في زمان قد تقادم كان عندنا لجنة الإختيار للخدمة العامة يتقدم إليها طالبو الوظيفة وبعد فحص مستنداتهم يستدعون للدخول في مقابلات يجريها مختصون للتأكد من ان المرشح قد لبي كافة احتياجات المهنة المراد له مزاولتها ويتم اخطاره بالنتيجة ويتوجه الي مكان عمله ويوقع العقد ويصبح من العاملين المعتمدين في الدائرة الحكومية التي اطمأنت تماماً لمؤهلاته ولو كانت الوظيفة بالغة الأهمية أو علمية بحتة فلابد ان يكون من قبيلة التكنوقراط ولا يكفي ان كان طبيباً ان يؤدي فقط قسم ( ابو قراط ) !!..
هذا التشديد في الاختيار لموظف الخدمة العامة كان المقصود منه ان لا يتسرب لدولاب العمل ضعاف الشخصية ، قليلو التأهيل ، عديمو الاخلاق … وذلك محافظة علي بريق الخدمة المدنية التي أسسها البريطانيون وخلفوها وراءهم أمانة في عنق الحكام من أبناء الوطن بعد نيل الاستقلال !!..
وان كان القطاع الحكومي لا يتساهل في إختيار العناصر الصلبة للعمل في دواوينه ومشاريعه المتنوعة نجد القطاع الخاص أكثر تشددا في انتقاء منسوبيه ولا يقف معهم عند هذا الحد بل يتعهدهم بالصقل والتدريب في أثناء الخدمة في مراكز متخصصة داخليا وبارسالهم في بعثات بالخارج واجزال العطاء لهم بمرتبات سخية وحوافز يسيل لها اللعاب وبدلات وسكن ومواصلات وكثير منهم تخصص له سيارة غاية في الروعة والجمال !!..
ودار الزمان دورته وتغير الحال واختفت لجنة الإختيار للخدمة العامة … وحتي لانضيع عليكم وقتكم الثمين في البحث عن أسباب هذا التدني المريع في الخدمة المدنية سواءا كانت بالقطاع العام أو الخاص … فكلكم يعرف هذا الفيروس الذي استوطن في معاقل العمل والإنتاج بمختلف مسمياتها هذا الفيروس الذي ضرب المرافق الحكومية وحتي الخدمية منها فصارت لا تقدم خدمة إلا بالمقابل … هذا الفيروس الذي فتك بالأسواق ، الموانئ ، المطارات ، الجوازات ، الضرائب والجمارك وتقريبا لحق هذا الفيروس بكل ( الفجات ) فعاث فيها فساداً وفوضي ضاربة اطنابها وتخريب للبنية التحتية لم يسبق له مثيل !!..
كان الجنيه السوداني سيد العملات جميعا بما في ذلك الدولار الأمريكي والاسترليني ويوم الناس هذا نحتاج الي ٣٨٠٠ جنيه سوداني مقابل دولار واحد … هل هذا معقول إن يصل بنا الهوان لهذا الحد وان أردنا إن نشتري ليمونة أو بصلة في ارضنا الحدادي مدادي نشتريهما بالدولار ونركب الحافلة , القطار ، الباخرة والطائرة بالدولار ونحلق بالدولار ونشتري الكسرة بالدولار وندفع رسوم المدرسة والجامعة الخاصة بالدولار وندفع المهر بالدولار وندفع لفناني الأغاني الهابطة بالدولار … هذا خلاف الدواء وتذكرة الطبيب في بلادنا التي انعدمت فيها وسائل الترفيه فلا مسرح ولا سينما وحتي الكورة وصلت فيها المهزلة إن ينهزم المريخ في مباراة القمة بأربع إصابات نظيفة … دا زمان ما كان بيحصل لأن اصابة واحدة في أحد الفريقين تكلف الدولة فرض حالة طوارئ وخروج ( السواري ) !!..
عمنا صلاح قرشي مدير لجنة الإختيار للخدمة العامة اللهم أغفر له و ارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجزه يالله ياكريم يارحيم علي إخلاصه وتفانيه ونزاهته في كل ما أسند له من عمل وقد قام به خير قيام هو وصحبه الأبرار فجزاهم الله سبحانه وتعالى جميعا خير الجزاء وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .
ونختم بأننا اليوم نبحث عن مؤهلين وتكنوقراط ليديروا لنا عجلة خدمتنا المدنية التي شاخت واصابها العطب والم المفاصل والعضلات… نبحث عن أهل العلم والدراية والأخلاق فلا نجد إلا الجهلاء يفرضون أنفسهم بالبندقية وياليتهم التحقوا بفصول محو الأمية تلك الأمية المجهولة التي لا ندري مع من تكون ومعظمنا يري في نفسه صاحب الكفاءة والكارزما والبحر المحيط والمسوعية وبعد النظر والبراعة في أعلي مستوياتها !!..
طيب مع ذي ديل كيف يكون التصرف ؟!
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم