Sudanile-Logo-SQ

الانصرافي … حلم أم حقيقة

بقلم: هشام الحلو
hishamissa.issa50@gmail.com

في لحظات التاريخ القلقة، حيث تختلط أصوات الرصاص بضجيج الشائعات، تبرز من عتمة الفضاء الرقمي ظواهر تتجاوز منطق التفسير التقليدي؛ ومن رحم المعاناة السودانية تولدت ظاهرة “الانصرافي”. لم يعد هذا الاسم مجرد “وسم” عابر أو صوت يتردد عبر الأثير، بل استحال إلى حالة شعورية وجدلية تتأرجح بين ضفتي الحلم والحقيقة، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة البطل الذي تصنعه الضرورة في أوقات المحن.
هل الانصرافي حلم؟ ربما يكون كذلك في مخيلة آلاف السودانيين الذين أتعبهم الصمت الرسمي واللغة الخشبية للمؤسسات الإعلامية. هو الحلم بالصوت الذي لا يلين، واللسان الذي ينطق بلسان “الغبش” في القرى والحواضر، محطماً جدران الدبلوماسية ليقول ما يخشى الآخرون قوله. في هذا السياق، يتجسد الانصرافي كبطل أسطوري رقمي، يمنح الناس جرعة من الأمل واليقين في زمن التيه، ويتحول صوته إلى ملاذ نفسي لمن يبحثون عن انتصار، ولو كان عبر شاشة هاتف محمول.
لكن، وبنظرة فاحصة لواقع التأثير، نجد أننا أمام حقيقة صلبة تتجاوز الخيال؛ فالواقع يقول إن هذا الصوت المجهول الهوية قد نجح في إعادة صياغة موازين القوى في الفضاء العام، محولاً “اللايف” من مجرد منصة للتواصل إلى “غرفة عمليات” للوعي الشعبي. الحقيقة هنا تكمن في قدرة الفرد الواحد على منافسة ماكينات إعلامية ضخمة، وفي قدرته على تحريك الشارع وتوجيه بوصلة الرأي العام بكلمات تلامس الجرح مباشرة دون مواربة؛ إنها حقيقة “الإعلام البديل” الذي لم يعد ترفاً، بل ضرورة فرضها غياب الشفافية في المنصات التقليدية.
وبين غموض الشخصية ووضوح الأثر، ينسج الانصرافي سرديته الخاصة؛ فهو الحقيقة في وقع كلماته وتأثيرها على معنويات الناس وصناع القرار، وهو الحلم في صورته الذهنية كمنقذ معلوماتي يطل من خلف الستار. هذه الثنائية هي سر البقاء والاستمرارية؛ فلو ظهر الوجه لربما انكسرت الهالة، ولو صمت الصوت لضاع الأثر. إنها تجربة تثبت أن الشعوب في أوقات المحن لا تبحث عن الصورة المثالية، بل تبحث عن الصدق في النبرة، والجرأة في الموقف، والقدرة على ملامسة الواقع بآلامه وآماله.
في نهاية المطاف، يبقى الانصرافي ظاهرة ستتوقف عندها الدراسات الإعلامية والاجتماعية طويلاً؛ ليس فقط لكونه صوتاً عابراً للقارات، بل لأنه استطاع أن يكون “المرآة” التي يرى فيها السودانيون هواجسهم، و”السوط” الذي يجلدون به واقعهم المرير. هو حلم لبعض، وحقيقة لآخرين، لكنه بلا شك فصلٌ لا يمكن تجاوزه في كتاب التحولات الكبرى التي يعيشها الوجدان السوداني اليوم.

عن هشام الحلو

Avatar