الانقلاب: الزهادة في الديمقراطية الليبرالية

عبد الله علي إبراهيم

لا أعرف تكتيكاً سياسياً كمثل الانقلاب العسكري جهلنا أشراطه وبواعثه في حين أوردنا موارد التهلكة. فضللنا في تحليله بزعمين. الأول إنه مما يوش به المدنيون للعسكريين الخلو من كل سياسة. ووافقت هذه النظرية شعواء المغايظة بين الأحزاب وما عُرف بالحديثة منها خاصة: الإسلاميون واليسار. فيفحم الواحد منهما الآخر: ألم تنقلب أنت بالجيش أيضاً؟ وكفى.

أما النظرية الأخرى فهي أن الانقلاب هو عقوبتنا المستحقة لأننا لا نحسن الديمقراطية، بل وخلو من ثقافة ديمقراطية. فهي لم تخلق لنا أصلاً. فمتى شغبنا في الديمقراطية جاء الجيش يؤدبنا:”مهرجلين” أشقياء.

ولأن علم السياسة عندنا في حالة فطيرة (underdeveloped ) تسرب من بين أيدينا مفهوم للانقلاب جاء به الحزب الشيوعي قبيل انقلاب مايو وخلال صراع جرى داخله حول أي التكتيكات يتبع ليخرج من وعثاء ردة نكسة ثورة أكتوبر 1964، في لغته، وحله من فوق منصة برلمان متوحش في شتاء 1964. واصطرع تكتيك الانقلاب العسكري على النظام وتكتيك المصابرة على النظام الديمقراطي على سوءته والعمل بين الجماهير للخروج من حالة الدفاع إلى الهجوم. وكان صراعاً شديد الخطر انتهى إلى انقسام الحزب في أغسطس 1970.

ودار ذلك الصراع في أروقة الحزب قبل الانقلاب ورشح في الفضاء العام في مناقشة جرت بين أستاذنا عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، وأحمد سليمان عضو اللجنة المركزية. فكتب الثاني يدعو للانقلاب على النظام الديمقراطي في جريدة “الأيام” ورد عليه عبد الخالق ينقض عقيدته في صحيفة “أخبار الأسبوع”. وما قام الانقلاب في 25 مايو حتى خرج هذا الصراع ليدور بين دوائر تقدمية وجماهيرية أوسع من الحزب الشيوعي. وكان دورانه حول طبيعة انقلاب 25 مايو ومآلاته.

وجاءت صيغة هذا المفهوم عن الانقلاب في أعمال دورة اللجنة المركزية للحزب في مارس 1969، قبل شهرين من الانقلاب. وجاء فيها التالي:

“التكتيك الانقلابي، بديلاً عن العمل الجماهيري، يمثل في نهاية الأمر وسط الجبهة الوطنية الديمقراطية مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة”

ومغزى المفهوم أن الانقلاب عسكري هرولة بالجيش غير مأمونة العواقب. فالانقلاب ليس ضيقاً صراحاً بالديمقراطية الليبرالية فحسب، بل يستدعي للعملية السياسة قوى هي الجيش ليس هذا ميدانها.

وسنقرأ في حديث قادم هذين المعنيين كما عبر عنهما منصور خالد وتبناهما في كتابه “حوار مع الصفوة” (مقالات نشرت بعد ثورة أكتوبر وصدرت في كتاب في 1979). وستجده لا زاهداًَ في الديمقراطية التي سماها غربية فحسب، بل رتب للجيش دوراً قيادياً في حكم بلاد تمنيه صفوته العصرية (بمثل الديمقراطية الليبرالية) في حين غلبت الأمية على 80% منه، “ويعيش ثلث أهله مع القردة والأفاعي في الغاب” و”ما زال خاضعاً لكل قيم واخلاقيات المجتمعات البدوية”.

*الراغب في الاطلاع على أدبيات الحزب الشيوعي عن الانقلاب يجدها في كتاب فؤاد مطر “الحزب الشيوعي: نحروه أم انتحر؟” وكتاب القدال “الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب مايو” (1986). ولتحليل الانقلاب كخطة للصفوة البرجوازية الصغيرة لبلوغ الحكم عنوة لاستحالة مجيئها له بالاقتراع العام أنظر كتابي “مصادر العنف في الثقافة السودانية” (المصورات 2019).

ونواصل إن شاء الله.

ibrahima@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

من أرشيف بابي “ومع ذلك”

الإسلاموعربية .. تاني أرجو أن يتدبر الحاملون على الثقافة العربية جيداً إن كانوا راغبين في …