زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
بين رفض الهدنة وخسارة الأرض
تشكل المعادلة الاستراتيجية في أي نزاع مسلح تحدياً وجودياً لأطرافه: فمن يرفض الهدنة يسعى لتحسين وضعه الميداني ليأتي إلى طاولة المفاوضات صاحب اليد العليا، لكن الخطر يكمن في أن الرفض المتكرر قد يؤدي إلى خسائر تراكمية تفقده الأرض والتفاوض معاً. هذه المعادلة تتعقد في السودان اليوم، حيث يواجه الجيش السوداني حالة انهيار جزئي مقلق بعد فقدانه ما يقارب ربع قوته القتالية (6 فرق مشاة من أصل 22)، ومساحات شاسعة تزيد عن ثلث مساحة البلاد.
الواقع العسكري المُر: بين الإنكار والمواجهة
إن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد مناوشات عابرة، فهو انهيار تدريجي لمنظومة دفاعية كاملة. الأكثر إثارة للقلق هو رد الفعل الرسمي والشعبي الذي يتسم بالإنكار واللامبالاة، وكأننا نتعامل مع أزمة هامشية قابلة للحل التلقائي. هذا التجاهل لن يحل المشكلة بل سيعمقها، ويجعل الخروج من المأزق العسكري أكثر تكلفة وتعقيداً.
يبدو أن ثمة معضلة استراتيجية تواجه القيادة العسكرية: إما أن تكون لديها القدرة على تحقيق تقدم واضح في كردفان ودارفور، وإما أن توافق على الهدنة والمفاوضات كخيار واقعي للحفاظ على ما تبقى من الجيش ومؤسسات الدولة. الواقع يشير إلى أن الخيار الثاني هو الأجدى، فالحروب لا تُخاض بالعواطف وإنما بالحسابات العسكرية الدقيقة.
الجغرافيا تقاتل مع أصحابها: خصوصية دارفور وكردفان
يكمن أحد أسباب سوء التقدير في عدم إدراك الكثيرين لخصوصية المناطق الغربية. فبيئة شمال وشرق ووسط السودان تختلف جذرياً عن بيئة دارفور وغرب كردفان. في الأولى، البيئة صديقة للجيش ومعادية لخصومه، بينما في الثانية، الوضع معكوس تماماً.
إن التضاريس الصعبة والرمال المتحركة التي تبتلع المقاتلين بالآلاف، والبنية الاجتماعية المعقدة، تجعل من أي تحرك عسكري كبير مغامرة مكلفة. التاريخ العسكري في هذه المناطق يثبت أن حروب الاستنزاف لم تنتهِ لصالح أي طرف بشكل حاسم، بل أدت إلى إضعاف الجميع.
درس التاريخ: عجز متراكم وعقلانية مطلوبة
لطالما عجز الجيش السوداني، حتى مع حلفائه، عن القضاء على ظاهرة النهب المسلح لسنوات طويلة. كما فشل في إنهاء تمرد حركتين مسلحتين صغيرتين نسبياً مقارنة بقوة الدعم السريع الحالية. هذا السجل التاريخي يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن للجيش أن يحقق نصراً حاسماً على قوة أكبر وأكثر تنظيماً وتجذراً؟
إن خبرة الجيش الطويلة في دارفور تجعله يقيس الأمور بمقياس عسكري عقلاني أكثر منه عاطفياً، وهذا ما يفسر تردده في خوض معارك قد تكون خسائرها أكبر من مكاسبها. كثير من التحركات السابقة كانت بهدف كسب الرضا الجماهيري أكثر من كونها خططاً عسكرية مدروسة.
نحو حل واقعي: الدمج الوطني بدل المواجهة العقيمة
يجب أن نعترف بحقيقة أساسية: الدعم السريع يمثل حواضن اجتماعية واسعة، وأفرادها سودانيون لهم حقوق وواجبات. الحل العسكري الواهم لن يجلب إلا مزيداً من الدمار، بينما الحل السياسي الواقعي يفرض نفسه.
الحل الأمثل، دون المساس بمسائلة مرتكبي الانتهاكات، يكمن في دمج الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى في جيش وطني مهني موحد. هذا هو المسار الذي سيسفر عنه أي اتفاق سلام ذي مصداقية إذا أراد السودان البقاء موحداً.
الوقت ضد الجميع
إن إضاعة الوقت والأرواح والأموال في معارك لا طائل تحتها هو خيار غير مسؤول. السودان يواجه لحظة مصيرية تتطلب شجاعة الاعتراف بالواقع، والتخلي عن الأوهام القاتلة. القيادة العسكرية والسياسية مدعوة اليوم لاتخاذ قرار تاريخي: إما الاستمرار في مسار التدمير الذاتي، أو تبني خيار التفاوض الجاد الذي يحفظ ما تبقى من الدولة والجيش والشعب.
إن الوطنية الحقيقية لا تكمن في التمسك بمواقف متصلبة تؤدي إلى الدمار، بل في المرونة الواقعية التي تحفظ البلد من الانهيار الكامل. السودان أكبر من أي فصيل، ومستقبله أهم من أي انتصار وهمي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم