البرلمان صوت الشعب.. وليس سلطة إذعانية للتنفيذية .. بقلم: إمام محمد إمام
16 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
21 زيارة
من المعلوم بالضرورة، أن البرلمان هو السلطة الشعبية التي تُنافح من أجل المواطنين، إذ أن أي برلماني يبدأ منافحاته في البدء لمصلحة ناخبيه، ومن ثم يتجه بكلياته للمصالح العُليا، متمثلةً في مصلحة الوطن، من حيث الرقابة اللصيقة لأداء السلطة التنفيذية. ولا يقبل البرلمانيون الإذعان للسلطة التنفيذية من غير ضروراتٍ ملحةٍ تصبُ في مصلحةِ الوطن والمواطنين. فكانت التصريحات الصحافية لبعض النواب بالقطاع الاقتصادي في المجلس الوطني (البرلمان) التي نُشرت في صُحف يوم الخميس الماضي فاجعةً، عند مطالبتهم برفع الدعم عن القمح والوقود، بحُجة توجيه أموالهما إلى الفقراء والمساكين.
وأحسبُ أنه من الضروري، أن يتفهم بعض نواب البرلمان أن قضايا الدعم من القضايا الحساسة التي تُثير بلبلةً ومخاوفَ شتى، دون دراستها دراسةً مستفيضةً، وإحداث مواءمةٍ إعلاميةٍ حولها، لتشرح ضروراتٍ مُقنعةٍ، وأبعادٍ مختلفة، حتى تنزل برداً وسلاماً على المواطنين. والغريب أن السلطة التنفيذية نفسها، في أكثر من مناسبةٍ ترفض التلويح برفع الدعم عن السلع الضرورية، خِشية تداعيات هذا التلويح على سلامة الوطن والمواطنين، ونلحظ ذلك في تصريحات كثير من مسؤولي القطاع الاقتصادي، من بينهم الأخ بدر الدين محمود عباس وزير المالية. وكان على هؤلاء البرلمانيين بدلاً من الدعوة أو المطالبة برفع الدعم عن بعض السلع الضرورية، البحث عن آليات لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين، فقراءَ ومساكين وغيرهم كُثر، وإن لم يندرجوا تحت مظلة جمهرة الفقراء والمساكين، بما لديهم من سلطات تشريعية، تشرع قوانين وتفرض رقابة على كثير من المضاغطات التي ترهق كاهل المواطن.
وفي رأيي الخاص، أن برلمانات العالم تكون في مشاداتٍ مشهودةٍ مع السلطات التنفيذية، بحُجية أن ناخبيها يشكلون مُهدداً خطيراً على استمرارهم في البرلمان، إذ لم ينافحوا عنهم مُضاغطات السلطة التنفيذية التي موكول لها أمر توفير موازنةٍ لكثيرٍ من القطاعات، لا تجد معه فكاكاً إلا اللجوء إلى المواطنين بزيادة الضرائب والجمارك، أو إلغاء بعض الإعفاءات، وإن اضطرت استصحبت فقه الضرورة، برفع الدعم عن السلع الضرورية، مع ضرورة التحوط لتداعيات مثل هذه القرارات التي يفرضها واقع مرير، لن تجد السلطة التنفيذية مناصاً إلا الركون إليه.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أن مطالبة بعض البرلمانيين برفع الدعم عن القمح والمحروقات لم تستفز المواطن العادي فحسب – لفداحة المطالبة، ومعرفة التداعيات – بل استفزت زملاءَ لهم في البرلمان نفسه، فخرجوا بتصريحاتٍ ناريةٍ تُندد بتوجه البعض إلى المطالبة برفع الدعم عن المحروقات وزيادة أسعارها، فانبرى النائب البرلماني مهدي عبد الرحمن أكرت قائلاً لعددٍ محدودٍ من الصحافيين: “إن رفع الدعم عن المحروقات وزيادة أسعارها، تعني الزيادة في كل شيءٍ، في ظل عدم زيادة المرتبات”، داعياً إلى أن يكون الحد الأدنى للمرتبات 1500 جنيه بدلاً من 450 جنيهاً.
وأحسبُ أن عبارة بعض زملاء أكرت البرلمانيين الذين تحججوا بضرورة رفع الدعم عن القمح والوقود، كان حجاجهم في ذلك توجيه أموال هاتين السلعتين الضروريتين إلى الفقراء والمساكين. ولكن هذا التبرير استفزه أيما استفزاز، فقال بنبرةٍ قويةٍ، ولغةٍ حازمةٍ: “إن 80% من الشعب السوداني يعيشون تحت خط الفقر”، موضحاً أن مُبادرة رفع الدعم عن المحروقات فيها خيانةٌ للشعب السوداني، وخيانةٌ للأمانة، مضيفاً لقد أتينا إلى هذا البرلمان محمولين على أعناق الجماهير، ووصفهم بالبرجوازية الصغيرة، واتهمهم بعدم الإحساس بقضايا المواطن ومعيشته، وأنهم خانوا الأمانة التي حملها لهم الشعب.
أخلصُ إلى أن مُناداة بعض النواب برفع الدعم أثارت جدلاً واسعاً حتى بين صفوف البرلمانيين أنفسهم، واشتط بعضهم في وصف زملائه المطالبين برفع الدعم عن المحروقات، بأنهم انتهازيون، وأن مطالبتهم هذه خيانة للشعب، وقد استفزت هذه المطالبة بعضهم، فوصف كرار محمد علي رئيس كُتلة نواب شرق السودان في المجلس الوطني (البرلمان)، الذين يطالبون برفع الدعم عن المحروقات والقمح من النواب بـ”المتسلقين والانتهازيين”، وقال: “إنهم لا يعبرون عن معاناة المواطن ورغباته”. هكذا أثار هؤلاء النواب حنق الكثيرين ممن اطلعوا على مطالبتهم برفع الدعم عن بعض السلع الرئيسية، ولم يسلموا حتى من بعض زملائهم النواب الذين أثارت غيظهم هذه المطالبة في هذا الوقت العصيب. وما زلتُ عند رأيي أن الكثير من التصريحات الصحافية في غياب المواءمة الإعلامية، تُثير جدلاً كنا في غنى عنه، وتصرفنا عن القضايا الأساسية التي كان ينبغي أن نكرس لها هذه الجُهود في تحقيق مقاصدٍ مهمةٍ لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”.
وقول الشاعر العربي، عمرو بن الأهتم السعدي:
وَكُلُّ كَرِيْمٍ يَتَّقِي الذَّمَّ بِالْقِرَى وَلِلْخَيْرِ بَيْنَ الصَّالِحِيْنَ طَرِيْقُ
لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأهْلِهَا وَلَكِنَّ أَخْلاَقَ الرِّجَالِ تَضِيْقُ
=====