الانتخابات في جنوب السودان: بين الوعد السياسي واستحالة الواقع

lualdengchol72@gmail.com
الانتخابات في جنوب السودان: بين الوعد السياسي واستحالة الواقع بقلم: لوال كوال لوال أعلنت المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان نيتها إجراء انتخابات عامة خلال هذا العام، باعتبارها أحد الاستحقاقات المنصوص عليها في اتفاقية السلام المُنشّطة الموقعة عام 2018. غير أن هذا الإعلان، رغم ما يحمله ظاهريًا من إيحاء بالالتزام بالمسار الديمقراطي، يثير في الواقع قدرًا هائلًا من الشكوك والتساؤلات حول مدى واقعيته، بل وحول جدواه السياسية في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الدولة والمجتمع في جنوب السودان. فبعد أكثر من عقد على الاستقلال، لا يزال جنوب السودان يعاني من أزمة دولة مكتملة الأركان. إذ لم تنجح النخبة الحاكمة في تحويل اتفاقيات السلام المتعاقبة إلى مشروع وطني مستدام، بقدر ما جرى التعامل معها كترتيبات مؤقتة لتقاسم السلطة ووقف الحرب، دون معالجة جذور الصراع البنيوية. وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات أقرب إلى التزام شكلي مفروض بنصوص الاتفاقية وضغوط المجتمع الدولي، لا إلى استحقاق وطني نابع من إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء الشرعية. على المستوى الأمني، لا تتوفر أدنى الشروط اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. فالعنف المسلح لا يزال حاضرًا في أكثر من إقليم، والصراعات القبلية مستمرة، والاشتباكات المحلية تحصد أرواح المدنيين بصورة شبه يومية. كما أن السلاح منتشر خارج إطار الدولة، وتعدد مراكز القوة العسكرية يقوض أي قدرة حقيقية على تأمين العملية الانتخابية. وفي بيئة كهذه، لا يمكن الحديث عن حرية التنظيم السياسي، أو سلامة الناخبين، أو نزاهة الحملات الانتخابية. فالخوف، لا القناعة، هو العامل الحاسم في توجيه السلوك السياسي للمواطن. ولا يقل المشهد السياسي انسدادًا عن الوضع الأمني. فالفترة الانتقالية الممتدة منذ توقيع الاتفاقية لم تُستثمر في بناء مؤسسات ديمقراطية فاعلة، ولا في إصلاح القوانين المنظمة للعمل السياسي والإعلامي. كما أن الثقة بين أطراف العملية السياسية لا تزال ضعيفة، في ظل غياب الضمانات، واستمرار منطق الإقصاء والمحاصصة، وتوظيف الدولة لصالح فئة محددة. وفي ظل هذا الواقع، تصبح الانتخابات مجرد إعادة إنتاج لميزان القوى القائم، لا وسيلة لتغييره. أما الأزمة الاقتصادية، فهي أحد أخطر العوامل التي تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها. فالدولة تعاني من شلل اقتصادي شبه كامل، وانهيار في الخدمات الأساسية، وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة. الموظف الحكومي، الذي يُفترض أن يكون ركيزة للاستقرار الإداري والسياسي، بات عاجزًا عن تأمين احتياجاته اليومية، بعد أن تحوّل الراتب الشهري إلى حلم بعيد المنال. وفي ظل هذا الفقر المدقع، يصبح الصوت الانتخابي قابلًا للبيع، وتتحول الانتخابات إلى ساحة للمساومات، لا للتنافس البرامجـي. اجتماعيًا، أدت سنوات الحرب والعنف إلى تمزيق النسيج المجتمعي، وتعميق الانقسامات القبلية والمناطقية. وقد جرى توظيف هذه الانقسامات سياسيًا بصورة ممنهجة، ما أفقد فكرة المواطنة معناها العملي. وفي مثل هذا المناخ، لا تُدار الانتخابات على أساس البرامج والرؤى الوطنية، بل على أساس الولاءات الأولية والهويات الضيقة، الأمر الذي يهدد بتحويل العملية الانتخابية نفسها إلى عامل تفجير