بقلم: عمر الحويج
الحاقًا لمقالين أعدت نشرهما في هذا الشهر بهذا الموقع ومواقع صحفية أخرى . الأول كان بعنوان “حانت ساعة الصفر للانقلاب الاسلاموي عسكري” ونشر بتاريخ 15 / اكتوبر/2021م ، والثاني بعنوان الحق أبلج والباطل لجلج نشر بتاريخ 22 /أكتوبر / 2021م ، وكان عن مليونية 21 أكتوبر لمحاصرة الانقلاب قبل وقوعه . فكان لزامًأ أن أرفقهما بهذا المقال الثالث والخاص بتنفيذ الانقلاب ومآلاته ، التي أوصلتنا لهذه الحرب اللعينة ، والذي نشر بتاريخ 27/ أكتوبر /2021م اي بعد يومين من انقلاب البرهانوكوز والجنجوكوز : بالاشنراك مع كتلة الموز ، اللا ديمقراطية-كوز ، والليلة ما بنطلع إلا البيان يطلع !! .
دخلت علينا الجبهة القومية الإسلاموية بخدعتها الأولى ، تقيةً وفقهَ ضرورة ، حين خدعنا شيخ الحركة الراحل حسن الترابي بمقولته الإبليسية المخادعة ، التي كانت المفتاح الأخير لفك مغاليق هذه الحركة ، حين أجلسوه شهورًا عددًا مع معتقلي زعماء المعارضة ، للتغطية على فعلتهم المشؤومة ، في حالة فشلهم في الاستيلاء على السلطة . وقد نجحوا في مغامرتهم تلك ، فواصلوا فينا المؤامرة تلو الأخرى .
هذه الحركة النبت الشيطانية ، التي زُرعت على ظهر الشعب السوداني منذ ظهورها المُقوِّض لكل مسار يساعد على تطور السودان ، ظلت ، منذ ثورة أكتوبر المجيدة ، مسمارًا مغروزًا في جسد شعب السودان ، مجازًا ، حتى أوصلته إلى مسمار حقيقي مغروز في جمجمة شهيدنا الغالي الدكتور علي فضل ، وظلت تنشر سمومها وشرورها حتى لحظتنا هذه .
فها هو الإسلاموي ، المغفل النافع ، البرهان ، الذي تربّى تحت كنفهم ورعايتهم الشريرة ، والذي كانت له اليد الطولى في تنفيذ جرائمهم القذرة ، يظهر الآن بوجهه الحقيقي ، وينفّذ لهم انقلابهم الثاني ، ويستولي على السلطة باسمهم ولصالحهم ، ويأتينا بما أتى به شيخه ، وبتوصية من زعماء الحركة في مخابئهم ، كحلقة أولى من حلقات خطتهم المرسومة والمُعدّة سلفًا .
ولكن هذه المرة ، دون عناية منهم تُذكر ، كعادتهم في التخطيط الإجرامي ، بسبب ضيق فرصتهم الأخيرة لتحديد ساعة صفر مغايرة أو جديدة لهذا التوقيت ، مع اقتراب موعد تسليم السلطة للمدنيين تحت ضغط مواكب 21 أكتوبر 2021م ، وخوفهم من استكمال تنفيذ أهم بنود الوثيقة الدستورية . لذلك قفزوا ، دون تمهّل ، لتنفيذ خطة الانقلاب الملفّق والمتعجّل ، وهو الكرت الأخير في حصيلة مؤامراتهم ، خوفًا من أن يفقدوا نهائيًا الفرصة ، في تفكيك لجنة إزالة التمكين ، الهدف المؤرق والمقلق والقاتل لهم .
لذلك شابت خطة الحركة الإسلاموية خُرَّقٌِ كثيرة ، لأنهم لم يقرأوا المشهد السياسي جيدًا بعد مليونيات الخميس 21 أكتوبر 2021م . وهذه الأخطاء المرتكبة والمركّبة من الحركة ستؤدي بها إلى مزبلة التاريخ ، حيث عصمها المكوّن العسكري من مصيرها المحتوم طيلة السنوات التي أعقبت الثورة ، وهذا الانقلاب الذي كما قلت لم يحسنوا طبخته ، من غرائبه ، التي فاجأتهم ، أن مقاومته ، بدأت حتى قبل إعلانه من أجهزة إعلامهم ، وستذهب هذه المرة إلى ما هو أسوأ من مزبلة التاريخ ، وسيرسل منفّذ أوامرها إلى محكمة لاهاي الجنائية ، لا محالة .
فقد أعلن لنا ، تبريرًا لانقلابه المشؤوم على الدولة المدنية ، الأكذوبة نفسها التي أطلقها الترابي ، وإن بصيغة أخطر ، بسبب إعلانها على الملأ ، وبعظمة لسانه ، في عبارات يفصح ظاهرها عن فحواها ، بينما تخفي وراءها ، وفي باطنها ، كامل المخطط الشرير.
انظر إلى مقولة الرجلين، وعاين التخفي الماكر بينهما .
قال الأول: “أذهب أنا إلى السجن حبيسًا ، وأذهب أنت إلى القصر رئيسًا “. ولم نعلم بخبثها ، حيث أخفياها ، إلا بعد أن اختلف اللصان وظهر المسروق .
وجاءنا ربيبهم الآن بذات المقولة التي تُظهر غير ما تُبطن ، فقد أعلن ، في مؤتمره الصحفي تبريرًا لانقلابه الانتحاري ، الذي لا يقل شؤمًا عن انقلاب جماعته الأول في 30 يونيو 1989م ، الساقط والمدحور ، وقد غلّفها بذات الغلاف التلبيسي الإبليسي. وإن قالها الأول بذكائه وبلاغته المشهودة ، قالها الثاني بغبائه وركاكته المشهودة .
وقد فهم الشعب السوداني ، بعمق بصيرته وثوريته ، خديعته المكشوفة ، بل ربط بين المقولتين . ودعونا نفسّرها على وجهها الصحيح ، وبفهم شعبنا لها ، لا بما كان في بطن اللاشاعر الانقلابي ، فقد قال: “لو كان هذا الذي قمنا به انقلابًا عسكريًا، لكنا أول من يدينه ، لكنه فقط تصحيح لمسار الثورة” !! .
وتوقف الجميع من رهطه الانقلابي ، بشتى ألوانهم وسماتهم وسحناتهم الخيانية ، الذين لا يريدون من الوطن إلا تحقيق مصالحهم الذاتية الضيقة. وحتى مؤيدوهم من زوار الفضائيات ، من صحفيين ومحللين سياسيين مزوّرين ومخاتلين وخائنين ، أربكهم الدفاع عن مقولة “تصحيح المسار” المكذوبة ، الصعبة البلع والاستساغة ، فمرارتها تكمن في فحواها المخاتل .
وأغلبهم، وخاصة الخبراء ممن يدّعون الخبرة العسكرية ، ليسوا إلا خبراء ذواتهم الفانية وجيببهم ، وما يجنونه من مكاسب زائلة . وهم ينظرون كذبًا ، بحماس العارفين والعالمين ببواطن أمر الخطة ، وكأنهم وحدهم من يعرف أسرارها . فكلهم “وقعت ليهم الخطة” كل بطريقته ، في جرح غائر ، فتحمسوا للدفاع عنها دون عدة دفاعية مقنعة ، فتحولوا إلى أراجوزات كوميدية هزلية مضحكة مبكية . في آن ، أبدع في تصويرها فناني الكاريكاتير المبدعون .
فهم لا يعلمون إلا أن ، البرهان سيواصل الخطة حتى نهايتها ، ولكن بوجوه المدافعين عن الانقلاب بالباطل ، ومن زعماء الإنقاذ الجدد ، ومن كل الساقطين والانتهازيين ، مطعّمين بجماعة اعتصام الموز ذوي الحناجر التوزيرية .
أما الذين لهم الكسب الأعلى، فهم المسلحون الجدد ، وبعض فاقدي الوطنية الذين لا يتنفسون إلا عفونة الشمولية ، فاقدو البصر والبصيرة ، الذين لعبوا وأجادوا اللعب حين أعلنوا عن ميثاق الحرية والتغيير بنسخته التآمرية ، فيما سموه “العودة إلى منصة التأسيس”.
وهؤلاء ، حين كانت منصة التأسيس وليدًا يتأسس بالدم والدموع ، كان أغلبهم في الضفة الأخرى من الصراع . وقد أجزم ، أو يجزم غيري ، بأن أسماء الذين سيتسلمون وظائفهم جاهزة في أضابير الحركة الإسلامية ، وهم ، بمواقفهم ، معروفون، بدءًا من رئيس وزرائهم ووزرائه الجدد .
وكل التصحيحات العدلية ، والمفوضيات ، والمجلس التشريعي ، محددٌ من يتولى أمرها ، وكذلك رئيس القضاء والنيابة والمحكمة الدستورية . ولن يستغرب أحد حين يجد الناس بعض أعضاء هيئة الدفاع عن المخلوع وصحبه ضمن الطاقم الجديد للدولة التي يرون أنها دون وجيع .
وهكذا دواليك ، حتى أصغر مسؤول في الدولة . إنها مهزلة التمكين المتمكّن الجديد . وهزلت ، ودقّي يا مزيكة!! .
ولن يتردد البرهان في ترديد الأكاذيب لتأكيد عدم انتماء هؤلاء إلى الأحزاب ، وأنهم مجرد تكنوقراط ومستقلين ، وأن همّهم الأول خدمة الوطن والمواطنين… كذا..تبًا لك ا! .
وسيتواصل هذا المسلسل حتى التحضير لانتخابات “الخج” التي يجيدونها . وحتى يحين أوانها ، يكونوا قد أعادوا تمكينهم الذي أزالته لجنة إزالة التمكين الباسلة ، التي أسرعوا بحلها بعد الصراع الشرس الذي خاضته ، مدعومةً من شعبها ، منذ تأسيسها . ويحلمون بانقلابهم هذا باستعادة أموالهم وممتلكاتهم المنهوبة .
تصوروا سذاجتهم هذه المرة !! هذا الحلم الكاذب ، كالحمل الكاذب، لن يرثوا من ورائه إلا الندامة والفشل الذريع ، اللذين سيوردهم موارد التهلكة في الحلقة الخاتمة لهذا المسلسل طويل الحلقات التآمرية .
فالمدنية والديمقراطية عائدتان وراجعتان ، وكاسبتان للرهان ، وهم يرونهما تمشيان قادلتين بزغاريد كنداكاتها ، وبسالة الجيل الراكب راس ، وهم ، أمامهم حناجر السلمية ، في الشوارع التي لا تخون .
وأصيلٌ وباسلٌ أنت يا شعب السودان ، مبدع الثورات !! .
