lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
أصبحت الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة ظاهرة سياسية متكررة تعكس أزمة عميقة في بنية الدولة الوطنية ومسار تشكّل السلطة فيها. فلم تعد هذه الانقلابات أحداثًا استثنائية أو ردود أفعال ظرفية، بل تحولت إلى نمط يعيد إنتاج نفسه كلما تعثرت النخب المدنية في إدارة الدولة أو فشلت في تلبية الحد الأدنى من تطلعات المجتمعات. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا حول طبيعة هذه الانقلابات: هل تمثل محاولة حقيقية لتغيير واقع مأزوم، أم أنها تعبير عن طموحات سياسية سلطوية تُسهم، في المحصلة النهائية، في تقويض الدولة وتسريع اندثار الأوطان؟ إن فهم هذه الظاهرة يقتضي العودة إلى الجذور التاريخية لنشأة الدولة في غرب إفريقيا بعد الاستقلال. فقد وُلدت معظم هذه الدول من رحم الاستعمار وهي تحمل مؤسسات ضعيفة، مصممة أساسًا لضبط المجتمع لا لخدمته، وتفتقر إلى عقد اجتماعي جامع يؤسس للمواطنة المتساوية. وفي هذا السياق، لم تكن الجيوش الوطنية مؤسسات مهنية محايدة، بل نشأت بوصفها أدوات للضبط والسيطرة، ما جعل تدخلها في السياسة أمرًا شبه طبيعي عند أول أزمة شرعية تواجه السلطة المدنية. ومع غياب مشروع وطني جامع، أصبح الجيش في نظر كثيرين البديل الجاهز لملء الفراغ السياسي. غالبًا ما تأتي الانقلابات العسكرية مصحوبة بخطاب إنقاذي يركز على فشل الحكومات المدنية في إدارة الاقتصاد، واستشراء الفساد، وتدهور الأوضاع الأمنية، خصوصًا في ظل تصاعد العنف المسلح وتوسع نفوذ الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل. ولا يمكن إنكار أن هذا الخطاب يجد قبولًا شعبيًا نسبيًا، خاصة في مجتمعات أنهكها الفقر، وتراجعت فيها الثقة بالنخب السياسية. غير أن الإشكالية لا تكمن في تشخيص الأزمة، بل في الوسيلة المقترحة لعلاجها. فالانقلاب العسكري، مهما كانت مبرراته، يمثل قطيعة مع المسار الدستوري، ويؤسس لشرعية قائمة على القوة لا على الإرادة الشعبية. تُظهر التجربة التاريخية في غرب إفريقيا أن الانقلابات نادرًا ما تؤدي إلى تحولات ديمقراطية مستقرة. ففي معظم الحالات، يتحول القادة العسكريون من فاعلين مؤقتين إلى حكام دائمين، يعيدون إنتاج أنماط الحكم الاستبدادي نفسها التي أطاحوا بها، وإن اختلفت الشعارات. وتُعلّق الدساتير، وتُقيد الحريات العامة، وتُدار الفترات الانتقالية بلا أفق زمني واضح، تحت ذريعة حماية الأمن القومي أو استعادة الاستقرار. ومع مرور الوقت، يصبح الحفاظ على السلطة هدفًا بحد ذاته، وتُهمَّش قضايا الإصلاح الحقيقي وبناء المؤسسات. إن أخطر ما تخلّفه الانقلابات العسكرية لا يقتصر على تعطيل المسار الديمقراطي، بل يمتد ليطال فكرة الدولة الوطنية نفسها. فعندما يصبح الاستيلاء على السلطة بالقوة أمرًا متكررًا، تتآكل شرعية المؤسسات الدستورية، ويضعف الإيمان بالقانون كمرجعية عليا لتنظيم الحياة السياسية. ويتحول الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تحمي الدولة إلى فاعل سياسي ينافس المدنيين على السلطة، ما يفتح الباب أمام صراعات داخلية، ويقوّض وحدة الدولة، ويغذي النزعات الانفصالية والاحتجاجات العنيفة. كما أن عسكرة السياسة تُضعف الانتماء الوطني، إذ يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له في تحديد مصيره، وأن التغيير لا يتم عبر صناديق الاقتراع، بل عبر الدبابات. وهذا الإحساس بالعجز السياسي يُسهم في تفكيك العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الوطن في نظر كثيرين كيانًا هشًا لا يوفر الحماية ولا العدالة، بل يفرض السيطرة فقط. وفي مثل هذا المناخ، تصبح فكرة الوطن نفسها موضع تساؤل، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع على السلطة لا إطارًا جامعًا للمواطنة. ولا يمكن فصل الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا عن السياق الإقليمي والدولي. فالمنطقة تشهد تنافسًا متزايدًا بين قوى دولية تسعى إلى توسيع نفوذها الاستراتيجي والاقتصادي، مستغلة هشاشة الدول وضعف مؤسساتها. وفي كثير من الأحيان، تتحول الانقلابات إلى فرصة لإعادة تموضع هذه القوى، ما يزيد من ارتهان القرار الوطني للخارج، ويُعمّق التبعية السياسية والاقتصادية. وهكذا لا يكتفي الانقلاب بإضعاف الدولة من الداخل، بل يجعلها أكثر عرضة للتدخل الخارجي والتوظيف في صراعات لا تخدم مصالح شعوبها. يطرح المدافعون عن الانقلابات سؤالًا يبدو منطقيًا في ظاهره: ماذا عن فشل النخب المدنية؟ أليس الانقلاب نتيجة طبيعية لهذا الفشل؟ غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية، وهي أن فشل المدنيين لا يمنح العسكريين شرعية الحكم، بل يكشف خللًا بنيويًا في النظام السياسي برمته. فالعلاج لا يكون باستبدال فشل مدني باستبداد عسكري، بل بإصلاح شامل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لحكم مدني خاضع للمساءلة، وقادر على إدارة التنوع وتحقيق العدالة. إن الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، رغم ما تحمله من وعود بالتغيير السريع، غالبًا ما تُفضي إلى نتائج عكسية، فتُفاقم الأزمات بدل حلها، وتُعمّق الانقسامات بدل معالجتها، وتُسهم في تآكل الدولة وربما في اندثارها. فالتغيير الحقيقي لا تصنعه القوة المسلحة، بل تبنيه المؤسسات، وتحميه سيادة القانون، وتؤسسه إرادة شعبية واعية قادرة على محاسبة الحكام، مدنيين كانوا أم عسكريين. وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل غرب إفريقيا لن يُحسم عبر الانقلابات، بل عبر كسر الحلقة المفرغة بين فشل الحكم المدني وتغوّل المؤسسة العسكرية. فالدولة التي لا تُبنى على الشرعية والمواطنة المتساوية، تظل عرضة للاختطاف والانهيار، مهما تبدلت الوجوه والشعارات. أما الأوطان، فلا تندثر فجأة، بل تتآكل ببطء عندما يصبح السلاح بديلًا عن السياسة، والقوة بديلًا عن العقد الاجتماعي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم