البرجوازية تقصف القصر: اعتقال مادورو كفصل في حرب طبقية كونية

بقلم: إدوارد كورنيليو

لم يكن اقتحام القصر الرئاسي في كاراكاس واعتقال نيكولاس مادورو وزوجته على يد قوة أمريكية خاصة مجرد عملية عسكرية خاطفة، بل كان مشهدًا مسرحيًا فائق الرمزية، كُتب بحبر رأس المال، وأُخرج على مسرح العلاقات الدولية، وأُريد له أن يكون درسًا مرعبًا لكل من تسوّل له نفسه أن يخرج عن النص النيوليبرالي. في الظاهر، بدا الحدث وكأنه تصفية لحاكم متهم بالاستبداد وسوء الإدارة. لكن في جوهره، كان تصفية لفكرة، لإرث، لمحاولة – مهما كانت متعثرة – لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة، والثروة، والشعب.

لا يمكن قراءة هذا الحدث إلا بوصفه لحظة من لحظات الصراع الطبقي العالمي، حيث تتدخل الإمبريالية – بوصفها الذراع العسكري للبرجوازية العالمية – لإجهاض أي مشروع يهدد منطق التراكم الرأسمالي. مادورو، رغم كل تناقضاته، ورث مشروعًا حاول أن يعيد توزيع الثروة النفطية لصالح الطبقات الشعبية، أن يضع الدولة في موقع الفاعل الاقتصادي، وأن يحدّ من تغوّل السوق. وهذا وحده كافٍ ليجعله هدفًا.

فالبرجوازية لا تسامح. قد تتسامح مع الفساد، مع القمع، مع انتهاك الحريات، لكنها لا تتسامح مع من يعبث بقواعد اللعبة الاقتصادية. وما فعله مادورو – كما فعل تشافيز قبله – هو أنه حاول أن يغيّر قواعد اللعبة. أن يقول إن النفط ليس سلعة، بل حق. وإن الدولة ليست حارسًا على بوابة السوق، بل أداة في يد الجماهير. وهذا، في منطق رأس المال، جريمة لا تُغتفر.

لقد بات من الواضح منذ زمن طويل أن الدولة ليست كيانًا محايدًا، بل جهاز يُستخدم لحماية مصالح الطبقة السائدة. وما جرى في كاراكاس هو تذكير صارخ بهذه الحقيقة. فحين تفشل أدوات السيطرة الناعمة – من حصار اقتصادي، إلى حرب إعلامية، إلى دعم المعارضة – تتدخل الدولة الإمبريالية مباشرة، وتُسقط القناع. الطائرات لا تُرسل لحماية الديمقراطية، بل لحماية الأسواق. الجنود لا يقتحمون القصور من أجل حقوق الإنسان، بل من أجل إعادة ضبط ميزان القوى الطبقي.

الرسالة التي أرادت الولايات المتحدة إيصالها واضحة: لا بديل. لا بديل عن النيوليبرالية، عن السوق، عن الخصخصة، عن التبعية. كل محاولة لبناء اقتصاد متمركز حول الإنسان، لا حول الربح، ستُقابل بالقصف. كل محاولة لإعادة توزيع الثروة ستُقابل بالعقوبات. كل محاولة لبناء سيادة وطنية خارج المنظومة الإمبريالية ستُقابل بالاجتثاث.

وهنا يتضح أن الرأسمالية، في لحظات أزمتها، لا تتردد في اللجوء إلى العنف العاري. فحين تهتز شرعيتها، تستدعي دباباتها. وحين تفقد قدرتها على الإقناع، تلجأ إلى الإخضاع. وما حدث في فنزويلا هو لحظة من لحظات “الاستثناء”، حيث تُعلّق القوانين، وتُستأنف الحرب الطبقية بأدوات عسكرية.

لكن كاراكاس ليست جزيرة. ما جرى هناك هو إنذار لكل من يفكر في الخروج عن الصف. في أفريقيا، حيث بدأت بعض الدول تطرد الشركات الغربية وتعيد النظر في اتفاقياتها الاستعمارية. في آسيا، حيث تتشكل تحالفات جديدة تحاول كسر الهيمنة الأمريكية. في أمريكا اللاتينية، حيث لا تزال الذاكرة الثورية حيّة رغم كل الهزائم. الرسالة موجهة للجميع: من لا ينضبط، يُقصف.

لكن ما لا يفهمه رأس المال هو أن الأفكار لا تُقصف. أن الذاكرة لا تُعتقل. أن القصور قد تسقط، لكن الحلم لا يسقط. فكما لم تمت فكرة العدالة بموت أصحابها، ولا انتهت الثورة بسقوط رموزها، فإن مشروع الإنصاف الاجتماعي في فنزويلا لن يُمحى باعتقال مادورو. بل لعل هذا الاعتقال، بكل ما فيه من عنف واستعراض، يكون الشرارة التي توقظ الضمائر، وتعيد طرح السؤال الجوهري: من يملك؟ ومن يُقصى؟ ومن يُقرر؟

الرد لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل ببناء جبهات مقاومة أممية، تربط بين الحركات الاجتماعية، والنقابات، والمثقفين، والمهمّشين. الرد يكون بإعادة الاعتبار للفكر، للتنظيم، للوعي الطبقي. الرد يكون بإدراك أن ما جرى في كاراكاس ليس استثناءً، بل قاعدة. وأن من لا يملك أدواته، يُسحق.

ليست هذه نهاية مادورو، بل بداية سؤال. ليست نهاية المشروع، بل اختبار لجدواه. ليست نهاية الحلم، بل لحظة استدعاء لكل من لا يزال يؤمن أن العالم يمكن أن يُدار بغير منطق الربح.

وإذا كان رأس المال قد قصف القصر، فإن التاريخ لا يُكتب بالصواريخ، بل بما يبقى بعد أن ينقشع الدخان: الذاكرة، والوعي، والشرارة التي لا تنطفئ.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

الخراب الذي يُعاد إنتاجه: تأملات في الذكرى الثانية عشرة لحرب جنوب السودان

بقلم: إدوارد كورنيليو في ديسمبر من هذا العام، تمر اثنتا عشرة سنة على اندلاع الحرب …