اجتماعي بدل أن تكون أداة للتسوية السياسية. وتزداد خطورة المشهد عند النظر إلى الجوانب الفنية والقانونية للعملية الانتخابية. إذ أعلنت السلطات نيتها إجراء الانتخابات بالاعتماد على نتائج التعداد السكاني الذي أُجري عام 2010، إبان وحدة السودان، وذلك بعد فشل الحكومة في إجراء تعداد سكاني جديد، رغم أن هذا التعداد يُعد أحد أهم الاستحقاقات الأساسية لأي انتخابات تشريعية عادلة، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الدوائر الانتخابية وتمثيل السكان. إن الاعتماد على بيانات قديمة لا تعكس الواقع الديمغرافي الحالي يُعد خللًا جوهريًا يمس صميم العدالة الانتخابية. فقد شهد جنوب السودان منذ عام 2010 تحولات ديمغرافية عميقة، بفعل الحرب والنزوح الداخلي واللجوء الخارجي، إضافة إلى التغيرات السكانية الطبيعية. وبالتالي، فإن الإصرار على استخدام نتائج تعداد تجاوزها الزمن يعني تكريس اختلالات قديمة في التمثيل السياسي، وإعادة إنتاج مظالم تاريخية لم تُحل. وتبرز هنا معاناة مناطق وإداريات بعينها، مثل أبيي، وبيبور، وفانرينق، التي لم تُنصف في التعداد السابق، وما زالت تعاني من التهميش في توزيع الدوائر والموارد والتمثيل. إن إعادة توزيع الدوائر الانتخابية استنادًا إلى معطيات غير دقيقة لا يهدد فقط نزاهة الانتخابات، بل يقوض الثقة في نتائجها قبل أن تُجرى. فكيف يمكن لمواطن أن يثق في عملية انتخابية يعلم مسبقًا أنها لا تمثله تمثيلًا عادلًا؟ وكيف يمكن لانتخابات كهذه أن تؤسس لاستقرار سياسي، وهي تقوم على ظلم بنيوي في توزيع السلطة؟ من ناحية أخرى، تفتقر المفوضية القومية للانتخابات إلى الاستقلالية والقدرة الفنية اللازمة لإدارة عملية انتخابية بهذا الحجم والتعقيد. فغياب الموارد، وضعف الكوادر، والتدخلات السياسية، كلها عوامل تُضعف مصداقية المؤسسة القائمة على تنظيم الانتخابات. وفي ظل غياب رقابة فعالة، سواء من القضاء أو المجتمع المدني أو الإعلام الحر، تصبح احتمالات التلاعب بالعملية الانتخابية مرتفعة إلى حد كبير. إن الانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد آلية لاختيار الحكام، بل هي عملية لإعادة إنتاج العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وفي حالة جنوب السودان، يبدو هذا العقد مفككًا أصلًا، إن لم يكن غائبًا تمامًا. فالدولة لم تنجح بعد في بسط سيادتها على كامل أراضيها، ولا في تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، ولا في بناء مؤسسات تحظى بالثقة العامة. وفي ظل هذا الفراغ، تصبح الانتخابات إجراءً شكليًا بلا مضمون حقيقي. إن الإصرار على إجراء الانتخابات في هذا التوقيت، وبهذه الشروط، يطرح تساؤلًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا: هل الهدف هو تمكين الشعب من اختيار من يحكمه، أم مجرد إضفاء شرعية شكلية على واقع مأزوم؟ وهل تُجرى الانتخابات من أجل المستقبل، أم من أجل تثبيت الحاضر بكل أزماته؟ في المحصلة، لا تكمن مشكلة الانتخابات في جنوب السودان في غياب النصوص أو المواعيد، بل في غياب الشروط الموضوعية التي تمنحها معناها الحقيقي. فالديمقراطية لا تُفرض بقرار، ولا تُختزل في صناديق اقتراع، بل تُبنى عبر الأمن، والعدالة، والاقتصاد، والمؤسسات، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وما لم تُعالج هذه القضايا جذريًا، فإن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة سيظل أقرب إلى المستحيل منه إلى الواقع.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …