البازار منصة للحضارة والاقتصاد والتواصل الإنساني

يظل مصطلح “بازار” أكثر من مجرد كلمة مرادفة للسوق؛ فهو فضاء رحب للتلاقي، ونافذة تُطل على تنوّع الحضارات والثقافات التي شكّلت السودان عبر قرون طويلة. غير أن الكلمة اكتسبت بُعداً جديداً في سياق الهجرة القسرية التي فرضتها الحرب منذ عام 2023، حينما نزح عدد كبير من الأسر السودانية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بحثاً عن الأمان والاستقرار. وسط هذا المشهد، تبرز تجربة النادي الاجتماعي السوداني – أبوظبي في تنظيم فعاليات “البازار السوداني”، بوصفها مبادرة اقتصادية وثقافية واجتماعية متكاملة، نجحت في أن تكون جسراً بين الماضي والحاضر، وبين الوطن الأم ومغتربيه، وبين الفن والإنتاج. حين يتجول الزائر في أروقة البازار، يكتشف أن المعروضات ليست مجرد منتجات عابرة. إنها انعكاس مباشر للهوية السودانية بكل غناها وتنوعها: من الأقمشة المطرزة والجلابيب التقليدية، إلى الحرف اليدوية المتقنة، والمأكولات الشعبية التي تحمل نكهة النيل والصحراء والسهول الخضراء. بهذا التنوع، لا يقدم البازار مجرد سلعة للتبادل، بل يعرض تجربة ثقافية كاملة، حيث يتحول كل جناح إلى لوحة تعكس قصة مجتمع، وكل قطعة إلى شهادة على حضارة متعددة المشارب. لم يكن البازار مجرد فعالية احتفالية، بل لعب دوراً اقتصادياً مهماً، خصوصاً بعد نزوح آلاف الأسر السودانية التي وجدت في الإمارات وطناً ثانياً. فمن خلال هذه الفعاليات الدورية، وجدت الأسر المنتجة فرصة لعرض منتجاتها، وتسويق مواهبها، وتحويل معاناتها إلى طاقة خلاقة قادرة على توليد مورد مالي يعينها على التكيف مع واقع جديد. كما أن هذه التجربة أسهمت في تعزيز قيم الاعتماد على الذات وريادة الأعمال، لتتحول إلى منصة تحتضن المشروعات الصغيرة وتفتح أمامها آفاقاً أوسع.

هذا العام يحمل للبازار السوداني بُعداً احتفالياً خاصاً، إذ يصادف اليوبيل الفضي لفعاليات تكروني في أبوظبي، والذي سيُحتفى به يوم 13 سبتمبر 2025. الاحتفال المرتقب لن يكون مجرد حدث سنوي عادي، بل مهرجاناً واسعاً يشارك فيه نجوم الفن والمجتمع، في لحظة تجسّد معاني الامتداد والتواصل والتجديد. وتحت إشراف أمانة الشؤون الاجتماعية، يجري التحضير لفعاليات غير مسبوقة ستُعيد التأكيد على أن الثقافة والفن يمكن أن يكونا أدوات للتماسك الاجتماعي والإلهام الجماعي. ولا يمكن الحديث عن بدايات هذه التجربة دون التوقف عند اسم الأستاذ المربي وليد تكروني، الذي كان من أوائل من آمنوا بفكرة الفضاءات المفتوحة للسودانيين في أبوظبي. تكروني جمع بين صفتي الفنان والمعلم، فكان صوته وأداؤه الفني مرآة لروح الوطن، في الوقت الذي شكّلت مسيرته التربوية نموذجاً في العطاء والمعرفة. ومن خلال جهوده، تحوّل البازار من فكرة صغيرة إلى حدث راتب يستقطب العائلات السودانية ويتيح لها مساحات للتواصل والدعم المتبادل.

يظهر البازار السوداني في أبوظبي كمنصة جامعة، تتجاوز حدود البيع والشراء لتلامس أبعاداً أعمق: فهو فضاء للذاكرة، ومختبر للهوية، وحاضنة للمبادرات الاقتصادية والاجتماعية. ومع كل دورة جديدة، يثبت هذا الحدث أن قوة الشعوب تكمن في قدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص، والشتات إلى جسور، والفن إلى أداة مقاومة إيجابية. وبينما يستعد السودانيون للاحتفال باليوبيل الفضي، يبقى البازار شهادة حيّة على أن الحضارة ليست ما نتركه خلفنا فقط، بل ما نحمله معنا أينما ذهبنا، وما نعيد صياغته في مواجهة التحديات.

samir.alawad@gmail.com

د. سامر عوض حسين

عن سامر عوض حسين

سامر عوض حسين

شاهد أيضاً

التهيئة النفسية للسلام

السلام ليس مجرد اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة تُوقّع بين أطراف متنازعة، بل هو حالة …