التطبيق العملي الحي لكل ما كنا نناقشه حول أطروحات بيير بورديو (إعادة الإنتاج، رأس المال الثقافي، والتفاوت الطبقي)، ولكنه مصوغ هنا بدماء ومسارات الواقع السوداني الراهن عقب نتائج شهادة 2026 (التي تمثل أول شهادة تُعقد في ظروف الحرب والشتات).
الملاحظات الثلاث التي سجلناها لا تقف عند حدود “التهنئة بالنجاح”، بل تشرح تفكك وانزياح الهياكل الاجتماعية في السودان عبر الزوايا التالية:
- “هابيتوس الأسرة” وتوارث رأس المال الثقافي
حالة الطالبة الأولى وشقيقتها (الأولى في 2021 والثانية في 2026، ووالدهما ضابط برتبة عميد):
التراكم العائلي لرأس المال الثقافي: بورديو يشرح أن التفوق الأكاديمي ليس “شعلة عبقرية هبطت من السماء فجأة”، بل هو استثمار عائلي طويل الأمد. وجود شقيقة سابقة في قمة الشهادة يعني أن البيت يمتلك “شفرة النجاح” (Educational Codes)؛ من تنظيم الوقت، جودة البيئة الضاغطة، وارتفاع السقف التوقعي للأسرة.
رأس المال الاجتماعي والرمزي للمؤسسة العسكرية: موقع الأب (عميد بالجيش) يوفر للأسرة استقراراً مؤسسياً، وشبكة أمان، ورأس مال رمزي حاسم يمنح الأبناء الحماية والدعم والتفرغ التام للتحصيل، حتى في أوقات الأزمات والحروب التي تعصف ببقية الأسر. - النزوح في مصر والسعودية: “نزوح الطبقة المقتدرة” واحتكار فرص الاستمرار
تركز معظم المائة الأوائل بين الطلاب المقيمين في مصر والسعودية هو التجسيد النصي لمفهوم “التفاوت المادي كشرط للتحصيل الثقافي”:
القدرة على النزوح المالي: مع اندلاع حرب 2023، لم تكن الهجرة والنزوح الخارجي خياراً متاحاً للجميع؛ بل كانت حكراً على الطبقات التي تملك رأس مال اقتصادي وسيطرة مالية تُمكنها من تحمل تكاليف السفر، استخراج إقامات، وتأمين السكن والمعيشة في القاهرة أو الرياض أو غيرهما.
استمرار العملية التعليمية للمقتدرين: بينما توقفت حياة ملايين الطلاب في الداخل (في ولايات الخرطوم، الجزيرة، ودارفور) وغرقوا في صراع البقاء أو التهديد الأمني، تمكن أبناء الطبقة التي نزحت إلى الخارج من تأمين مقاعد في المدارس الخاصة، وتأمين الدروس والمدرسين، واستقرار البيئة النفسية والمادية؛ فكانت النتيجة الطبيعية هي احتكارهم للقمة إحصائياً. - اندحار “المدارس الحكومية النموذجية”: تجريف الرمز الأخير للعدالة
غياب المدارس الحكومية النموذجية التاريخية (مثل بشير جبه، النموذجيات بالخرطوم وأم درمان، وود مدني) عن الصدارة:
تفكك الكتلة الصلبة: كانت المدارس النموذجية تشكل “المصعد الاجتماعي” لأبناء الطبقة الوسطى والفقيرة؛ حيث يجتمع فيها الذكاء الفردي بدعم الدولة. الحرب أدت إلى شتات الأساتذة المميزين وتفرق الطلاب في المنافي واللجوء، وتدمرت بنيتها التحتية، مما أخرجها كلياً من المنافسة.
الخصخصة والشتات بدائل حتمية: المدارس التي حصدت المراكز اليوم هي إما مراكز خاصة تأسست في دول اللجوء، أو مدارس استثمارية استوعبت الكوادر والطلاب القادرين على الدفع؛ مما يعني أن التعليم في السودان قطع الشوط الأخير نحو “الخصخصة الطبقية الكاملة”.
الخلاصة
لقد أثبتت نتائج هذه الدفعة أن “الحرب لم تساوِ بين السودانيين، بل عمقت الفوارق الطبقية”.
إن نتائج شهادة 2026 تعلن رسمياً أن التفوق الأكاديمي لم يعد متاحاً بـ “الاجتهاد الفردي في مدرسة حكومية” كما كان الحال في أم درمان الستينيات والسبعينيات، بل أصبح مرهوناً بالقدرة على الهروب من جحيم الحرب، وامتلاك رأس مال أسري واقتصادي يجيد توفير البيئة البديلة في المنافي.
عبداللطيف حسن علي
