في هذا العالم الذي يتزيّن بالأرقام والمؤشرات والأسواق الحرة، نكتشف حين ننزع الأقنعة أننا متورطون في دورة من الديون، لا تنتهي ولا تهدأ. كل شيء بات يُشترى، حتى الهواء يكاد يُقنن، والكل، حرفيًا، يتدين من الكل: الدولة تغرق في الديون، فتطرح سندات يشتريها البنك المركزي، أو تُحملها للمصارف، لتعيد تدوير العجز وتؤجل السقوط، والمواطن يستدين من البنك، والموظف يستدين من تاجر البقالة، والتاجر بدوره يتدين من السوق. أما السوق… فينتظر أوهام “النمو”.
إنه وهمٌ متقن الصنعة. نسجته الرأسمالية بخيوط لا تُرى لكنها قوية كالفولاذ، حتى أصبحنا لا نرى فيه إلا الحتمية. فالرأسمالية لا تقدّم لك حلاً، بل تبيعك حلاً مؤقتًا بفائدة، وتدعوك للاحتفال به كإنجاز. تُقنعك أنك حرٌّ طالما يمكنك شراء ما تشاء، لكنها لا تخبرك أن ثمن ما تشاء هو عمرك، صحتك، وربما كرامتك!
لا يمكننا إغفال أن في صلب النظام الرأسمالي يكمن الجشع الإنساني، ذلك الدافع المفرط نحو التملك والربح على حساب الآخرين، وهو الخطر الحقيقي الذي يجب الانتباه له كي لا يستمر المجتمع في دوامة الظلم، بل يتحول تدريجيًا إلى مجتمع أكثر عدالة ومساواة.
فكرة الاقتصاد الإسلامي، التي تروج كبديل، هي في جوهرها وهم آخر من أوهام النظام الرأسمالي؛ فهو اقتصاد رأسمالي يتبع الخصخصة ويستمر في تحريك عجلة السوق بذات المنطق، ولا يعدو كونه إسلاميًا بالاسم فقط، أما المفعول فالواقع يحمل الكثير من سلبيات النظام الرأسمالي نفسه. نرى أمثلة واضحة في دول تدّعي الاقتصاد الإسلامي كنموذج، لكنها لا تخرج عن دائرة تناقضاتها الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها بسبب ذات المبادئ الرأسمالية.
لست اقتصاديًا. لا أملك خلفية تخصصية تُمكنني من الإتيان بنماذج رياضية أو تحليلات نقدية معقدة. لكنها نظرة… نظرة من داخل واقع أعيشه وتعيشه أنت، ليست تأصيلًا علميًا، بل محاولة لالتقاط الأنفاس في عالم يكاد يخنقنا بحساباته وأرباحه وضرائبه. فإن أخطأت، فلي عذر من صدق النية، وإن أصبت، فلعله الصدق وحده يكشف شيئًا من الموارب.
يُقال لنا إن لا بديل. وكأن الاشتراكية كانت رجسًا من عمل الشيطان. لكن الاشتراكية – وإن خانتها بعض التجارب – ليست لعنة. بل فكرة، كباقي الأفكار، يمكن تهذيبها، صقلها، وتجديدها. نعم، أخفقت حينًا بفعل الاستبداد والبيروقراطية والفساد، كما حصل في الاتحاد السوفيتي. لكن لا يجوز أن نحاكم فكرة بمجرد تجربة مشوهة. هل نرفض مفهوم العدل لأن قاضيًا ظَلَم؟ أم نترك الماء لأنه غرق به أحدهم؟
ولمن لديهم حساسية من كلمة “الاشتراكية”، أقول: لسنا أسرى للمصطلحات. إن كان في الاسم ما يُنفر، فليُسمَّ النظام كما تشاؤون. ليس الجوهر في التسمية، بل في المضمون. نحن لا ندعو لعبادة لفظ، بل لفهم غاية: عدالة اجتماعية لا يحكمها الجشع، واقتصاد يخدم الإنسان لا العكس. إن كان لا بد من الاسم، فليكن: “نظام الرحمة”، أو “العدل الجماعي”، أو حتى “الضمير الاقتصادي”. المهم أن نكسر هذا القيد الخفي الذي يربط بقاءنا بجشع الأقلية، ونسعى نحو عالم لا تكون فيه القيمة العليا للربح، بل للكرامة.
للدول الإفريقية خصوصية في هذا الحديث. إنها قارّة ثرية بالموارد، فقيرة بالإرادة السياسية، مختطفة من نخب محلية ودولية تجيد الرقص على حبال الرأسمالية. لن تخرج إفريقيا من دائرة التبعية إلا إن امتلكت شجاعة التفكير خارج صندوق البنك الدولي وصندوق النقد. ولن تكون هناك سيادة ما دام القرار الاقتصادي مرهونًا بتقارير خارجية وبضغوط خفية.
الاشتراكية التي نحلم بها ليست نسخة خشبية من كتاب قديم، بل نظام ينهض من تحت ركامنا، يُبنى ببطء، بوعي، بتضحيات. لا أوهام هنا. نعم، سيتألم البعض، وسيتعب الجميع. لكن أليس الألم المتولد من البناء، أنبل من الاستسلام للألم المزمن الذي تسببه الرأسمالية!؟ ليست بدعوة إلى ثورة أو شعارات جوفاء، بل دعوة إلى تفكير جديد، إلى إعادة تعريف مفاهيم النجاح والربح والخسارة. أن نعيد للاقتصاد روحه الأخلاقية.
لكن لئلا نكرر مأساة التجارب الماضية، فإن الاشتراكية الجديدة يجب أن تكون محصنة ضد الفساد، شفافة، خاضعة للرقابة الشعبية لا لسلطة الحزب الواحد. اقتصاد لا يقدّس الدولة ولكن يجعلها خادمة للناس، لا سيدة عليهم. الحل لا في سحق السوق، بل في تقويمه. لا في مصادرة الملكية، بل في ضبطها بأخلاق الجماعة.
وفي خضم هذا كله، ثمة شيء يجب ألا ننساه: الصراع ليس فقط في الخارج. في داخل كلٍّ منّا صراع خفي، ربما لا نسميه، لكنه حاضر. نحس به حين نكتئب بلا سبب، حين نُرهَق رغم أننا لم نعمل شيئًا، حين نشعر بالفراغ رغم تكدّس الأشياء. ذلك الصراع هو رفض أرواحنا لهذا النظام الخانق الذي يبيعك حياتك بالتقسيط.
فلنصغِ إلى هذا الصوت الداخلي. إنّه نداء قد لا يكون صاخبًا، لكنه صادق. وإن لم نستطع تغيير العالم بين يومٍ وليلة، فيمكننا على الأقل أن نبدأ بزرع فكرة. نغرس قناعة. نربي أبناءنا على رؤية أخرى. من البيت تبدأ القصة، إلى المدرسة، إلى الفكرة التي قد تنمو لتُثمر في زمنٍ قادم. نحن زائلون، لا ريب، لكن لا يليق بنا أن نرحل ونترك من بعدنا الاختناق نفسه، الخيارات نفسها، والديون نفسها.
في نهاية الأمر، نعم… نحن في دار ابتلاء. ولسنا مطالبين بتشييد جناتٍ على الأرض، فالجنة الموعودة في الآخرة، لمن كتب الله له النجاة. لكننا مستخلفون، وهذا الاستخلاف مسؤولية. أن تُصلح، أن تزرع، أن تبني، ولو بحجر واحد في جدار العدل. فالله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، ووسعنا – مهما ضاق – يتسع لبذرة أمل، ولفكرة مقاومة، ولحلم لا يختنق داخل هوامش النظام الرأسمالي.
أ. محمد صلاح الدين / محامي
awouda_88@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم