة حسنى بنت محمود التي زُوّجت كرهًا من الشيخ ود الريس فقتلته وقتلت نفسها. وقد جاء المنع في العام الذي أعلن فيه الرئيس جعفر نميري تطبيق ما عُرف بـ«قوانين سبتمبر» عام 1983، فرأت الرقابة في الرواية خدشًا للحياء العام لا يليق بالدولة «الإسلامية» المعلنة. والمفارقة أن الرواية لم تكن تمجّد ما تصفه، بل، كانت تدينه، فمصطفى سعيد يختفي في فيضان النيل، وحسنى تنتهي جثة، والراوي نفسه يكاد يغرق في الصفحة الأخيرة، أي أن الرقيب حاكم الرواية على ما فضحته لا على ما دعت إليه. ثم رُفع الحظر لاحقًا، وصارت الرواية متاحةً في السودان، وبقي المنع شاهدًا على أن الرقيب السوداني قرأ الرواية كما قرأ المستشرق الشرق، أي قراءةً تبحث عن الفضيحة وتغفل المعنى.
الاستشراق الداخلي، حين تقمّص المركزُ دورَ المستشرق
هنا تبلغ القراءة السودانية أخطر نقاطها، لأن تحذير صادق جلال العظم من «الاستشراق معكوسًا» [10] ينطبق على السودان انطباقًا مؤلمًا. فالنخبة السودانية التي ورثت الدولة عام 1956، وكان أغلبها من أبناء الوسط النيلي، ورثت معها، بوعيٍ أو بغير وعي، نظرة الإدارة البريطانية إلى الأطراف. فصار الجنوب، ومنطقة جبال النوبة، ودارفور، وشرق السودان في خطاب المركز أطرافًا «متخلفة» تحتاج إلى «تمدين»، أو «أسلمة»، أو «تعريب»، كما كان الشرق كله في خطاب كرومر يحتاج إلى «تمدين» أوروبي. فتغيّر لون المستشرق، وبقي المنطق نفسه: مركزٌ يعرف ويحكم، وأطرافٌ تُعرَف وتُحكَم.
وقد شخّص المفكر والدبلوماسي السوداني فرانسيس دينق (Francis Deng) هذه العلة في كتابه «حرب الرؤى: صراع الهويات في السودان» الصادر عام 1995 [34]، فرأى أن حروب السودان ليست حروبًا على الأرض والثروة فحسب، بل، هي حربٌ بين صورتين للسودان: صورة «عربية إسلامية» يتبناها المركز ويريد تعميمها، وصورة «أفريقية» تتمسك بها الأطراف، وأن الصورة الأولى تُنكر على أصحاب الثانية حقهم في تمثيل أنفسهم. ثم صدر عام 2000 «الكتاب الأسود: اختلال ميزان السلطة والثروة في السودان» دون أسماء مؤلفيه، فأحصى بالأرقام كيف احتكر أبناء الشمال النيلي المناصب العليا، فكان أشبه بـ«الاستشراق» الذي كتبه أهل دارفور عن المركز، أي ردّ الموصوف على واصفه بلغة الإحصاء.
والسوداني في هذه الحكاية يقف في موقعٍ فريد: فهو «موضوع» استشراقٍ عربي يراه أطرافًا هامشيةً للعروبة، وموضوع استشراقٍ أوروبي يراه أطرافًا لأفريقيا، ثم هو «صانع» استشراقٍ داخلي يرى أطراف بلده كما يراه الآخرون. فالاستشراق في السودان أشبه بالدمى الروسية المتداخلة، كل دميةٍ تشكو من الدمية التي تحتويها، ثم تحتوي هي دميةً أصغر لا تسمع شكواها.
دارفور والحرب على الإرهاب، الاستشراق في زمن الأقمار الصناعية
لم ينتهِ الاستشراق الغربي تجاه السودان بانتهاء الحكم الثنائي، بل، غيّر ثيابه كما تنبأ سعيد في أطروحته الحادية عشرة. ففي أغسطس 1993 أدرجت الولايات المتحدة السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي العشرين من أغسطس 1998 قصفت الصواريخ الأمريكية مصنع الشفاء للأدوية في مدينة الخرطوم بحري، بحجة أنه ينتج مكونات أسلحة كيميائية، وهي حجةٌ لم يقم عليها دليلٌ علني مقنع، بينما حُرم السودان من نسبةٍ كبيرة من إنتاجه الدوائي. فكانت «المعرفة» الاستخباراتية مرةً أخرى سابقةً على الفعل، ومبرّرةً له، وغير قابلةٍ للمراجعة، تمامًا كما كانت تقارير وينجت قبل قرن.
ثم جاءت حرب دارفور منذ عام 2003، فانقلب الأمر من التجاهل إلى الإفراط في التمثيل. فقد نشأت في الولايات المتحدة حملة «أنقذوا دارفور» (Save Darfur)، التي جمعت الملايين، وصوّرت الحرب صراعًا بسيطًا بين «عربٍ» قتلة و«أفارقة» ضحايا. وقد انتقد عالم السياسة الأوغندي محمود ممداني (Mahmood Mamdani)، زميل سعيد في جامعة كولومبيا، هذه الحملة في كتابه «المنقِذون والناجون: دارفور، والسياسة، والحرب على الإرهاب» الصادر عام 2009 [35]، فرأى أنها اختزلت صراعًا معقدًا على الأرض والمرعى والسلطة في ثنائيةٍ عرقية جاهزة، وأنها منحت الأمريكي دور «المنقِذ»، والدارفوري دور «الضحية» العاجزة التي لا صوت لها، والسوداني «العربي» دور الشرير، فلم يُسمح لأحدٍ من السودانيين بأن يكون فاعلًا سياسيًا يفهم حربه ويتفاوض عليها. وهي القسمة نفسها التي عرفها السودان أيام بيكر: نخّاسٌ يجب أن يُعاقَب، ورقيقٌ يجب أن يُنقَذ، وأوروبيٌّ أو أمريكيٌّ نبيل يقوم بالمهمتين.
ثم رُفع اسم السودان من قائمة الإرهاب في ديسمبر 2020، في صفقةٍ اقترنت بالتطبيع مع إسرائيل وبتعويضاتٍ دفعها السودان لضحايا تفجيراتٍ نفّذها تنظيم القاعدة، بحكم إيواء حكومةٍ سابقة لزعيمه أسامة بن لادن في التسعينيات، فصار البلد يدفع ثمن الصورة كما دفعه من قبل. ثم اندلعت الحرب في أبريل 2023، فانتقل السودان من الإفراط في التمثيل إلى الصمت المطبق، وصارت الصحافة العالمية تسميها «الحرب المنسية». والدرس السعيدي هنا أن الصمت نفسه تمثيل، فمن يقرر متى يُرى السودان ومتى يُنسى هو صاحب السلطة الحقيقية على صورته، والسودان، في الحالتين، لا يُستشار.
الدرس السوداني، أربع استنتاجات
تنتهي هذه القراءة السودانية إلى أربع استنتاجات. الاستنتاج الأول أن تاريخ السودان السياسي يقدم لأطروحة سعيد عن تلازم المعرفة والسلطة برهانًا أوضح مما قدمته مصر، لأن الذين كتبوا السودان صاروا حكّامه بأسمائهم وألقابهم، من بيكر، إلى غوردون، إلى وينجت، إلى سلاطين، إلى ماكمايكل. والاستنتاج الثاني أن «الجغرافيا المتخيَّلة» في السودان لم تبقَ خيالًا، بل، صارت قوانين، ثم حروبًا، ثم دولتين، فالخطاب الاستعماري لم يكتفِ بوصف التنوع السوداني، بل، أعاد صياغته في ثنائياتٍ ما زال السودانيون يتقاتلون حولها.
والاستنتاج الثالث أن السودانيين ليسوا ضحايا الاستشراق فحسب، بل، كانوا ممارسيه أيضًا، فالمركز الذي اشتكى من نظرة الغرب إليه نظر إلى أطرافه النظرة نفسها، وهذا هو «الاستشراق معكوسًا» في صورته السودانية. والاستنتاج الرابع أن الطريق إلى الخروج من هذه الدائرة لا يكون بإحلال صورةٍ سودانية مقدسة محل الصورة الأوروبية المشوّهة، وإنما بفتح الأرشيف لكل الأصوات: صوت المهدي وصوت أُروالدر، وصوت المركز وصوت الأطراف، وصوت الشمال وصوت الجنوب، ثم قراءتها جميعًا بالسؤال الذي علّمنا إياه سعيد: من يتكلم؟ وعمّن؟ وبأي سلطة؟ ومن الذي لم يُسمح له بالكلام؟
خاتمة، ماذا بقي من الكتاب؟
بعد ثمانيةٍ وأربعين عامًا على صدوره، يمكن القول إن «الاستشراق» كتابٌ أخطأ في تفاصيل كثيرة، وأصاب في سؤاله الأكبر. أخطأ حين جعل الاستشراق كتلةً واحدة من أسخيلوس إلى كيسنجر، وحين أغفل الألمان، وحين أسكت الشرق في كتابٍ يدافع عن حقه في الكلام، وحين قسا على علماء أفنوا أعمارهم في تحقيق مخطوطاتٍ ما زال الباحثون العرب أنفسهم يعتمدون على طبعاتها. وأصاب حين علّم قارئه أن الكتب ليست بريئة، وأن المعرفة قد تكون أداة حكم، وأن الصورة التي يرسمها القوي للضعيف كثيرًا ما تقول عن الرسام أكثر مما تقول عن المرسوم.
وقد عاش إدوارد سعيد «خارج المكان» طوال حياته، فلا هو مقبولٌ تمامًا في الغرب الذي علّمه، ولا في الشرق الذي دافع عنه، ثم مات في مدينة نيويورك، ودُفن رماده في المقبرة البروتستانتية بمدينة برمّانا في منطقة جبل لبنان، حيث تقيم أسرة زوجته مريم. ولم يكن ذلك لأن السلطات الإسرائيلية منعت دفنه في مدينة القدس، فلا تذكر المصادر طلبًا قُدّم في ذلك أو رُفض، وإنما لأن سعيدًا نفسه، كما روى صديقه الروائي اللبناني إلياس خوري، أوصى بأن يُدفن في أرضٍ عربية، واختار لبنان [36]. غير أن الاختيار نفسه يقول الكثير، فالقدس التي وُلد فيها صارت منذ عام 1948 مدينةً لا يملك فيها الفلسطيني المنفي بيتًا يعود إليه، وبيت الأسرة في حي الطالبية يسكنه غيرها. فظل سعيد خارج المكان حتى بعد رحيله، باختياره هذه المرة لا بقرار غيره. أما كتابه فقد وجد مكانه، لا في رفوف المكتبات فحسب، بل، في طريقة تفكير أجيالٍ بأكملها.
والوفاء لسعيد لا يكون بترديد اسمه كلما ضاق بنا نقد الآخرين، ولا برفع كتابه في وجه كل مستشرقٍ كما يُرفع الصليب في وجه مصاص الدماء. إنما يكون الوفاء بأن نقرأ تاريخنا، ومنه تاريخ السودان، بالعين الناقدة نفسها التي قرأ بها سعيد دفاتر واصفينا، فنسأل عن كل رواية: من كتبها؟ ولمن؟ وبأي سلطة؟ وعمّ سكتت؟ فإن فعلنا، نكون قد قرأنا الكتاب فعلًا، لا غلافه فقط.
المراجع
[1] Edward W. Said, Orientalism, New York: Pantheon Books, 1978.‎
[2] إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981.
[3] إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006.
[4] Edward W. Said, Out of Place: A Memoir, New York: Alfred A. Knopf, 1999.‎
[5] Timothy Brennan, Places of Mind: A Life of Edward Said, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2021.‎
[6] Edward W. Said, Culture and Imperialism, New York: Alfred A. Knopf, 1993.‎
[7] Wael B. Hallaq, Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge, New York: Columbia University Press, 2018.‎
[8] Bernard Lewis, “The Question of Orientalism,” The New York Review of Books, vol. 29, no. 11, New York, 24 June 1982, pp. 49–56.‎
‎https://www.nybooks.com/articles/1982/06/24/the-question-of-orientalism/‎
[9] Robert Irwin, For Lust of Knowing: The Orientalists and Their Enemies, London: Allen Lane, 2006.‎
[10] Sadik Jalal al-Azm, “Orientalism and Orientalism in Reverse,” Khamsin, no. 8, London, 1981.‎
‎https://libcom.org/library/orientalism-orientalism-reverse-sadik-jalal-al-%E2%80%99azm‎
[11] Aijaz Ahmad, In Theory: Classes, Nations, Literatures, London: Verso, 1992.‎
[12] Daniel Martin Varisco, Reading Orientalism: Said and the Unsaid, Seattle: University of Washington Press, 2007.‎
[13] Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972–1977, ed. Colin Gordon, New York: Pantheon Books, 1980.‎
[14] Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, ed. and trans. Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith, New York: International Publishers, 1971.‎
[15] Ibn Khaldun, The Muqaddimah: An Introduction to History, trans. Franz Rosenthal, 2nd ed., 3 vols., Princeton: Princeton University Press, 1967.‎
[16] Edward W. Said, “Orientalism, an Afterword,” Raritan: A Quarterly Review, vol. 14, no. 3, New Brunswick: Rutgers University, Winter 1995, pp. 32–59.‎
[17] Edward W. Said and Oleg Grabar, reply by Bernard Lewis, “Orientalism: An Exchange,” The New York Review of Books, vol. 29, no. 13, New York, 12 August 1982, pp. 44–46.‎
‎https://www.nybooks.com/articles/1982/08/12/orientalism-an-exchange/‎
[18] Bernard Lewis, “The Roots of Muslim Rage,” The Atlantic Monthly, vol. 266, no. 3, Boston, September 1990.‎
[19] Edward W. Said, “The Clash of Ignorance,” The Nation, New York, 22 October 2001.‎
[20] Malcolm H. Kerr, review of Orientalism by Edward W. Said, International Journal of Middle East Studies, vol. 12, no. 4, Cambridge: Cambridge University Press, December 1980, pp. 544–547.‎
[21] Anouar Abdel-Malek, “L’orientalisme en crise,” Diogène, no. 44, Paris: Gallimard, 1963.‎
[22] Edward W. Said, “Orientalism Reconsidered,” Cultural Critique, no. 1, Minneapolis: University of Minnesota Press, Autumn 1985, pp. 89–107.‎
[23] Wikipedia contributors, “Sahara,” Wikipedia, The Free Encyclopedia, San Francisco: Wikimedia Foundation, accessed 12 October 2026.‎
‎https://en.wikipedia.org/wiki/Sahara‎
[24] F. R. Wingate, Mahdiism and the Egyptian Sudan, London: Macmillan and Co., 1891.‎
[25] Joseph Ohrwalder, Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892, from the Original Manuscripts of Father Joseph Ohrwalder, ed. and trans. F. R. Wingate, London: Sampson Low, Marston and Company, 1892.‎
[26] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan, trans. F. R. Wingate, London: Edward Arnold, 1896.‎
[27] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, 2 vols., London: Longmans, Green and Co., 1899.‎
[28] H. A. MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vols., Cambridge: Cambridge University Press, 1922.‎
[29] E. E. Evans-Pritchard, The Nuer: A Description of the Modes of Livelihood and Political Institutions of a Nilotic People, Oxford: Clarendon Press, 1940.‎
[30] Talal Asad (ed.), Anthropology and the Colonial Encounter, London: Ithaca Press, 1973.‎
[31] Helen Chapin Metz (ed.), Sudan: A Country Study, Washington, D.C.: Federal Research Division, Library of Congress, 1992.‎
‎https://countrystudies.us/sudan/16.htm‎
[32] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898, Oxford: Clarendon Press, 1958.‎
[33] الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال، بيروت: دار العودة، 1966.
[34] Francis M. Deng, War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan, Washington, D.C.: The Brookings Institution, 1995.‎
[35] Mahmood Mamdani, Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror, New York: Pantheon Books, 2009.‎
[36] Al Jazeera, “Edward Said to be buried in Lebanon,” Doha, 2 October 2003.‎
‎https://www.aljazeera.com/news/2003/10/2/edward-said-to-be-buried-in-lebanon‎

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

السبب شنو؟ .. بقلم: فيصل بسمة
الأخبار
في بيان أصدره: الجيش المصري يقر بارتكابه مجزرة بحق المعدّنين السودانيين
رسالة إلى الأخ القائد محمد حمدان دقلو .. بقلم: قمر حسن الطاهر
منبر الرأي
العلمانية والدين .. بقلم: د.آمل الكردفاني
منبر الرأي
بلابيس أمريكا !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

…. وشلة التطبيع !! .. بقلم: خالد التيجاني النور

خالد التيجاني النور
منبر الرأي

المحيط الآسن .. بقلم: د. على حمد إبراهيم

د. على حمد إبراهيم
منبر الرأي

الاتفاق حول النفط حلقة جديدة في أزمة النظام .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

فزع المعارضة ونيران الحكومة … بقلم: إبراهيم سليمان/ لندن

إبراهيم سليمان
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss