د. نازك حامد الهاشمي
لم تكن إفريقيا قبل دخول القوى الاستعمارية الأوروبية أرضاً خالية من الأنظمة الاقتصادية، بل كانت قارة نابضة بالتنوع، يختلف فيها النشاط الاقتصادي بين مناطق الساحل والصحراء وشرق إفريقيا ووادي النيل. وفي شمال شرق القارة، حيث يقع السودان، ظهر نموذج اقتصادي متعدد يقوم على الزراعة النهرية على ضفاف النيل، والرعي المتنقل في الأقاليم الغربية والجنوبية، والتجارة العابرة للصحراء التي ربطت البحر الأحمر بوسط إفريقيا ووادي النيل. كما تميزت تلك المنطقة بوجود نظم سلطوية قديمة اعتمدت على الضرائب والجباية مقابل الحماية وتنظيم شؤون المجتمعات.
لقد كان السودان في تلك الفترات جزءاً من مراكز حضارية عريقة مثل كوش ومروي وسنار ودارفور. وارتكز اقتصاد سكانه على زراعة الحبوب والصمغ العربي واستغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب نشاط تجاري واسع يتجاوز الحدود المحلية، حيث تنقل القوافل الذهب وريش النعام والجلود والصمغ العربي إلى أسواق تمتد من مصر والحبشة وحتى غرب إفريقيا. وفي المقابل، أدى الرعي والإنتاج الحيواني دوراً جوهرياً في تشكيل حركة المجتمعات وتنظيمها الاجتماعي، ما أوجد توازناً بين أنماط عيش زراعية وأخرى رعوية. ويمكن القول بإن الاقتصاد التقليدي في تلك المرحلة كان يتمتع بقدر من الاستقلالية، إذ لم يكن مرتبطًا ارتباطاً مباشراً بالأسواق العالمية ولا موجّهاً لخدمة قوة خارجية، بل كان قائماً على الاكتفاء الذاتي والاستدامة والتبادل الإقليمي المتوازن.
ومع خضوع البلاد للحكم التركي– المصري في القرن التاسع عشر، بدأ الاقتصاد السوداني يشهد تحولات أولية نحو مركزية الدولة. فقد فرض ذلك الحكم الضرائب بشكل منظم، ووضع ضوابط على تجارة العاج والصمغ العربي، وظهرت مشاريع زراعية صغيرة مرتبطة باحتياجات الخزانة المصرية في تلك الفترة. ومع ذلك، ظل الاقتصاد هشًا، لأن الدولة حينها لم تمتلك مؤسسات اقتصادية كفؤة قادرة على تحقيق نقلة حقيقية في الإنتاج أو في البنية الاقتصادية.
وشهد السودان خلال فترة حكم المهدية بين عامي 1881م -1898م تراجعًا اقتصاديًا واضحًا نتيجة الظروف العسكرية والسياسية التي صاحبت قيام الدولة. فقد ضعفت حركة التجارة الداخلية والخارجية بسبب انقطاع الطرق وغياب الاستقرار، مما أدى إلى نقص السلع وارتفاع أسعارها. كما تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة الحروب ونقص العمالة، وازدادت الأوضاع سوءًا مع وقوع المجاعات، أبرزها مجاعة سنة 1306هجري، الموافق للعام 1888\1889م. وفي تلك الفترة تغيّر النظام النقدي عندما أصدر المهدي عملات سودانية خالصة، تتكون من الجنيه الذهبي، والريال الفضي، ونصف الريال الفضي، وتواصل التعامل بالريال المجيدي وأصدر الخليفة عبد الله عملات قماشية (دمور)، ثم إصدار عملة “المقبولة”. إلا أن الناس فقدوا الثقة في تلك العملات المحلية وانتشرت المقايضة. ومع تركيز الدولة على المجهود الحربي واستنزاف الموارد، انكمش الاقتصاد وتدهورت الأوضاع المعيشية في مختلف أنحاء البلاد (للمزيد عن الاقتصاد في عهد المهدية يمكن النظر في كتاب “السياسة الاقتصادية للدولة المهدية” لدكتور محمد سعيد القدال).
أما مرحلة الحكم الثنائي الإنجليزي– المصري فقد أحدثت تغييراً أعمق في طبيعة الاقتصاد السوداني. ولم يكن هدف الاستعمار البريطاني تطوير السودان لمصلحة سكانه فقط، بل عمل على إعادة تشكيل اقتصاد السودان ليغدو جزءاً من شبكة مصالح الإمبراطورية، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير المواد الخام اللازمة لصناعاتها. لذلك ركزت الإدارة البريطانية الاستعمارية على إنتاج القطن طويل التيلة لتغذية مصانع النسيج في لانكشير. ومن أجل ذلك أنشأت مشروعات زراعية ضخمة كان أهمها مشروع الجزيرة الذي اعتمد على بناء سد سنار وشبكات ري هندسية متقنة. وشكّل هذا المشروع نقطة تحول كبيرة، فهو لم يكن مجرد خطة لزراعة القطن، بل نظامًا زراعيًا وإداريًا جديدًا أوجد طبقة من المزارعين، وأدخل تقنيات في الإدارة والهندسة الزراعية لم تكن مألوفة في المنطقة من قبل.
ولخدمة تلك الغايات، شيدت بريطانيا شبكة واسعة من السكك الحديدية والطرق والموانئ، ليس بهدف تنمية السودان داخلياً، بل لربط مناطق الإنتاج الزراعي بمنافذ التصدير. ورغم هذا الهدف الاستعماري الواضح، إلا أن هذه البنية التحتية أسهمت مع مرور الوقت بفعالية شديدة في تغيير شكل الحركة الاقتصادية داخل السودان، وأصبحت أساساً متيناً لنشوء مراكز حضرية وتجارية جديدة، كما سهّلت انتقال السكان والبضائع بين مناطق البلاد المتباعدة.
إلى جانب ذلك، أدخلت الإدارة البريطانية الاستعمارية قواعد جديدة في التنظيم المالي والإداري، من مسح الأراضي وتسجيلها إلى إنشاء مدارس ومستشفيات ومكاتب حكومية. ورغم أن هذه المؤسسات صُممت بالأساس لضمان السيطرة على السكان وتسهيل عملية الجباية والإدارة، فإنها شكّلت بالفعل نواةً لبناء جهاز بيروقراطي حديث نسبياً، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الدولة المركزية القادرة على إدارة الموارد وتنظيم المجتمع.
وعند النظر الكلي إلى المشهد الاقتصادي ككل، يتضح أن السودان قبيل الاستعمار كان يعتمد على اقتصاد محلي متنوع يخدم حاجات السكان إلى حد ما، فيما أدى دخول الحكم الثنائي إلى تحويل هذا الاقتصاد إلى نظام موجّه نحو إنتاج المواد الخام للتصدير، لا سيما القطن. ومع مرور الزمن، أصبح السودان مرتبطاً بأسواق عالمية ولا يملك التحكم فيها، وورث بعد الاستقلال اقتصاداً يعوزه التنوع، وبنية تحتية مصممة لخدمة التصدير عوضاً عن التنمية المتوازنة؛ وهذا أمر ما جعل البلاد عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية العالمية. بهذا يتبين أن الاقتصاد السوداني انتقل من استقلالية محلية وتنوع طبيعي في الموارد وأنماط الإنتاج، إلى اقتصاد يخضع لتوجيه خارجي، وتشكّل وفق حاجات الإمبراطورية البريطانية أكثر من حاجات المجتمع السوداني. ورغم ما خلفه الاستعمار من بنية تحتية وأنماط إدارية حديثة، فإنه ترك كذلك إرثًا من الاختلالات الاقتصادية التي استمرت آثارها في فترة ما بعد الاستقلال.
عند نيل السودان لاستقلاله عام 1956م، وجد نفسه أمام اقتصاد حديث جزئياً لكنه غير متوازن، يقوم على زراعة القطن بشكل أساسي، وعلى بنية تحتية أنشأها الاستعمار لخدمة مناطق محددة دون غيرها. ورغم هذا الخلل، امتلك السودان مشروع الجزيرة وشبكات النقل والاتصال والإدارة الحديثة، وهي عناصر كان يمكن أن تشكل أساساً قوياً لتنمية وطنية حقيقية لو وُضعت لها سياسات رشيدة. غير أن السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال شهدت غياب رؤية اقتصادية طويلة المدى، وعجزًا عن تنويع الإنتاج أو تحويل البنية الزراعية إلى قاعدة للتصنيع. وزادت الاضطرابات السياسية وتغيّر الحكومات من هشاشة الاقتصاد وجعلته عرضةً لتقلبات الأسواق العالمية. ومع تدهور المعيشة واحتكار القرار السياسي، تصاعد الغضب الشعبي وصولاً إلى ثورة أكتوبر 1964م التي عبّرت – في جزء من طموحاتها – عن رغبة المجتمع في تغيير المسار الاقتصادي والسياسي بالبلاد، إلا أن حالة عدم الاستقرار حالت دون وضع سياسات تنموية حقيقية.
ومع مجيء نظام مايو عام 1969م اتخذ الاقتصاد منحى مختلفاً، إذ توسع دور الدولة في الاقتصاد بصورة مفرطة من خلال المصادرات والتأميم و”الاشتراكية” الاقتصادية، فأنشأت الدولة مؤسسات عامة كبيرة وحاولت بناء قطاع صناعي مملوك للدولة، وأطلقت – دون كبير تدبر – مشاريع إنمائية في الريف. وبرغم بعض النجاحات الجزئية في تلك الإجراءات، فإن ضعف الإدارة وقلة الكفاءة وتضخم الجهاز الحكومي أفضى إلى إنهاك الدولة وارتفاع المديونية، وظل الاقتصاد معتمداً بصورة أساسية على الزراعة من دون تحول صناعي فعلي. ومع سقوط نظام مايو ودخول البلاد في فترة ديمقراطية قصيرة قبل مجيء حكم الإنقاذ، بقي الاقتصاد في حالة اضطراب وتخبط دون قدرة على معالجة جذوره، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة مع قدوم حكومة الإنقاذ، وهي الفترة التي اتسمت بتحولات اقتصادية كبيرة تركت أثراً عميقاً على الاقتصاد السوداني.
جاءت حكومة الإنقاذ عام 1989م في ظل أزمة اقتصادية خانقة، فاتجهت إلى تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي ورفع الدعم وتقليص دور القطاع العام، وفتحت الباب للاستثمار الخاص والأجنبي، مع إعادة صياغة الهياكل المالية للدولة. ومع اكتشاف النفط وتصديره في أواخر التسعينيات، تحوّل الاقتصاد السوداني فجأة إلى اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على النفط عوضاً من الزراعة. وأدى تدفق عائدات النفط إلى توسيع الإنفاق الحكومي ونمو سريع في بعض القطاعات، لكن هذه الطفرة لم تُستغل في بناء قاعدة إنتاجية متنوعة، بل عززت اعتماد الدولة على مورد واحد، تماماً كما حدث مع القطن من قبل. كما رافقت هذه المرحلة توسعات كبيرة في القطاع الأمني والعسكري، وتفاقم الصراعات الداخلية، وفرض العقوبات الاقتصادية، وهي عوامل حدّت من قدرة الدولة على الاستفادة القصوى من مواردها.
وبينما شهدت بعض المناطق في البلاد بعض مشاريع البنية التحتية والتنمية العمرانية، ظل الاقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية عميقة. وبدلًا من أن تُستخدم عائدات النفط في تحديث الزراعة أو الصناعة أو دعم التعليم والصحة، تركّز الإنفاق على أجهزة الدولة، وعلى مشروعات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في القاعدة الإنتاجية. ومع انفصال جنوب السودان عام 2011م، فقد السودان نحو ثلاثة أرباع موارده النفطية دفعة واحدة، فعاد الاقتصاد سريعاً إلى أزماته القديمة التي كشفت هشاشة النمو الذي اعتمد على النفط دون غيره. واتجهت الدولة إلى تعويض الفاقد عبر الذهب والتعدين الأهلي، مما جعل الاقتصاد يعتمد مرة أخرى على مورد واحد جديد، لكنه هذه المرة أكثر تذبذباً، وأقل قدرة على خلق التنمية.
وتُظهر هذه المسيرة الطويلة أن الاقتصاد السوداني كان طوال تاريخه الحديث عرضة لتنميط سياسي مستمر، يتبدل بتبدل الأنظمة. فالحكم الاستعماري شكّل الاقتصاد حول القطن، وفترة ما بعد الاستقلال عجزت عن التنويع، ومايو فرضت عمليات المصادرة والتأميم (باسم الاشتراكية)، ثم جاءت الإنقاذ بسياسات التحرير والاعتماد على النفط. وفي كل مرحلة تغيّرت الأدوات والسياسات، لكن بقي القاسم المشترك هو غياب رؤية وطنية مستقرة قادرة على بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتحويل الموارد إلى مشاريع إنتاجية حقيقية تخدم المجتمع لا السلطة. ومن خلال هذا التاريخ المتقلب، يتضح جلياً أن الاقتصاد السوداني ظل يتأثر مباشرةً بالتحولات السياسية، وأن غياب الاستقرار وتكرار النماذج الأحادية في الإنتاج جعله بالغ الهشاشة أمام الأزمات الداخلية والخارجية، وعاجز عن تحقيق تنمية طويلة الأمد تتجاوز التقلبات والضغوط المتراكمة.
يقدّم صامويل ديكالو في كتابه «أفريقيا: العقود المفقودة» Africa, the Lost Decades، الصادر عن دار نشر Florida Academic Press عام 2012، قراءة نقدية لمسار عدد كبير من الدول الإفريقية منذ السبعينات وحتى بداية التسعينات، وهي فترة يعتبرها الكاتب عقوداً ضائعة من حيث التنمية وبناء الدولة. ينطلق ديكالو من حقيقة أن معظم الدول الإفريقية خرجت من الاستعمار بآمال واسعة في التحديث، غير أن تلك الآمال تراجعت سريعاً مع ترسخ الحكم السلطوي وسيادة شبكات المحسوبية القبلية التي حلت محل المؤسسات الرسمية، فتحولت أجهزة الدولة إلى أدوات للولاء عوضاً عن الكفاءة. ويرى أن الانقلابات العسكرية والأنظمة الاستبدادية مثلت الدور الأكبر في إجهاض أي مسار ديمقراطي، إذ احتكرت النخب الحاكمة السلطة والثروة، وأقصت المعارضة، ما أدى إلى فقدان شرعية الحكم واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. ويشير كذلك إلى أن التراجع الاقتصادي — من انهيار أسعار السلع الأساسية واتساع الديون وتراجع الإنتاج — فاقم الأزمة، بينما حالت شبكات الفساد وضعف البنية المؤسسية دون استثمار المساعدات التنموية بشكل فعّال. ويؤكد ديكالو أن الإشكالية ليست خارجية فحسب، بل داخلية بالأساس، إذ تعاملت النخب مع الدولة بحسبانها غنيمة وليست مشروعاً وطنيا، فضعفت الهوية الجامعة وتصاعدت الانقسامات القبلية والجهوية، الأمر الذي جعل بناء الدولة الحديثة أشد صعوبةً. ويرفض الكاتب التفاؤل الذي رافق الموجة الديمقراطية في مطلع التسعينيات، مبيناً أن الكثير من تلك التحولات كانت سطحية للغاية، حافظت فيها الدول على آليات الحكم القديم تحت غطاء التعددية الشكلية، وهي ما أسماه الكاتب «ديمقراطية بلا مؤسسات». وتعكس هذه الصورة واقعًا شبيهًا بما شهدته دول إفريقية عديدة، حيث تكررت أنماط الحكم شبكات الولاء السياسي، وضعف مؤسسات الدولة، وهشاشة الاقتصاد، وغياب مشروع وطني جامع، بما جعل عقود ما بعد الاستقلال أقرب إلى فرص ضائعة في مسار التنمية وبناء الدولة.
بينما ترى جينيفر ويدنر في كتابها «التغيّر الاقتصادي والانفتاح السياسي في إفريقيا» Economic Change and Political Liberalization in Africa (الصادر عن جامعة جون هوبكنز عام 1994م) أن التحول السياسي خلال الثمانينات والتسعينات لم يكن انتقالاً طبيعياً نحو الديمقراطية، بل نتيجة مباشرة لاهتزاز الأساس الاقتصادي الذي كانت تقوم عليه الدولة الإفريقية بعد الاستقلال. فقد واجهت أغلب الدول ركوداً اقتصادياً حاداً وتراجعاً كبيراً في أسعار السلع التصديرية وتضمماً في الديون الخارجية، الأمر الذي حد من قدرة الحكومات على الإنفاق العام وعلى شراء الولاءات أو إدارة شبكات الولاء السياسي التي كانت تستند إليها للبقاء في السلطة. ومع انحسار هذه القدرة، انكشفت هشاشة شرعية الأنظمة، ولم تعد الحكومات قادرةً على فرض سيطرتها كما كانت تفعل في عقود ما بعد الاستقلال، فاضطرت إلى تقديم تنازلات وفتح المجال العام ولو بحدود ضيقة. وفي هذا السياق، جاءت برامج التكيّف الهيكلي التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ دفعت نحو تقليص دور الدولة وتعزيز الشفافية وتوسيع دور المجتمع المدني، ما خلق مساحة جديدة للقوى الاجتماعية التي كانت مقموعة سابقاً، مثل النقابات والطلاب والمؤسسات الدينية ومنظمات حقوق الإنسان، لتتحول إلى محركات رئيسية للضغط السياسي. ومع ذلك، لم تكن نتائج هذه التحولات متشابهة؛ فبينما استطاعت دول مثل غانا وبنين وملاوي تحويل الأزمات الاقتصادية إلى مدخل لإصلاحات سياسية حقيقية، اكتفت دول أخرى، مثل كينيا وزائير ونيجيريا، بإصلاحات تجميلية أبقت على بنية الاستبداد تحت مظاهر تعددية شكلية. وتخلص ويدنر إلى أن ضعف الدولة اقتصادياً لا يؤدي بالضرورة إلى ديمقراطية، بل قد يفتح الباب للفوضى أو يعيد إنتاج الأنظمة السلطوية بصيغ جديدة، ما يجعل مسار التحول في إفريقيا مركبًا وغير خطي، يتحدد بمدى تفاعل الأزمات الاقتصادية مع طبيعة النخب السياسية وقدرة المجتمع على التنظيم والضغط.
نختم القول بأن النموذج الإفريقي الذي تناوله الباحثون مثل ديكالو وويدنر قد يمثل إطاراً مفيداً لفهم ما جرى في السودان أيضاً، إذ مرّ هذا البلد بمسار مشابه من الهيمنة الزراعية، وضعف المؤسسات، وتقلبات الحكم، وتضارب السياسات الاقتصادية بين الانفتاح والانغلاق، وبين محاولات الإصلاح وإعادة إنتاج الأزمات. وتظهر التجربة السودانية بوضوح أن غياب الرؤية بعيدة المدى، والاعتماد المفرط على مورد واحد، وهيمنة القوى السياسية على مؤسسات الدولة، كانت كلها عوامل أسهمت في إهدار عقود كاملة من التنمية، تماماً كما حدث في أجزاء أخرى واسعة من إفريقيا خلال العقود الموصوفة بأنها مفقودة. ومن هنا تأتي أهمية دراسة التطور التاريخي للاقتصاد السوداني ليس كمسار ماضٍ فحسب، بل كأداة لفهم جذور الخلل الاقتصادي، والتعرف على نقاط الضعف البنيوية، والتمييز بين ما كان نتيجة ظروف خارجية وما كان ناتجًا عن سوء الإدارة الداخلية. إن استيعاب هذا التاريخ بشكل نقدي يساعد الأجيال القادمة على تجنب تكرار الأخطاء، وعلى بناء سياسات اقتصادية أكثر توازنًا، تستند إلى التنويع والإدارة الرشيدة، وتستفيد من التجارب الإفريقية في كيفية تجاوز العقود الضائعة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
www.drnazikelhashmi.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم